عائلة غزال المفضوحة بعمالتها للنظام البائد

علي بكر الحسيني

إن علاقة آل غزال بالنظام البائد أكثر من قربٍ اجتماعي أو مجاملة سياسية كما هو حال كثير من عائلات الساحل. كانت علاقة ولاء مطلق لعصابة الأسد منذ سبعينيات القرن الماضي، علاقةٌ تكرّست عبر رجال دين استخدموا عمامتهم ونفوذهم الاجتماعي ليكونوا جزءًا من ماكينة السلطة. في جبلة وريفها كان كل من يعرف المشهد يدرك أنّ آل غزال – أو الوجوه البارزة منهم – لم يكونوا يوماً على مسافة من النظام، بل كانوا منخرطين فيه، يردّدون خطابه، ويبرّرون جرائمه، ويقدّمون أنفسهم كوسطاء بين الأجهزة والناس.

كان عبد الرحمن غزال هو “الشيخ التقليدي” صاحب اللغة الهادئة التي تخفي خلفها طاعة كاملة للنظام. خطبه في القرى لم تكن تنصح الناس أو تخفف همومهم، بل كانت تعيد إنتاج رواية السلطة بحذافيرها: أي اعتراض هو فتنة، وأي نقد هو مؤامرة، وأي موقف خارج السرب هو خيانة للطائفة. هكذا ساهم في صناعة بيئة خائفة، ترى في النظام قدراً لا يُرد، وفي الأسد أباً لا يجوز الخروج عليه. هذا الدور كان مطلوباً جداً لدى الأجهزة، لأنه يمنح الطاعة لوناً دينياً.

ثم يأتي موفّق غزال، وهو الأكثر التصاقاً بالأفرع الأمنية. هنا تظهر الحقائق التي لا يمكن تجاوزها: الرجل كان على علاقة واضحة بـ معراج أورال (علي كيالي)، المسؤول عن مجزرة البيضا وجرائم أخرى شهدتها المنطقة. ليست رواية مختلقة، بل شهادة ظلّ أهل جبلة والبيضا وبسنادا يرددونها لسنوات. شارك موفّق غزال في اجتماعات ظهر فيها أورال، وساعد – بشكل مباشر أو غير مباشر – في تعبئة الشباب للالتحاق بمجموعات أورال الطائفية التي ارتكبت من الفظائع ما يعرفه أهل الساحل أكثر من غيرهم. لم يكن دوره وعظاً دينياً، بل غطاءً اجتماعياً لجرائم منظمة.

أما غزال غزال فهو الأكثر صخباً ووقاحة في التحريض. صوته كان حاضراً في كل حملة تعبئة لصالح النظام. ولم يكن رجل دين بالمعنى الحقيقي، بل “محرّض طائفي” يبحث عن مكان بين الكبار، ويرضي الأجهزة بخطابٍ يعيد إنتاج خوف الطائفة كلما احتاج النظام إلى شد العصب. ومع اندلاع الثورة السورية، رفع صوته أكثر، وصار يهاجم كل معارض، ويصطف إلى جانب القتلة باعتبار ذلك “حماية للوجود”.

وما يثبت كل ما نقوله عن آل غزال هو ما يفعله غزال غزال اليوم. الرجل الذي قضى عمره يخدم النظام، قرّر فجأة أن يرتدي عمامة شيعية كاملة، مع أنّ الطائفة العلوية لا تعرف هذه العمامة شكلاً ولا وظيفة. أراد أن يخترع لنفسه شرعية جديدة، بعد سقوط شرعيته القديمة بسقوط النظام، لكنه يجب أن لا يخدع أحداً. أبناء القرى يعرفون أنه ليس شيخاً حقيقياً، وأن عمامته الجديدة ليست سوى قناع آخر.

وبالتزامن مع هذا المظهر المفتعل، بدأ تحريضه الجديد ضد الدولة السورية الوليدة من رحم الثورة، مستقطباً بعض أبناء الطائفة بخطاب مزدوج. جزء منه يلامس الألم الحقيقي: مثل المطالبة بعودة المفصولين إلى وظائفهم، والحديث عن تجاوزات أمنية يعترف النظام الثوري نفسه بوجودها – وهذه مطالب محقة. لكن خلف هذه العناوين يخفي غزال غزال مطلباً مريباً: إطلاق سراح العسكريين المعتقلين. العسكريون الذين يتحدث عنهم ليسوا شباباً مظلومين بغالبيتهم، بل ضباطاً ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوري، يحاول اليوم إعادة تدويرهم وكأن شيئاً لم يكن.

والسخرية أنّ غزال غزال أوعز للناس بالخروج إلى الشارع تحت عنوان عريض “لا للطائفية”، بينما كل هتاف أنصاره كان طائفياً صريحاً. رفعوا أعلام الطائفة بدل علم البلاد الذي سقط دفاعاً عنه مئات آلاف الشهداء. كيف يكونون ضد الطائفية وهم يرفعون رموز الطائفة فوق رموز الوطن؟ وكيف يتحوّل رجل خدم الأسد لعقود إلى “ثائر” لمجرد أنه فقد امتيازاته القديمة؟

إن حكاية عبد الرحمن غزال وموفّق غزال وغزال غزال قصة شبكة كاملة خدمت النظام، وحمت مصالحه، وزجّت بأبناء الطائفة نفسها في محرقة استمرت نصف قرن. واليوم، بعد أن انكشفت الوجوه، يعرف الناس أنّ من باعهم أول مرة لن يتردد في بيعهم مرة ثانية، وأنّ حقيقة هؤلاء لم تتغير يوماً، بل تغير فقط الغطاء الذي يختبئون خلفه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى