
في اليوم الثالث لمعركة “ردع العدوان” (29 من تشرين الثاني 2024)، انتقلت المعركة من أطراف مدينة حلب إلى قلبها، ومن معركة طُرق وعُقد استراتيجية إلى صراع على مدينة كانت توصف دائماً بـ”عاصمة الشمال” ورمز استعادة نظام الأسد لنفسه، أواخر العام 2016.
في هذا اليوم تحديداً بدا واضحاً أن السؤال لم يعد: هل “ستتحرّر” حلب؟ بل متى وكيف، وماذا بعد؟
أبرز ملامح اليوم الثالث
توسّعُ وجود فصائل “إدارة العمليات العسكرية” داخل مدينة حلب، عقب سيطرتها على أحياء محورية مثل: الأعظمية والجميلية والحمدانية، مع اختراق “مدفعية الزهراء” شمال غربي المدينة ومنطقة الراموسة جنوباً.
حسمُ معركة سراقب وسلسلة البلدات المحيطة بها في ريف إدلب الشرقي، تحت غطاء مكثّف من مسيّرات “شاهين”، التي لعبت دور “اليد الطولى” في استهداف ارتال نظام الأسد وميليشياته المنسحبة.
رسائل من “حكومة الإنقاذ” (الذراع الإداري سابقاً لـ”هيئة تحرير الشام”)، إلى روسيا وأهالي بلدتي نبل والزهراء ذات الغالبية الشيعية شمالي حلب، وسط اتصالات بين النظام وطهران، وموقف تركي أعلن أنّ “الهدوء في إدلب أولوية”، بينما بدأت عواصم العالم الحديث عن “حسم في حلب سيغيّر قواعد اللعبة”.
أولى ساعات اليوم الثالث.. من أطراف حلب إلى أحيائها
دخل فجر 29 من تشرين الثاني، وكانت الفصائل قد ثبّتت مكاسب اليومين الأول والثاني حول “الفوج 46” وطوق ريف حلب الغربي، وقطعت عملياً شريان الطريق الدولي (M5) عند بلدات خان العسل والزربة وخان طومان، مسيطرةً على مساحة تجاوزت الـ400 كيلومتر مربع غربي حلب، وصولاً إلى حي “حلب الجديدة”.
ودفعت “إدارة العمليات العسكرية” بقوات النخبة نحو مداخل مدينة حلب من محوري الراشدين والراموسة، حيث كان واضحاً أنّ قرار القيادة هو نقل المعركة من حزام حلب إلى داخلها بأسرع ما يمكن، وفي محور الراشدين، نجى فريق تلفزيون سوريا من غارة جوية شنتها قوات نظام الأسد، وذلك خلال تغطيتهم الصحفية للاشتباكات.
مع ساعات ما بعد الظهر، أعلنت “إدارة العمليات العسكرية” بدء دخول قواتها رسمياً إلى مدينة حلب، عبر توغّلها في حيي الحمدانية وحلب الجديدة، وسط انهيار كبير لقوات النظام وحلفائه.
لاحقاً بدأت الأخبار تتوالى: اشتباكات عنيفة في حي الأعظمية، صدى رصاص متقطّع في محيط جامعة حلب، وظهور مقاتلي “ردع العدوان” في لقطات مصوّرة وهم يتقدمون بين الأبنية السكنية، يعملون على تثبيت نقاط تمركزهم، ويكسرون أولى “أسوار الخوف” داخل المدينة.
في الوقت نفسه، كانت مصادر ميدانية تتحدث عن استخدام مكثّف للدبابات التي استولت عليها الفصائل في “الفوج 46″، لدعم الاقتحام داخل الأحياء الغربية، بغطاء ناري دقيق لتجنّب قدر الإمكان إصابة المدنيين المحاصرين، في حين كانت الطائرات الحربية الروسية تستهدف ريف حلب الغربي، ومدفعية النظام تقصف مدينة الباب في الريف الشرقي، ما أوقع ضحايا مدنيين.
من الأعظمية إلى الجميلية والراموسة.. قلب المدينة يتصدّع
مع حلول العصر، تحوّل المشهد من مجرّد تقدّم على الأطراف إلى اختراق مباشر لـ”جسد” مدينة حلب، إذ تقدّمت الفصائل في حيّ الأعظمية، ووصلت مجموعات منها إلى حيّ الجميلية، أحد أهم الأحياء المركزية المرتبطة تاريخياً بصور السلطة ومراكزها الأمنية، وتقع في هذا الحي ساحة “سعد الله الجابري” الشهيرة، التي لطالما ارتبط اسمها بهتاف ثوّار حلب، خلال سنوات الثورة: “جاينك والله.. ساحة سعد الله”.
بعد ذلك، انتشرت مشاهد تمزيق صور بشار الأسد في الشوارع والساحات، بقدر ما كانت تعبيراً عن سقوط الهيبة الرمزية للنظام، كانت أيضاً رسالة نفسية موجّهة إلى باقي الأحياء في حلب: اقترب سقوط “الأسد”.
في الجنوب والجنوب الغربي لمدينة حلب (مركز ثقل ميليشيات إيران)، سيطرت الفصائل على معظم البلدات والقرى، أبرزها: “الحاضر، تل حدية، زيتان، خلصة، برنة، الصالحية، تل الكراتين، تلة العيس (الاستراتيجية)”، إضافةً إلى مركز البحوث العلمية، وسط انهيار وتخبط كبير في صفوف النظام وميليشياته.
كذلك، دخلت منطقة الراموسة جنوبي حلب على خط الأخبار العاجلة، حيث السيطرة على هذه المنطقة تعني عملياً التحكّم بعقدة مواصلات رئيسية تربط المدينة بريفها الجنوبي والطريق الدولي نحو العاصمة دمشق، إضافة إلى المنطقة الصناعية الكبيرة هناك.
الراموسة التي شهدت معارك قاسية، خلال السنوات السابقة، عادت لتكون ساحة مواجهة، لكن هذه المرة في سياق انهيار متسارع لخطوط دفاعات النظام، وليس مجرد “كرٍّ وفرٍّ” على خطوط تماس ثابتة.
وفي الشمال الغربي، بدأ اقتحام “مدفعية الزهراء”، واحدة من أكثر النقاط تحصيناً طيلة سنوات الحرب، هذا التقدّم داخل الأحياء والنقاط العسكرية في الموكامبو والراشدين، ترافق مع انسحاب عناصر الأمن العسكري نحو السجن المركزي شمالي حلب والتحصن داخله، في مشهد يختصر انتقال النظام من مرحلة “الدفاع عن المدينة” إلى مرحلة “البحث عن ملجأ آمن”.
مع ساعات الليل، كانت خرائط السيطرة التي تنشرها غرف المتابعة تظهر حلب وقد تحوّلت عملياً إلى مدينة مقسومة: أغلب أحيائها الغربية والجنوبية والوسطى بات تحت سيطرة الفصائل، في حين تقلّص وجود قوات النظام إلى جيوب متفرّقة ومراكز أمنية محاصرة، مع استمرار خروج الأرتال نحو السفيرة وخناصر شرقي حلب.
تقارير دولية تحدّثت في اليوم نفسه عن أن فصائل “ردع العدوان” دفعت “جيش النظام” إلى خارج أحياء المدينة، مؤكدة أن “سقوط حلب الفعلي كان نقطة التحول التي أعادت إشعال الحرب السورية على مستوى البلاد”.
محور إدلب.. سراقب وتل مرديخ وخان السبل
بالتوازي مع معارك حلب، كان الشرق الإدلبي يعيش يومه الأكثر سخونة، فمنذ الصباح، توالت إعلانات “إدارة العمليات العسكرية” عن السيطرة على (تل مرديخ، ثم معردبسة وخان السبل)، قبل أن يُعلن في المساء عن السيطرة الكاملة على مدينة سراقب، العقدة الاستراتيجية التي تتقاطع عندها الطرق الدولية، والتي قاتل الطرفان حولها لسنوات.
مسيّرات “شاهين” التي أعلن عنها في اليوم الأول كـ”سلاح نوعي” أثبتت في اليوم الثالث أنها عنصر فارق، حيث دمّرت ثلاث دبابات للنظام، واستهدفت رتلاً منسحباً في محيط سراقب، ما سرّع في انهيار خطوط الدفاع الشرقية للنظام.
هذه التطورات، فتحت الباب أمام الحديث عن عمليات لاحقة جنوبي إدلب، وهو ما لمّحت إليه القيادة العسكرية حين تحدّثت عن خطط جاهزة للعمل على محاور ريف إدلب الجنوبي، مع إنشاء غرفتين، عسكرية وخدمية، لإدارة المناطق الجديدة.
“السياسة في سباق مع الميدان”
في مساء يوم الـ29 من تشرين الثاني 2024، كان واضحاً أن “إدارة العمليات العسكرية” تحاول اللحاق بالإيقاع السريع للميدان، حيث أصدرت “إدارة الشؤون السياسية” بياناً موجهاً إلى أهالي “نبل والزهراء” (ذات الغالبية الشيعية) شمالي حلب، شدّدت فيه على أن المدنيين في البلدتين -مهما كانت هويتهم المذهبية- يجب أن يُستثنوا من أي استهداف.
ودعت سكان المنطقتين إلى النأي بأنفسهم عن مشروع إيران و”حزب الله” اللبناني، وعدم السماح بأن يُستخدموا “وقوداً” لصراع لا يخدم مصالحهم، حيث كانت الرسالة محاولة مبكرة لتفكيك البعد الطائفي الذي حاول النظام استثماره طويلاً في تلك المنطقة.
وفي بيان آخر، وجّهت “إدارة الشؤون السياسية” رسالة إلى روسيا، انتقدت فيها القصف الذي طال المدنيين في إدلب وحلب، لكنها في الوقت ذاته تحدثت عن إمكانية بناء علاقة مستقبلية مع موسكو، شرط أن تفصل الأخيرة مصالحها عن شخص “الأسد” ونظامه.
كانت الرسالة تحمل محاولة مبكرة لإعادة تعريف “الخصومة” مع روسيا بوصفها خصومة مع سياسات معينة، لا مع الشعب أو الدولة الروسية ككيان، في قراءة واضحة لـ”مرحلة ما بعد الأسد”.
وجاء البيان بعد ساعات من تصريحات للرئاسة الروسية (الكرملين)، حيث قال المتحدث باسمها، ديمتري بيسكوف، إن الوضع في حلب “يشكل انتهاكاً للسيادة السورية”.
ودعا “بيسكوف”، نظام الأسد إلى “استعادة النظام الدستوري في المنطقة بأسرع وقت ممكن”، بالتزامن مع إخلاء القوات القوات الروسية مواقعها ونقاطها في منطقتي تل رفعت شمالي حلب ومعصران شرقي إدلب.
أمّا موقف تركيا، فقد أصدرت خارجيتها بياناً اعتبرت فيه أن التصعيد في شمالي سوريا “غير مرغوب فيه”، محذّرة من أن الهجمات على إدلب تقوّض اتفاقيات أستانا، مؤكدة أن الحفاظ على الهدوء في إدلب ومحيطها يمثّل أولوية.
⦁ اقرأ أيضاً.. ⦁ لماذا تدعم أنقرة “ردع العدوان” في حلب؟
وعلى مستوى أوسع، بدأت وسائل إعلام عالمية، تتعامل مع ما جرى في حلب بوصفه “انهياراً مفاجئاً” لـ نظام الأسد في ثاني أكبر مدن سوريا، وأنّه خطوة أولى في مسار، سينتهي لاحقاً بالوصول إلى العاصمة دمشق نفسها.
وفي العاصمة أيضاً، كان وزير خارجية نظام الأسد يتصل بنظيره الإيراني، متحدثاً عن هجوم “خدمةً لمشاريع إسرائيل وأميركا”، في حين يكرّر المسؤول الإيراني رواية “إحياء الجماعات الإرهابية” ويتعهد بالاستمرار في دعم النظام.
لكنّ هذه اللغة الكلاسيكية اصطدمت على الهواء مباشرة بصور أرتال منسحبة من مدينتي حلب وسراقب، ما عمّق الفجوة بين خطاب النظام وواقع قواته على الأرض.
“خلاصة اليوم الثالث”
يمكن القول إنّ اليوم الثالث (29 من تشرين الثاني 2024) كان اليوم الذي تحوّلت فيه حلب من “هدف” إلى واقع جديد مفروض، فالسيطرة الواسعة على أحيائها والتقدّم الكبير شرقي إدلب، جعلت الصورة الاستراتيجية أكثر وضوحاً، حيث بات الشمال السوري مركز ثقل، والطريق إلى وحماة وحمص ودمشق هو السيناريو التالي والمتوقّع.
“⦁ ردع العدوان”.. قصة اليوم الأول الذي غيّر كل شيء في سوريا
28 ⦁ تشرين الثاني.. حين طرقت فصائل “ردع العدوان” أبواب حلب
وجاءت الساعات الأخيرة من ليل الجمعة-السبت (29-30 من تشرين الثاني 2024)، لتشهد تحوّلات حاسمة على صعيد عملية “ردع العدوان”، ساحتها مدينة حلب، خاصة بعد انتشار الفصائل في أحياء أبرزها: “الشعار، الصالحين، الفردوس، الكلاسة، بستان القصر، السكّري، صلاح الدين، سيف الدولة، دوار الكرة الأرضية، شارع النيل، الفرقان”، بالإضافة إلى أحياء حلب القديمة، في حين بالنظام يتمركز -شكلياً- في أحياء معدودة داخل المدينة، أبرزها “الميدان، السليمانية، العزيزية”.
غداً في تقرير اليوم الرابع (30 من تشرين الثاني 2024) من “ردع العدوان”، حيث ستُعلن السيطرة الكاملة على مدينة حلب، وجّهت “إدارة العمليات العسكرية” عبر معرفاتها، كلمة إلى أهالي حلب لطمأنتهم، متعهدين بسلامة أرواحهم وممتلكاتهم وصون حقوقهم، خاصة بعد محاولات إعلام نظام الأسد، بثّ الخوف والذعر بين سكان حلب إزاء مقاتلي الفصائل.
المصدر: تلفزيون سوريا






