
في مقابلة أثارت الكثير من الانتباه، جلس الإعلامي أنس أزرق مع الدكتور حسين الشرع، والد الرئيس السوري أحمد الشرع، في حوار بدا في ظاهره توثيقياً شخصياً لكنه حمل في عمقه دلالات سياسية لا يمكن تجاهلها. مجرد ظهور الرجل في هذه المساحة الإعلامية هو حدث بحد ذاته، إذ يُعطي شهادة علنية من داخل البيت الأقرب إلى السلطة، ويضعها في ميزان النقد لا التبرير. بدا الشرع في المقابلة أقرب إلى شاهد على عصر كامل منه إلى والد رئيس يتحدث عن ابنه، فهو استحضر ذاكرة البعث في أيامه الأولى، عندما كان المشروع القومي العربي يملأ الأفق بوعود الوحدة والتحرر والعدالة الاجتماعية، ثم قارنها بما آل إليه الحال من فساد وترهل وفقدان للبوصلة.
لغة الشرع كانت هادئة ولكنها قاطعة. لم يستخدم المفردات الصاخبة، لكنه ترك أثرها أعمق من أي خطاب حماسي. حين يتحدث عن انتشار الفساد والمحسوبيات، فإنه لا يرمي إلى التشهير بقدر ما يسعى إلى تشخيص المرض الذي التهم جسد الدولة والحزب. كان واضحاً أنه يتحدث من موقع الموجوع أكثر من موقع المعارض، ومن موقع من عاش التجربة وأدرك حجم الانحرافات التي جعلت الفكرة الكبيرة تختنق في دهاليز البيروقراطية. وهذا ما يضفي على كلامه طابع “شهادة للتاريخ” أكثر مما هو مجرد رأي عابر في مناسبة إعلامية.
أنس أزرق تعامل مع الضيف بمزيج من الحذر والدهاء. بدا وكأنه يعرف تماماً أن كل إجابة تحمل ما بين السطور، فسعى إلى أن يدفع الشرع لقول المزيد من دون أن يقع في محظور سياسي مباشر. هنا يبرز البعد الأعمق للمقابلة: فهي ليست حواراً عادياً مع شخصية عامة، بل تمرين على كيفية تمرير خطاب مزدوج، خطاب يلامس الداخل السوري الباحث عن اعتراف صريح بالمشاكل، وفي الوقت نفسه يوصل للخارج رسالة بأن النظام يسمح بقدر من النقد من داخله، وأن هناك استعداداً لمراجعة التجربة.
المشهد الأكثر حساسية في الحوار كان حين تطرق حسين الشرع إلى ابنه أحمد الشرع، الرئيس الحالي. فالرجل لم يتحدث بلغة الأب الذي يذوب في نجاحات ابنه أو يدافع عنه بشكل أعمى، بل تحدث بلغة رجل التاريخ الذي يريد أن يحافظ على مسافة وموضوعية. أكد أن المسؤولية التي يحملها ابنه ليست شأناً عائلياً أو سياسياً عابراً، بل مسؤولية أمام التاريخ، وهو تذكير بأن الحكم ليس امتيازاً شخصياً بل امتحاناً للأمة كلها. هذه المفارقة جعلت حديثه يبدو وكأنه يرسم خطاً رفيعاً بين الدعم الأبوي والرقابة الأخلاقية، وهي سابقة قلّما تُرى في بيئة يغلب عليها التقديس لشخص الحاكم.
ومع أن الحديث غرق في استرجاع الفساد والانحرافات، إلا أن الشرع ختم بمفردات التفاؤل. قد يظن البعض أن التفاؤل مجرد غلاف مهذب لا بد منه، لكن المتأمل يدرك أنه كان رسالة بحد ذاته: نقد الماضي لا يعني اليأس من المستقبل. كان كلامه أشبه بدعوة للشباب كي لا ينغلقوا في دوامة الإحباط، وكأنه يريد أن يقول لهم إن الأوطان، مهما طال ليلها، قادرة على النهوض إذا توافرت الإرادة والإصلاح. هذا التفاؤل بدا في الوقت نفسه مطمئناً للنظام، لأنه يوازن بين القسوة في النقد والحرص على عدم كسر الشرعية.
وما يميز حسين الشرع أنه لم يكن مجرد بعثي تقليدي، بل ظل طوال مسيرته يحمل البعد العروبي–الناصري كجزء أصيل من وعيه. فهو من الجيل الذي عايش صعود جمال عبد الناصر، ورأى في الناصرية مشروعاً للتحرر والنهضة والوحدة، واعتبر أن البعث الحقيقي لا ينفصل عن ذلك النبض القومي الجامع. في حديثه مع أنس أزرق بدا وكأنه يدافع عن روح الناصرية النهضوية في مواجهة الانحرافات التي شوهت صورة المشروع القومي، مذكّراً بأن قضية الأمة لا تختزل في حزب أو نظام، بل في فكرة تتجاوز الأفراد إلى مصير الشعوب. كان الشرع يرى في عبد الناصر النموذج الذي لم يُساوم على الكرامة، ويستحضر خطابه في العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني كمقياس للحكم على التجارب اللاحقة. وهذا البعد العروبي–الناصري في شهادته أضفى على المقابلة طابعاً يتجاوز المحلي السوري إلى فضاء الأمة كلها، كأنه يريد أن يقول إن مصير سوريا لا ينفصل عن مصير الأمة العربية، وإن استعادة الروح الناصرية هي الطريق إلى الخروج من الانسداد التاريخي الراهن.
هكذا يصبح اللقاء وثيقة سياسية ناعمة أكثر منه مقابلة إعلامية عادية. فهو يقدم صورة النظام وهو يعترف عبر أحد رموزه القريبة بعمق الأزمة، لكنه يفتح باب الأمل في إصلاحها. يقدم للعالم رسالة مزدوجة: نحن لسنا كتلة صماء، وهناك أصوات من قلب البيت تتحدث بصراحة عن الفساد، وفي الوقت نفسه نحن لا نزال نؤمن بقدرة الأمة على تجاوز المحن. ومن هذه الزاوية، فإن ظهور حسين الشرع مع أنس أزرق يشكل لحظة توازن دقيقة بين النقد والولاء، بين ذاكرة البعث وحاضر الدولة، بين قسوة الحقيقة ورغبة البقاء. وهو ما يجعل المقابلة تتجاوز حدودها كحوار فردي لتصبح جزءاً من مشهد سياسي يريد أن يهيئ الرأي العام لخطاب جديد قد يتدرج في إعلان إصلاحات أو إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
إنها إذن ليست مجرد حكاية أب وابنه، بل مرآة لتجربة وطنية كاملة، يطل منها جيل قديم ليقول كلمته قبل أن يطويه الزمن، موجهاً رسائل إلى الأجيال اللاحقة: أن تميّز بين الفكرة وانحرافاتها، بين الحلم وما أفسده الواقع، وبين مسؤولية التاريخ وابتذال السياسة اليومية. وفي هذا تكمن قيمة المقابلة، وفي هذا أيضاً يكمن ثقلها الرمزي والسياسي في لحظة عربية وسورية تحتاج بشدة إلى شهادات صادقة تضع الأصابع على الجرح وتترك الباب موارباً أمام شمس الغد، وتستعيد من خلالها الأمة بعضاً من روح عبد الناصر ونهضته، تلك الروح التي تذكّر بأن العروبة ليست ماضياً يُرثى عليه، بل مستقبل يُبنى بالإيمان والوعي والإرادة.
المصدر: صفحة أحمد الشيخ أمبكة