اتفضل من غير مطرود

محمد أمين الشامي

تسرد حكايات التاريخ قصَّة السلطان أبو عبد الله الصغير، من بني الأحمر، الذي كان آخر حاكم مسلم لغرناطة، وهو من قام بتسليمها لإيزابيلا وفرناندو (حقنًا لدماء أهلها حسب زعمه) لينهي بذلك حكم المسلمين للأندلس الذي دام قرابة ثماني قرون. لقَّبه الإسبان بالصغير، بينما سماه أهل غرناطة بالزغابي وتعني المشؤوم أو التعيس. وكان لهذا المشؤوم أو التعيس، بحسب الروايات، عم يدعى أبو عبد الله محمد، ويلقب بالزغل، وعند الإسبان كان لقبه الباسل، لأنه حاربهم وانتصر عليهم في إحدى المعارك.

تخبرنا حكاية التاريخ هذه أن هذا الصغير أو البائس دخل في صراع مع عمه الزغل، أو الباسل، بتهمة التآمر مع حكام قشتالة للإنقلاب عليه (كما انقلب هو على أبيه وانتزع منه الحكم). فكان أن تم نفي العم إلى الجزائر. وبهذا يكون هذا البائس قد انتصر على المؤامرة وحافظ على الإمارة من خلال حرب قسمت العائلة الحاكمة وأضعفت البلاد وجعلتها لقمة سائغة لأعدائها. ثم اضطر في النهاية إلى الإستسلام وتسليم غرناطة. وفي طريق مغادرته لما كانت يومًا مملكته، وقف في نقطة ما زالت تدعى حتى الآن زفرة العربي الأخيرة (Puerto del Suspiro del Mero)، حيث التفت ليلقي نظرة الوداع الأخيرة عليها. ويختلف المؤرخون بشأن بكائه وتعنيف والدته عائشة له بقولها “ابك كالنساء ملكًا لم تحافظ عليه كالرجال”.

إلى هنا تنتهي هذه القصة، بمعزل عن استطالاتها التاريخية وصدقية أحداثها ومآلاتها. لكن العامل الأهم فيها هو التناحر بين العم وابن أخيه على الحكم الذي أدى إلى إضعاف الأسرة والدولة وعجَّل في السقوط المدوّي.

لربما تختلف قصة الأسد الأب وأخيه وابنه عن تلك القصة التاريخية، وربما المتخيلة في كثير من أحداثها، لكن المؤكد أن التناحر ضمن العائلة لا يمكن أن تمحى آثاره بمجرد “تبويس الشوارب”. أسئلة كثيرة تطرحها عودة العم: فلماذا الآن؟ (وهو السؤال الأهم) وهل طرد أم هرب؟ لكن، هل هو سؤالٌ هامٌّ كي يطرح في هذا السياق؟ المهم أنه رجع وأعاد الذاكرة إلى تلك الأيام السوداء التي أنجبت هذه الأيام الكالحة. القائد عاد، نافدًا بريشه كما يقال، ومخلفًا وراءه أتباعه المخلصين في حال يرثى لها في مدينة النور والتنوير بلا كهرباء ولا ماء ولا كرامة. فما مصير الأموال التي نهبها من خزينة الدولة قبل خروجه واستثمرها في فرنسا وغيرها من دول أوروبا؟ ربما هو سؤال آخر لا معنى له. لكن، يقال إنه عاد ببعض ثروته بعد أن حكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهم تتعلق بغسيل أموال ضمن عصابة منظمة، واختلاس أموال عامة في سورية (منذ 36 عامًا)، فتمَّت مصادرة أصول باسمه بقيمة 90 مليون يورو كان قد نقلها عبر شركات في بنما وليشتنشتاين إلى لوكسمبورغ. وهناك تهم تلاحقه في إسبانيا تتعلق بالكسب غير المشروع عبر شراء 500 عقارًا بقيمة 691 مليون يورو، وكذلك تهم غسيل أموال. (كل هذه المعلومات استقيتها من الجزيرة). ناهيك عن ملاحقة القضاء السويسري له بتهمة ارتكاب جرائم حرب في حماة قضى من خلالها على نحو 40 ألف مدنيًّا في حماة عام 1982 عندما كان قائدًا لما كانت تسمى “سرايا الدفاع”. وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول: لماذا الآن؟

ثم، لماذا قبل الأسد الصغير عودة عمه “القائد” متجاوزًا عما قاله على مدى سنين بحقه، وما أقدم عليه من قبل بحق أبيه؟ أتراها رسالة أراد توجيهها من خلاله إلى الهاربين من بطشه كي يعودوا إلى حضن الوطن على الرغم من غلطتهم في الثورة على سيد الوطن يوم كانوا جراثيم مندسة؟ لا أظن هذا. هل تم الأمر بموجب صفقة بين النظام وفرنسا وطرف ثالث (يقال إنه روسيا)؟ ربما. ففرنسا لا يهمها من الأمر سوى المال، أما عن حقوق الإنسان، فقد استقبلته وأمواله يوم كانت يداه ما تزالان تقطران دم الأبرياء الذين أبادهم في حماة وسجن تدمر وغيرهما. ومما تابعنا، فقد صادرت الكثير من أصوله. وها هي تغني له “اتفضل من غير مطرود” وتتخلص منه وقد بات حملًا ثقيلًا مع كل القضايا التي تلاحقه، لا سيما أن تواجد اللاجئين السوريين في أوروبا سيعمل على فتح المزيد من دفاتر قديمة قد تعود بها إلى الحقبة الاستعمارية وعملها على تجهيز الطائفة لاستلام الحكم في سورية في لحظة ما، وهذا من باب الظَّن.

أما لماذا استقبل المشؤوم أو البائس عمه “القائد” السابق، فلربما ليعمل على تهدئة الطائفة قليلًا، ونحن نعلم أنها انقسمت بين حافظ ورفعت من قبل، والآن يمكن أن يستخدمه لإسكات الأصوات التي بدأت تتعالى بشأن الوضع الصعب الذي يعانون منه (ولا ندري بعد مدى التأثير الذي ما زال يحتفظ به القائد العجوز على أبناء الطائفة). وربما هي الطريقة الوحيدة لإسكاته ومنع كشف المستور إن هو تعرض للمحاكمة وقام برفع شعار شمشون “علي وعلى أعدائي” وفضح أطراف العلاقات المشبوهة التي أنشأها في منفاه المترف. نقول ربما لانعدام الوضوح في الرؤية لحد الآن. لكن المؤكد أن العودة ليست من باب صلة الرحم وعفا الله هما سلف كما أسلفنا. هناك أمر دبر بليل، وإلا، ما أعادوه في هذه اللحظات التي تشهد عملًا دوليًّا محمومًا بهدف تعويم النظام من جديد عبر الوسطاء الذين عملوا سابقًا على دفع الثورات المضادة لضرب ثورات الربيع العربي وإنهاء الحلم. بكل الأحوال، لا بد لليل أن ينجلي، وحينها، قد نسمع زفرة الصغير عند مفرق المهاجرين وهو يلقي نظرة الوداع الأخير على القصر هناك، لتعنفه شريكته هذه المرّة. وعندها لن نغني له “اتفضل من غير مطرود” بالتأكيد. من يدري؟

مصدر: اشراق

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى