
لقد أثبتت الوقائع صوابية موقفنا الذي عبّرنا عنه مبكراً عام 2022، حين حذّرنا من تداعيات إعادة الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة #حماس، علاقاتها مع نظام بشار الأسد.
لم يكن موقفنا يومها مجرد اعتراض عاطفي أو أخلاقي، بل قراءة سياسية لمخاطر #ارتهان القرار الفلسطيني لحسابات المحاور الإقليمية، وللثمن الذي قد تدفعه قضيتنا حين تُقدَّم المصالح الحزبية والشخصية والتحالفات الخاطئة على #المبادئ وذاكرة الضحايا.
لقد حذّرنا من أن العودة إلى حضن الأسد لن تكون مكسباً للقضية الفلسطينية، بل #خسارة سياسية وأخلاقية، وأن قضيتنا لا تستمد مشروعيتها من رضا الأنظمة، ولا تحتاج إلى مصافحة من ارتبط اسمه بدماء السوريين والفلسطينيين كي تثبت عدالة نضالنا.
كنا نرى أن تلك العودة لم تكن مجرد خطأ في تقدير المصالح، بل إخفاقاً في اختبار أخلاقي وسياسي، خصوصاً تجاه أهلنا من #فلسطينيي_سوريا الذين عانوا الحصار والقتل والتهجير.
واليوم، نرى في مآلات ذلك الخيار ما يؤكد وجاهة تحذيراتنا، ذلك لأننا انطلقنا حينها من قناعة راسخة مفادها : لا يمكننا الدفاع عن #حرية شعبنا ونحن نتجاهل حرية شعب آخر، ولا يجوز أن نجعل دماء الضحايا تفصيلاً قابلاً للمساومة على طاولة التحالفات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تجرؤ هذه #الفصائل على إجراء #مراجعة سياسية وأخلاقية جادة لمواقفها وقراراتها؟ وهل تمتلك الشجاعة لتصارح شعبنا بتفاصيل وكواليس اتخاذ قرار العودة إلى حضن #بشار_الأسد؟ من اتخذ القرار فعلياً؟ ومن دفع باتجاهه؟ ومن كان يقف خلفه؟ وما حجم الضغوط والتفاهمات والمقايضات التي أحاطت به؟
والسؤال الأهم: لماذا كان الرهان على المحور الإيراني، رغم ما حمله هذا #الرهان من تناقضات سياسية وأخلاقية، ورغم الكلفة التي ترتبت عليه؟ وهل كان ذلك خياراً فلسطينياً مستقلاً، أم استجابة لحسابات إقليمية لم تكن #مصلحة شعبنا في مقدمة أولوياتها؟
ثم إن هناك سؤالاً أكثر إلحاحاً، يتجاوز حدود المراجعة السياسية إلى المسؤولية الأخلاقية والإنسانية: هل تمتلك هذه الفصائل #الشجاعة للاعتذار ممن دفعوا أثماناً شخصية ومهنية ومعيشية لمجرد أنهم رفضوا ذلك الرهان، وعبّروا عن مواقفهم بمهنية ورصانة ومسؤولية؟
وهل تجرؤ على فتح ملفات من ضُيّق عليهم في حياتهم ومعيشتهم، وقُطعت أرزاقهم، وأُقصوا من مواقعهم، أو تعرضوا للتهميش والتضييق بسبب آرائهم ومواقفهم #المستقلة؟ وهل هي مستعدة للتحقيق في هذه #المظالم، وكشف المسؤولين عنها، وردّ الحقوق إلى أصحابها، وإنصاف المتضررين مادياً ومعنوياً؟
إن المراجعة الحقيقية لا تكتمل ببيان سياسي، ولا باعتراف متأخر بسوء التقدير، بل تبدأ بالاعتذار الصريح، وردّ المظالم، وجبر الضرر، وإعادة الاعتبار لمن دفعوا ثمن استقلالية مواقفهم.
فليس من العدالة أن يُطلب ممن تمسكوا بقناعاتهم وتحملوا تبعاتها أن يطووا #الصفحة بصمت، بينما يتنصل أصحاب القرار من مسؤولياتهم، وكأن شيئاً لم يكن.
إننا لا نطرح هذه الأسئلة من باب تسجيل النقاط أو تصفية الحسابات، بل انطلاقاً من قناعتنا بأن من حق شعبنا أن يعرف #الحقيقة، وأن يُحاسب سياسياً من اتخذ قرارات مصيرية باسمه، وأن يفهم كيف تحوّلت بعض التحالفات إلى قيود على استقلالية القرار الفلسطيني، وكيف امتدت تبعات تلك الخيارات إلى حياة أشخاص لم يرتكبوا ذنباً سوى أنهم امتلكوا الشجاعة ليقولوا رأيهم في الوقت الذي كان فيه #الصمت أكثر أماناً.
لقد كنا محقين في رفض تلك العودة، وأخفقت الفصائل التي راهنت عليها حين ظنت أن الطريق إلى #فلسطين يمكن أن يمر فوق ذاكرة #الضحايا وكرامتهم.
إن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة، بل إن الإصرار على تبريره هو الهزيمة الحقيقية. وشجاعة الاعتراف تُختبر أولاً في الاستعداد لإنصاف من ظُلموا بسببه، لا في القدرة على صياغة مبررات جديدة له.
وما نحتاجه اليوم ليس المزيد من #الشعارات، بل شجاعة المراجعة، وصدق المكاشفة، وردّ المظالم، واستعادة القرار الفلسطيني من حسابات المحاور ومصالح الأنظمة.
فلسطين التي نناضل من أجل حريتها لا يمكن أن تكون مبرراً للصمت عن ظلم الآخرين، ولا غطاءً لتبرير #الاستبداد، ولا ذريعة لظلم أبنائها حين يختلفون في #الرأي والموقف.
المصدر: صفحة ماهر شاويش






