
الذي جاء تحت عنوان :”الخط السياسي المرحلي لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي” المنشور بتاريخ : 14/10/2026
نشرت هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي في سورية بيانا قدمت فيه ما أسمته خطها السياسي المرحلي , وحين يجري الحديث عن خط سياسي مرحلي يفترض المرء أن يتم بناء مثل ذلك الخط السياسي في ضوء التوازنات السياسية القائمة , والأهداف السياسية الممكنة التحقيق , لكن هيئة التنسيق فضلت تصفير عداد التطورات السياسية التي جرت في سورية وتجاهل وجود النظام السياسي الحالي ومصادر شرعيته الداخلية والعربية والاقليمية والدولية كحقائق موضوعية , والذهاب مباشرة إلى لحظة سقوط النظام البائد وكأن النظام قد سقط بفعل زلزال طبيعي وكأن الأفق مفتوح أمام اختيار طرق وأدوات الانتقال للدولة الوطنية – الديمقراطية من قبل القوى السياسية التي أنتجتها المرحلة السابقة بعد أن مرت سورية بمرحلة حرق الحياة السياسية طيلة نصف قرن أو يزيد .
مربط الفرس في البيان السابق هي الدعوة لمؤتمر وطني وصف ب” الجامع ” لوضع خارطة طريق للمرحلة الانتقالية .
وهنا نقف قليلا :
أولا : جاء ذكر المؤتمر الوطني ” الجامع ” باعتباره مشابها للمؤتمر السوري العام الذي عقد في 3 حزيران / يونيو 1919 في دمشق في مستهل العهد الفيصلي الذي عاش بين 1918 – 1920 , لكن الفارق أن المؤتمر السوري العام عقده ممثلون شرعيون منتخبون عن الشعب السوري عبر عملية انتخابية ديمقراطية أقرتها لاحقا لجنة كنغ – كراين المنبثقة عن عصبة الأمم واعتبرتها تمثيلا حقيقيا للشعب السوري . أما أنتم فأنتم تدعون لمؤتمر وطني عام ” جامع ” لقوى سياسية هي في جوهرها استطالة لنتاج المرحلة السابقة لاتتمتع بشرعية تمثيل الشعب السوري , وهي – بغض النظر عن الأهداف العامة المشتركة في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية – في واقعها التنظيمي والسياسي لايمكن وصفها بقوى سياسية حقيقية تمتلك قواعد مجتمعية كما ينبغي لأية قوى سياسية أن تكون بقدر ماهي مجموعات صغيرة متفرقة تعاني من بنية شللية وتمزقات داخلية وتنتمي معظم قياداتها لطبقة هرمة سياسيا .
بالتالي فهي فاقدة لشرعية تمثيل الشعب السوري , وأي مؤتمر عام لتلك القوى لن ينتج شرعية وطنية ” جامعة ” .
إذن لا تستندوا للمماثلة مع المؤتمر السوري العام .
ثانيا : ألا تلاحظون أنكم أهملتم تفصيلا ” صغيرا ” يتمثل في من هي الجهة التي ستدعو لمثل ذلك المؤتمر ؟ وكيف سيتم اختيار أعضائه ؟ وعلى أي أساس ؟
هل سيكون على أساس المحاصصة مثلا ؟ هل سيكون على أساس المكونات الطائفية والعرقية ؟ أم سيكون على أساس حجم الأحزاب والمجموعات السياسية المجهرية ؟ أم أنكم ستدعون غير بدرسون لاختيار ممثلين لمؤتمر كهذا مادمتم تتذكرون القرار 2254 المقبور .
ثالثا : يعرف كل مبتدىء في السياسة أن السياسة هي فن الممكن فهل تجاهل النظام السياسي الحاكم والمتماهي موضوعيا حتى الآن مع الدولة السورية في مشروعكم للمؤتمر الوطني ” الجامع ” هو نتاج تفكير واقعي ؟
رابعا : وإذا كنتم جدلا تفسحون المجال في مؤتمركم ” الجامع ” للسلطة السياسية للمشاركة في المؤتمر فهل يخطر ببالكم أنها ستوافق على مثل ذلك المشروع , بعد أن أنهت الحوار مع غير بدرسون منذ إسقاط النظام وصرفته بالتي هي أحسن .
للأسف فإن مشروعا كهذا يصلح عنوانا لمعارضة لاتعترف بالدولة السورية الحالية ولا بالنظام السياسي القائم وتحلم بإعادة هيكلة الدولة السورية وكأن النظام غير موجود .
وكي لا يتسرب إليكم الشك أن القصد هو الدفاع عن النظام السياسي الحالي , أسارع للقول إن طريق تغيير المسار السياسي السوري نحو الدولة الوطنية الديمقراطية يبتدىء بإعادة إحياء الحياة السياسية , وتفعيل دور المجتمع المدني , والكفاح السلمي من أجل حرية النقابات المهنية والموقف النقدي من أخطاء السلطة , ونشر الثقافة الديمقراطية , وجسر الشروخ الاجتماعية بين مكونات الشعب السوري بمبادرات المجتمع المدني .
هذا هو الطريق الحقيقي للتغيير وهو الطريق الصعب , أما الطريق السهل ” طريق الأحلام ” فهو التفكير بمؤتمر ” جامع ” ينبثق عنه مسار سياسي في الهواء الطلق يزيح السلطة الحالية بقوى خفية ويعيد هندسة الدولة والنظام السياسي كما في الف ليلة وليلة .






