دور حافظ الأسد المشبوه في تسليم الجولان: قراءة تحليلية في وثائق وشهادات نكسة 1967

 د. أمين صعب

​تُعد هزيمة حزيران/يونيو عام 1967 واحدة من أكثر المحطات قتامة في التاريخ العربي الحديث، لما أسفرت عنه من ضياع مساحات شاسعة من أراضي فلسطين ومصر وسوريا، على رأسها هضبة الجولان الاستراتيجية. وإذا كانت الهزائم العسكرية قد تحدث نتيجة لتفاوت موازين القوى أو سوء التخطيط الميداني، فإن ما جرى على الجبهة السورية، وتحديداً في الساعات الأخيرة من الحرب، تجاوز مفهوم “القصور العسكري” ليرتقي إلى مستوى الشبهة المباشرة والتواطؤ المريب؛ وهو ما وثقته شهادات عيان لقادة كبار عاصروا الحدث وكانوا في صانعي قراره.

​البلاغ رقم 66: رصاصة الرحمة المفبركة

——————————————————-

​في صباح يوم السبت 10 حزيران/يونيو 1967، وفي وقت كانت فيه الوحدات السورية والقوات الميدانية مرابطة في مواقعها أو تحاول تنظيم صفوفها، فوجئ الملايين في سوريا والعالم ببث الإذاعة السورية للبلاغ العسكري رقم 66. النص الذي أُملي على المذيع بصوت واجف كان قاطعاً وصادماً: “إن القوات الإسرائيلية استولت على مدينة القنيطرة بعد قتال عنيف”.

​لكن الصدمة الحقيقية لم تكن في نص البلاغ فحسب، بل في الحقيقة الميدانية الدامغة التي أثبتت لاحقاً أن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يكن قد وطئ مدينة القنيطرة على الإطلاق، بل إن أقرب دبابة إسرائيلية كانت تبعد عن تخوم المدينة نحو أربعة كيلومترات كاملة.

​شهادات حية توثق الخيانة والانفراد بالقرار

——————————————————-

​تؤكد شهادات كبار مسؤولي الدولة وقيادات الجيش في ذلك الحين أن وزير الدفاع آنذاك، حافظ الأسد، هو من أصدر الأمر المباشر والمستعجل ببث هذا البلاغ الكارثي، متجاهلاً الواقع الميداني ومعارضة زملائه:

١- ​شهادة وزير الإعلام محمد الزعبي:

أكد الزعبي في شهاداته المتلفزة أنه رفض بث البلاغ لعدم توفر أي تأكيدات عسكرية صحيحة، إلا أنه أُجبر بضغوط عليا على تمريره. وكشف أن حافظ الأسد اتصل به هاتفياً بعد إذاعة البيان مقرراً ببرود: “ربما تسرّعنا”، وهو الاعتراف الذي دفع السلطات لاحقاً لإصدار البلاغ رقم 67 في محاولة بائسة لترقيع الفضيحة والادعاء كذباً بأن المعارك مستمرة.

٢- ​شهادة رئيس الأركان اللواء أحمد سويداني:

أوضح سويداني، الذي كان متواجداً بنفسه على جبهة القنيطرة، هول المفاجأة عندما سمع نبأ سقوط المدينة عبر الراديو في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية بعيدة عن حدودها الميدانية بعدة كيلومترات.

٣- ​شهادة وزير الصحة د. عبد الرحمن الأكتع:

كان الأكتع يجري جولة تفقدية ميدانية داخل شوارع القنيطرة الخالية تماماً من أي جندي إسرائيلي، فسمع عبر مذياع سيارته نبأ “سقوط المدينة”. وحين بادر بالاتصال بحافظ الأسد مستوضحاً ومصححاً للخطأ الفادح، قوبل بنبرة حادة وتهديدات قاسية، مما دفعه إلى تقديم استقالته فور عودته إلى دمشق احتجاجاً على هذا السلوك المريب.

​الأثر الكارثي: الجولان يسلم بلا قتال

——————————————————-

​كان للتداعيات النفسية والعسكرية لـ “البلاغ رقم 66” وقع السحر المدمر على الجبهة؛ إذ اعتقد الجنود والضباط المرابطون أن خطوطهم الخلفية قد سقطت، وأنهم أصبحوا محاصرين تماماً من العدو. وأدى هذا الوهم المفتعل إلى:

​انهيار معنوي فوري وشامل في صفوف القوات المسلحة.

​تحول الانسحاب المنظم إلى هروب عشوائي وفوضى عارمة، جرى خلالها ترك الآليات الثقيلة ومستودعات الذخيرة سليمة للعدو دون تفجيرها أو إتلافها.

​دخول قوات الاحتلال القنيطرة بعد ساعات لتجدها “مدينة أشباح” خالية، والسيطرة عليها دون إطلاق رصاصة واحدة أو خوض معركة حقيقية.

​الخاتمة: من النكسة إلى الحكم المطلق

——————————————————-

​إن تتبع خيوط “البلاغ رقم 66” لا يكشف فقط عن فصول الخيانة والإهمال الجسيم الذي أدى إلى تسليم الجولان للاحتلال، بل يفسر بدقة طبيعة التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها سوريا بعد ذلك العام. لقد كان ذلك القرار المبرمج بمثابة العتبة الرئيسية التي عبر عليها حافظ الأسد لتصفية خصومه، وإحكام قبضته المطلقة على مقاليد السلطة في سوريا عام 1970م، لتبقى الجولان محتلة وثمن ذلك الكرسي الملطخ بالهزيمة يدفعه الشعب السوري حتى يومنا هذا…

بالاستفادة من مقال ل كرسي المؤرخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى