
في أيلول/سبتمبر 2026، توجّه عشرات من أهالي ضاحية دمر وقدسيا ومعضمية الشام إلى مكاتب مشروعي “شام فيو” و”أبيات هيلز” في ضاحية قدسيا بريف دمشق، مطالبين بوقف البناء على أراضٍ استُملكت في عهد النظام السابق.
وبعد يومين، ردّت وزارة الأشغال العامة والإسكان في بيان أكدت فيه أنَّ الاستملاك أداة قانونية تعتمدها الدول، وأنَّ الأراضي انتقلت إلى الجهات العامة قبل عقود وأُودعت بدلات استملاكها، وأنَّ تأخر تنفيذ المشاريع لا يؤدي إلى استعادة الملكية ما دامت المنفعة العامة قائمة، وافتُتح في اليوم نفسه مكتب في بلدية الضاحية لاستقبال الشكاوى.
معظم ما جاء في بيان الوزارة صحيح بوصفه قواعد عامة، لكنَّه لا يجيب عن جوهر الخلاف. فمشروعية الاستملاك بوصفه أداة قانونية ليست محل نزاع جدي، وإنَّما يدور النزاع حول أربع مسائل لا يحسمها القيد العقاري وحده: سلامة قرار الاستملاك الأصلي، وعدالة التعويض، ووصوله إلى مستحقه، ومصير الغرض الذي استُملكت الأرض من أجله، ومشروعية التصرف بها اليوم.
وقد أكدت الوزارة نفسها أنَّ الحقوق المتعلقة بعقار محدد تُحسم بالرجوع إلى السجلات وإثباتات الإيداع والقبض وانتقال الملكية، غير أنَّ هذه الوثائق موجودة لدى الإدارة، ولم يُنشر منها ما يتعلق بأي من المشروعين. ومن يحتفظ بهذه السجلات تقع عليه مسؤولية إظهارها.
تبدأ المشكلة من النص التشريعي نفسه، فالمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 يُدرج ضمن أغراض النفع العام للمنشآت السياحية ومشاريع الخطط الإنمائية والاستثمارية، والمشاريع الداخلة في اختصاص الجهات العامة، فضلًا عن منشآت حزب البعث، كما تجيز المادة الرابعة للجهات المشرفة على الإسكان استملاك العقارات وتقسيمها إلى مقاسم بغية إنشاء المساكن الشعبية، على أن تُباع هذه المقاسم بسعر الكلفة.
يضع الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 معيارًا مختلفًا، فالمادة 16 منه لا تجيز نزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، وتحظر المادة 17 تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء..
ولذلك يصعب الجزم، قبل نشر مراسيم استملاك أراضي المشروعين، بأنَّ استملاكها خرج عن الأغراض التي يجيزها القانون، فالمشكلة في سعة هذه الأغراض لا في الخروج عنها، ويمنح هذا الاتساع الإدارة سلطة تقديرية واسعة، ويُضعف الضوابط المتعلقة بإثبات الحاجة الفعلية إلى استملاك عقار بعينه ومساحته. ثم تأتي المادة السابعة لتجعل مرسوم الاستملاك مبرمًا لا يقبل أي طريق من طرق الطعن أو المراجعة.
وفي حين تحدّث بيان الوزارة عن ضمان حق المتضررين في الاعتراض والمراجعة، فإنَّ القانون ينظم الاعتراض على تقدير البدل والمنازعات المتعلقة بالملكية، ويجعل قرار لجنة إعادة النظر في التقدير مبرمًا بدوره. أما قرار الاستملاك نفسه، فيحصّنه النص من الطعن.
يضع الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 معيارًا مختلفًا، فالمادة 16 منه لا تجيز نزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل، وتحظر المادة 17 تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء، فيما تجعل المادة 12 الحقوق الواردة في معاهدات حقوق الإنسان المصادق عليها جزءًا منه.
وفي المقابل، تُبقي المادة 51 القوانين النافذة سارية إلى حين تعديلها أو إلغائها، ولا تذكر المادة 48 المتعلقة بالقوانين الاستثنائية قانون الاستملاك تحديدًا. وهكذا، يظل قانون 1983 فاعلًا، لكن استمرار فاعليته لا يحصّن مادته السابعة من اعتراض دستوري جدي، ولا سيما إذا كيّف القضاء مرسوم استملاك عقارات محددة بوصفه عملًا إداريًا بحسب مضمونه.
وحسم هذا الاعتراض قضائيًا أو تشريعيًا لا يؤدي تلقائيًا إلى إبطال المراسيم القديمة، وإنَّما يفتح المجال لفحصها. بل إنَّ القانون نفسه يفترض في المادة 26 إمكان صدور حكم قضائي بإلغاء استملاك سابق، إذ ينظم إصدار مرسوم استملاك جديد تلافيًا لنقص في الشكل نتج عن هذا الحكم. وعليه، فإنَّ المراجعة ليست مستحيلة، وإن ظل نطاقها ومواعيدها وتحديد المحكمة المختصة بها اليوم مسائل تحتاج إلى حسم.
أما بشأن تأخر تنفيذ المشاريع، فإنَّ القاعدة التي تستند إليها الوزارة سليمة: لا يتضمن القانون حكمًا عامًا يقضي بإعادة الأرض إلى مالكها لمجرد مرور الزمن، وتعالج المادة 35 حالة محددة تتعلق بعقارات خُصصت فعلًا للنفع العام ثم زالت عنها هذه الصفة، غير أنَّ استمرار المنفعة العامة شرط يحتاج إلى إثبات، كما أنَّ القانون لا يمنح الإدارة تفويضًا مفتوحًا بتغيير وجهة استعمال الأراضي المستملكة؛ فإشارته إلى تغيير الصفة التنظيمية لغرض آخر من أغراض النفع العام ترد في سياق محدد يتعلق بإعادة تقدير البدل، بينما يظل التغيير نفسه خاضعًا لسنده القانوني وإجراءاته.
ولذلك، يبدأ التحقق من وثيقتين لم تُنشرا: الغرض المحدد في مرسوم الاستملاك الأصلي، والقرار الذي استند إليه تحويل الأرض إلى غرضها الحالي. فالمنفعة التي يُفترض أن يحققها المشروع الجديد للمجتمع، وهي نفسها تحتاج إلى إثبات، لا تعالج خللًا محتملًا في أصل الاستملاك، ولا تثبت وحدها مشروعية توجيه الأرض إليه.
ولا تنفي مشاركة المستثمر الخاص وجود منفعة عامة. فالمرسوم التشريعي رقم 26 لعام 2015 يجيز للمؤسسة العامة للإسكان تنفيذ مشاريعها بالتشاركية وإبرام عقود استثمار، ويلزمها بتخصيص ما لا يقل عن 70% من المساكن والمقاسم السكنية الواردة في خططها الخمسية للإسكان الاجتماعي، وهي نسبة تُحتسب على مستوى الخطة لا على مستوى كل مشروع.
وتؤكد الوزارة أنَّ الجهة العامة تحتفظ بحقوقها وعوائدها في نموذج الشراكة، وأنَّ هذه العوائد تسهم في دعم السكن الميسر، وقد يكون ذلك صحيحًا، لكن التحقق منه يظل متعذرًا ما دام عقدا الشراكة مع شركتي “أبيات” و”ثرا” السعوديتين غير منشورين، وكذلك تقييم الأرض وحصة الإسكان الاجتماعي، كما أنَّ السعر التقديري المعلن للمتر المربع في “شام فيو”، الذي يتراوح بين 1180 و1460 دولارًا، لا يثبت وجود مخالفة، لكنَّه يثير تساؤلًا حول قدرة الفئات المستهدفة على الشراء.
وفي هذا السياق، يشدد التعليق العام رقم 26 (2022) للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في تفسيره لالتزامات العهد الدولي، على ضرورة تحديد الغرض العام بما يتيح إخضاعه للرقابة القضائية، ويعدّ التذرع بالمنفعة العامة لتبرير نزع ملكية الأراضي، وبيعها أو تأجيرها للمستثمرين، من المواضع التي يتفشى فيها الفساد في إدارة الأراضي.
وفي مسألة التعويض، ينبغي التمييز بين أربع مسائل: تقدير البدل، وإيداعه، وقبضه، ومدى عدالته. فقانون الاستملاك يجيز للجهة المستملكة إيداع مبلغ التعويض أمانةً لمصلحة صاحبه، دون أن تترتب عليه فوائد، ويجيز في الحالات المحددة قانونًا تسجيل العقار باسم الجهة المستملكة بعد إيداع البدل، حتى لو لم يكن صاحبه قد قبض المبلغ فعليًا. كما يسمح في حالات معينة بالاكتفاء بنشر إعلان في صحيفة بدلًا من التبليغ الشخصي.
والأكثر إشكالية أنَّ القانون ينص على سقوط حق المستحق في قبض المبلغ المودع إذا انقضت خمس عشرة سنة على إيداعه دون انقطاع التقادم وفقًا للقانون، ويُعاد المبلغ عندئذٍ إلى صندوق الجهة المستملكة. وهذا السقوط يتعلق بحق قبض المبلغ المودع تحديدًا، ولا يعني بالضرورة سقوط جميع الحقوق أو المطالبات القانونية الأخرى المتعلقة بالاستملاك أو التعويض عنه.
وهكذا، قد تُستكمل الإجراءات في السجلات دون أن يصل التعويض إلى مستحقه، كأن يكون المستحق غائبًا، أو متوفى تعذّر على ورثته إثبات صفتهم. وحين يدفع البدل بعد سنوات من التأخير، يعالج القانون ذلك بفائدة محدودة ويمنع إعادة التقدير.
ولذلك، فإنَّ ما تذكره الوزارة بشأن الإيداع والصرف لا يكفي وحده لإثبات الوفاء بالتعويض في كل حالة على حدة. والوزارة محقة في أنَّ سعر الأرض بعد عقود من التخطيط والإنفاق العام لا يصلح وحده مقياسًا لقيمتها وقت الاستملاك. فالتقييم المنصف ينطلق من قيمة الأرض عند نزع ملكيتها، مع مراعاة التضخم ومدة الحرمان من الانتفاع وتاريخ القبض الفعلي.
لم تكن الحكومة الحالية هي من أصدر مراسيم الاستملاك القديمة، لكنَّها مسؤولة عن قرارات التعاقد والتسويق الحالية، ولذلك يكتسب التوقيت أهمية محورية في هذا الملف..
ولا يشكل أصحاب الحقوق فئة واحدة؛ فمنهم ورثة، ومعارضون لنظام الأسد، ونازحون، ونساء يواجهون صعوبات في إثبات صفتهم القانونية أو الحضور ضمن المواعيد المحددة، ومزارعون قد تثبت لهم بموجب عقودهم حصة مستقلة في بدل الاستملاك، وملاك سابقون قد يستحقون، وفق شروط تختلف باختلاف النظام القانوني المطبق، أولوية في الحصول على مسكن أو تخصيصًا سكنيًا، وقد ذكرت الوزارة أنَّ بعض هؤلاء استفادوا من تخصيصات وأولويات شراء، وهو ما يستدعي بيانًا واضحًا بمن استفاد ومن لم يستفد، دون افتراض عام في أي من الاتجاهين.
لم تكن الحكومة الحالية هي من أصدر مراسيم الاستملاك القديمة، لكنَّها مسؤولة عن قرارات التعاقد والتسويق الحالية، ولذلك يكتسب التوقيت أهمية محورية في هذا الملف، فقد بدأ الاكتتاب على أول ألفي وحدة في “شام فيو” في 22 أيلول/سبتمبر، على أن يبدأ التخصيص خلال أربعة أشهر من توقيع الاستمارة، فيما يُتوقع التسليم في عام 2029.
وبحسب المؤسسة، لا يمنح دفع مبلغ الاكتتاب ملكية أو تخصيصًا نهائيًا، لكنَّه يرتب التزامات تعاقدية بدأت تنشأ بالفعل. ومع كل مرحلة لاحقة، يدخل أطراف جدد وتزداد أي تسوية محتملة تعقيدًا وكلفة. كما لم يُنشر قرار ينظم عمل مكتب الشكاوى ويحدد صلاحياته ومهله وإمكان الاعتراض على نتائجه وأثر مراجعته في مواعيد التقاضي.
ولا تتطلب معالجة هذه القضية وقف إعادة الإعمار، بل تقتضي أولًا نشر مراسيم الاستملاك وأغراضها وجداول الإيداع والقبض وعقود الشراكة. وتقتضي أيضًا تعديلًا تشريعيًا يرفع التحصين عن قرار الاستملاك وتقدير البدل، ويضع أساسًا قانونيًا واضحًا للمسائل التي لا يعالجها القانون الحالي معالجة كافية، ولا سيما الحالات التي تجوز فيها إعادة أرض لم تعد لازمة لغرض عام، والحالات التي يُستعاض فيها عن الرد بتعويض مكمّل، مع حماية الحقوق التي نشأت للغير.
كما تستدعي إنشاء جهة مستقلة لمراجعة المطالبات، تخضع قراراتها للرقابة القضائية، وتبدأ بمعالجة المستحقات الثابتة وضمان سدادها، وفحص المطالبات الجدية قبل اكتمال إجراءات التخصيص. وعندما تتعلق مطالبة جدية بقطعة محددة، فإنَّ تعليق التصرف فيها بقرار مؤقت ومسبب قد يكون أقل ضررًا من نشوء نزاع لاحق مع المشترين.
إنَّ انتقال الأرض إلى الدولة بموجب مرسوم استملاك قديم ينشئ وضعًا قانونيًا ينبغي احترام آثاره إلى أن يُراجع بالطرق المشروعة. لكنَّه لا يعفي السلطات الحالية من مسؤوليتين: التحقق من مشروعية التصرف الجديد بالأرض، ومعالجة الحقوق والمظالم التي بقيت دون تسوية.
وتستطيع سوريا المضي في إعادة الإعمار على أراضٍ مستملكة سابقًا، شريطة أن يسبق فحص الحقوق التصرفَ النهائي بالأرض. أما إذا انعكس هذا الترتيب، فقد يتضرر أصحاب الأراضي والمكتتبون معًا، وتتحول إعادة الإعمار إلى امتداد للمظالم السابقة، حتى لو كانت مراسيم الاستملاك القديمة صحيحة من الناحية الشكلية.
لم تفت الفرصة بعد، فإذا نُشرت الوثائق، ورُفع التحصين عن قرارات الاستملاك، وأُنشئت جهة مستقلة تنظر في المطالبات قبل اكتمال التخصيص، فلن يضطر وارثٌ إلى البحث في أروقة الإدارة عن إيصال إيداع لم يره أبوه، ولن يخشى مكتتبٌ ادّخر سنوات ثمن شقته أن يطرق بابه يومًا من يقول إنها قامت على أرضه، وعندها لن تكون الأبنية الجديدة على أطراف قدسيا ودمر عنوانًا لخصومة مؤجلة، بل شاهدًا على أنَّ سوريا الجديدة قادرة على أن تُعمّر الأرض وتُنصف أهلها في آن واحد؛ فالإعمار الذي يبدأ بإنصاف أصحاب الأرض هو وحده الذي يدوم.
المصدر: تلفزيون سوريا






