انتخابات إسبانيا المبكّرة: مقامرة سانشيز

محمد طيفوري

تعدّى قرار رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في الـ29 من الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني)، مجرّد إجراء دستوري عابر، ليعكس محاولة جادّة لوضع حد لمرحلة من الاستنزاف السياسي عاشتها حكومته ثلاث سنوات جرّاء فقدان الأغلبية. ينطوي القرار على مناورة سياسية، فهو ينقل المعركة من تحت قبة برلمان أضحى فيه هامش التحرك الحكومي ضيقاً إلى رحاب صناديق الاقتراع، أملا في إفراز خريطة نيابية جديدة تمكنه من تثبيت دعائم سلطته التي يتولاها منذ يونيو/ حزيران 2018.

يعاود سانشيز الرهان على صناديق الاقتراع، مستعيداً سيناريو 2023 حين لجأ إلى الخيار نفسه، عقب التراجع اللافت لحزبه في الاستحقاقات المحلية والإقليمية، عند تصدّر الحزب الشعبي النتائج، وعجز، في الوقت نفسه، عن تشكيل الحكومة بمفرده. في محاولة لإعادة المقاربة نفسها، قال للإسبان صباح 5 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري: “حان الوقت لكي تقرّروا أي مستقبل تريدونه لأنفسكم ولأطفالكم”، في دعوة تختزل اللجوء إلى الأداة الدستورية التقليدية لإعادة ضبط قواعد اللعبة السياسية، فضلا عن السعي إلى انتزاع شرعية جديدة تُعيد ترتيب المشهد لمصلحة مشروعه.

رأت قراءات عديدة في خطوة سانشيز مقامرة سياسية حاسمة، يعيد منها توظيف استراتيجيته في تحويل الأزمات الوجودية إلى فرص للبقاء في السلطة. فالرجل الذي يُعد ثاني أطول رئيس وزراء بقاء في المنصب، بعد فيليبي غونثاليث (1982- 1996)، أثبت في محطات سابقة امتلاكه مهارة فائقة في تجاوز عقباتٍ كادت تطيحه. وما هذه المناورة التي أعقبت إسقاط المعارضة للتدابير التي اقترحتها الحكومة للتخفيف من أزمة السكن سوى دليل إضافي على قدرته العالية على إدارة الصراع السياسي وفق إيقاعه. غير أن السياق هذه المرّة يبدو مختلفاً، فهذه الانتخابات تأتي بعد ثلاثة أعوام حافلة بالأزمات التي أنهكت الحكومة، لعل أبرزها أحداث سبتة التي خلفت 141 شخصاً عقب تدفق نحو 70 ألف شخص إلى المدينة، فيما صنّف محلياً بـ”الحرب الهجينة”، وهو الدافع الحقيقي لرغبة سانشيز في الذهاب إلى انتخابات مبكّرة بحثاً عن أغلبية مريحة. أما أزمة السكن، فلا تعدو كونها مادة للتسويق الحزبي واستقطاب أصوات الناخبين، سيما أن البدائل والتدابير التي رفضتها أحزاب المعارضة تماهت جزئيّاً مع المطالب الشعبية.

تسير الحكومة الاشتراكية نحو الاستحقاق الانتخابي متسلحة بمؤشّرات اقتصادية مشجّعة

تسير الحكومة الاشتراكية نحو الاستحقاق الانتخابي متسلحة بمؤشّرات اقتصادية مشجّعة، فقد سجلت، وفق تقرير صندوق النقد الدولي، نمواً بلغ 2.1٪ بخلاف حكومات أوروبية عديدة، غير هذه الأرقام الإيجابية تصطدم بواقع سياسي مأزوم؛ ففي شهر مايو/ أيار الماضي تجرع الحزب الاشتراكي هزيمة ثقيلة في الانتخابات بإقليم الأندلس. يضاف توالي ملفات الفساد المفتوحة أمام القضاء والمرتبطة بأعضاء في الحزب، والتي أضحت مادة دسمة للسجال السياسي المحتدم بين الحكومة والمعارضة.

ويصر سانشيز على المضي في المعترك السياسي مرشّحاً للحزب الاشتراكي، على الرغم من إدراكه أنه بات هدفاً لخصومه في الداخل والخارج أكثر من أي وقت مضى. هكذا تتعدّى تداعيات هذا النزال الانتخابي حدود التنافس الحزبي التقليدي لتتخذ أبعادا استراتيجية قارية، فهي تختبر مدى قدرة إسبانيا على الصمود كقلعة منيعة لليسار في وجه الزحف اليميني الذي يبسط نفوذه في جنوب أوروبا وعلى امتداد أجزاء واسعة من القارة.

تتجاوز أبعاد هذه الانتخابات الحدود الداخلية الإسبانية والفضاء الأوروبي لتمتد إلى نطاق إقليمي أشد حساسية، إذ يترقب كل من المغرب والجزائر باهتمام بالغ ما ستسفر عنه صناديق الاقتراع، وهو ما دفع مراقبين إلى وصف الاستحقاق بأنه “انتخابات بنكهة مغاربية”. فالتقلبات والتحولات التي شهدتها علاقات مدريد الخارجية مع الجارين المغاربيين خلال السنوات الأخيرة؛ خصوصا ما يتعلق بقضية الصحراء وملف الهجرة، ولاحقا وضعية سبتة ومليلية، ستفرض حضورها بقوة في سجالات الحملة الانتخابية، فضلاً عن ارتباط مستقبل هذه العلاقات بطبيعة الحكومة التي ستفرزها الصناديق؛ فعادة ما تكون الحكومات اليمينية في مدريد أقرب إلى الجزائر في حين تميل الحكومات اليسارية نحو الرباط.

مقامرة يراهن فيها اليسار على مؤشراته الاقتصادية ومواقفه الأخلاقية، خصوصاً انحيازه لعدالة القضية الفلسطينية ورفضه التبعية لسياسات واشنطن

بعيدا عن هذه الحسابات، يتابع أحرار العالم هذه الانتخابات باهتمام بالغ، فقد صنعت حكومة مدريد استثناء أوروبيا لفتت أنظار العالم بموقفها المبدئي الجريء ضد مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وإعلانها الصريح لا للحرب على غزة، متحملة في سبيل ذلك كلفة التوتر مع واشنطن. وقد تجدد هذا الموقف الوفي للشرعية الدولية في زمن التيه والارتباك الأوروبيين (راجع للكاتب “مدريد تعيد رسم حدود الأخلاق في السياسة الدولية“، “العربي الجديد”، 09/04/2026)، حين رفضت مدريد استخدام الأراضي والموانئ الإسبانية في أي مغامرة عسكرية أميركية، ليشكل التمرّد الإسباني خروجاً عن السرب وإرباكا للحسابات الأوروبية التقليدية.

لذلك، من شأن وصول أي حكومة يمينية إلى مدريد أن يطلق انعطافة محورية في توجهات الدبلوماسية الإسبانية، لاسيما تجاه القضية الفلسطينية والملفات الشرق أوسطية، فمثلا أي حضور لحزب “فوكس” اليميني المتطرف في الائتلاف الحكومي سيفرض مراجعة جذرية لركائز السياسة الخارجية، بما يهدد بتفكيك التوازنات التقليدية والمواقف الأخلاقية التي راكمتها حكومة سانشيز في السنوات الأخيرة.

لا يخوض سانشيز مجرّد انتخابات مبكرة لإنقاذ مشروعه السياسي أو الفكاك من معضلة الأغلبية المفقودة، بقدر ما يضع إسبانيا برمتها أمام لحظة فارقة أشبه ما تكون بإعادة تعيين بوصلة الحكم والاستراتيجية. إنها مقامرة يراهن فيها اليسار على مؤشراته الاقتصادية ومواقفه الأخلاقية، خصوصاً انحيازه لعدالة القضية الفلسطينية ورفضه التبعية لسياسات واشنطن، في مواجهة زحف يميني متطرّف يتربص بالدبلوماسية الإسبانية لإعادتها إلى بيت الطاعة الغربي. بين حسابات الصندوق وتوازنات الإقليم، يثار السؤال هل ينجح “ساحر الأزمات” في تحويل الضغط إلى شرعية جديدة تُبقيه قلعة استثنائية لليسار، أم أن صناديق ستكتب نهاية حقبة، وتفتح الباب لانتكاسة سياسية وأخلاقية تتجاوز حدود مدريد؟

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى