
ترددت سنينا قبل أن أنشر هذه الحكاية لكنها يجب أن تحكى لأن فيها حقوقا لأناس يجب أن توفى لهم، وفيها كثير من محطات وتوثيق للتراث الشفهي للثورة السورية.
في أواخر أيلول 2010 زارني الأخ الصديق حسن خليل الكردي ابو إبراهيم وقال لي: لقد أنشأنا مع مجموعة من الأصدقاء منذ أسابيع صفحة إلكترونية وموقع عنوانها (كلنا طل الملوحي) وهي على غرار صفحة (كلنا خالد سعيد) في مصر وكانت قضية اعتقالهما متزامنة بفارق أشهر.. لكن المشكلة التي نعاني منها أن هناك الكثير من المساهمات والمقالات السياسية التي ننشرها لكن لدينا نقص كبير في المساهمات الأدبية (شعر قصة.. خاطرة) والكتابات السياسية الساخرة التي تزخر بها صفحة (كلنا خالد سعيد) والتي اعطتها شعبية وانتشار أوسع بكثير من صفحتنا، لذلك أرجو منك المساعدة في تغطية هذا الجانب إذا أمكن..
حقيقة أعجبتني الفكرة وشجعته كثيرا، لكنني اعتذرت له لعدم قدرتي على المساهمة لأنني فعليا كنت منقطعا عن كل أنواع الكتابة منذ 2002 ومتفرغ لعملي الهندسي فقط، ورغم معرفته أنه كان لي تجربة في كل أنواع الكتابة حتى الكتابة الساخرة، وإصراره علي للمساهمة، لكني كنت على قناعة أن حياتي ككاتب قد انتهت، فالكتابة مثل الرياضة عندما تتركها لفترة طويلة تضمر عضلاتها وتيبس مفاصلها.. ولما بلغ مني اليأس اقترح علي أن أساهم بالتواصل مع أصدقائي القدامى من كتاب وأدباء للمساهمة في الصفحة بأسماء حقيقية لمن أراد أو بأسماء مستعارة محمية لمن يشاء عدم ذكر اسمه.. وعدته فعلا ببذل جهدي في ذلك وحاولت رغم الانقطاع الطويل عن الوسط الأدبي وصعوبة الاتصالات حينها، بالأخص المتواجدين في سورية وقتها.. وفعليا قد فشلت في التواصل مع كثيرين، وبعضهم اعتذر وبعضهم وعد ولم يف..
أحسست بتأنيب الضمير، وجلست الى الطاولة والورقة ساعات أحاول العودة إلى الكتابة حتى خرج مقال ساخر عنوانه: (لست أعرف طل ولكن أعرف هذه المحكمة) ولكن لم يكن لدي الثقة أنني سأستطيع الاستمرار في الكتابة فوضعت اسم الكاتب “جحا الدمشقي” وهو اسم مقتبس من مجموعة قصص قصيرة ساخرة للكاتب زكريا تامر عنوانها “حكايات جحا الدمشقي” وأرسلتها للصديق حسن الكردي وأخبرته أنها جاءتني من صديق إذا أرادوا نشرها..
ثم في الأيام التالية وجدت قلمي يسيل تلقائيا كل فترة بمقال، (“طل والرواية الرسمية”، “طل وجحا”، “طل وخالد سعيد” “طل ومستقبل سورية”…)
وهذه المقالات كانت أيضا توزع بالإيميل بطريقة “سبام” حيث أن انتشار الفيس بوك في سورية وقتها كان محدودا جدا..
ثم بدأ الربيع العربي آواخر عام 2010 من تونس إلى مصر إلى ليبيا وتسارعت الأحداث وصارت مقالاتي يومية.. وصارحت الصديق حسن بأن هذه المقالات هي لي ولكن لدي الرغبة في إنشاء صفحة على الفيس بوك باسم “جحا الدمشقي” وان تكون مفتوحة لكل من يود أن يكتب بهذا الاسم المستعار وقد قام فعلا بإنشاء الصفحة وكذلك بإنشاء مدونة على جوجل بنفس الاسم.. وكانت الثورة قد وصلت الى مشارف دمشق.. وأعدت محاولات التواصل مع من استطعت إليه سبيلا ليساهموا في الكتابة والنشر على صفحة “جحا الدمشقي” لتكون فضاء مفتوح لكل من يريد أن يساهم فيه، لكن الفكرة لم تنجح حيث فضل الأكثرية أن يعملوا بشكل خاص، وهذه كانت من أسوأ السلبيات في العمل الثوري السوري، وهي الفردانية التي أحبطت الكثير من الجهود الجماعية وشتتها مما أفقدها الكثير من تأثيرها.. و وجدت نفسي أيضا منفردا مسؤولا عن الصفحة و المدونة، و رغم ضيق الوقت بين العمل المهني، و العمل السياسي المباشر، فقد نشرت ما بين 2011 الى اواخر 2013 على المدونة اكثر من 185 مادة معظمها مقالات سياسية ساخرة أكثريتها من تأليفي و كان هناك بعضها معادة الصياغة جذريا أو أن فكرتها من أحد الأصدقاء و صياغتها من قبلي، فمن الأصدقاء الذين ساهموا بهذا الشهيد بسام البصلة ابو فاروق، و الصديق المختفي قسرا وائل حمادة، و من الأحياء الصديق اسامة عثمان، الصديق خالد نغمان، الصديق غسان الغلاييني، إياد الشيخ عماد غليون خورشيد محمد.. والصديق الدكتور ضياء شعير الذي يتمتع بحس كوميدي عال..
ومن الاسماء المستعارة “أمين الشام، حكيم حوران، نور الشمس، ابو دعسة، وكردي حر..”
وكذلك فإن الشكر واجب للأخ والصديق الفنان والشاعر أحمد أراجه الذي أعاد نشر الكثير من مقالات وتغريدات جحا الدمشقي على صفحته وفي مجلته الالكترونية “الثورة السورية” وهو الذي أطلق عليه لقب حكيم الثورة..
كذلك فإنني ممتن جدا جدا للإعلامي الاستاذ أحمد مظهر سعدو أحد المناضلين قبل الفتح وبعد الفتح..
واعتذر ممن نسيتهم ومنهم اعلامي من آل المسالمة آخر من آل الزعبي..
من أهم تلك المقالات كان سلسلة من خمس أو ست حلقات بعنوان “السالب والموجب في الثورة السورية” وكان بمناسبة إعلان انشقاق المذيع الاستاذ توفيق الحلاق وهو مذيع ناجح كنت أحبه وأحب برنامجه وقد سعدت بانضمامه لصفوف الشعب ووجدتها فرصة جيدة لتسليط الضوء على الكثير من السلبيات في العمل الثوري لتجاوزها في نفس الوقت تعزيز وتنمية الإيجابيات..
كذلك سلسلة من أربع حلقات بعنوان “سنة اولى ثورة” بمناسبة الذكرى الاولى.. وكذلك فقد كان على المدونة جمع لأهم النكات والطرائف التي أنتجها الشعب السوري خلال تلك الفترة المؤلمة، والتي تعالى فيها على مستوى الوجع والظلم بالسخرية والضحك.. فكل ما وصلني منها قد صيغته ووثقته على المدونة في مجموعات..
وأهم وأعمق مقال هو الأخير رغم أنه صيغ بشكل ساخر وهو مكون من عشر حلقات بعنوان “الأساطير المؤسسة للعقل العربي” وقد نشرت تسع حلقات والأخيرة لم تنشر لأنني فجأة اخذت قرار التوقف وهي بعنوان “الاسطورة التي لم ترسخ ولم تكرر” وهي تتناول اللحظة التي دخل فيها الرسول “ص” إلى مكة المكرمة وقراره بالعفو العام “اذهبوا فأنتم الطلقاء..” فأطلق الجميع من أسلم وظل كافرا ولم يطبق حجرا او حظرا بل إن بعضهم شاركوا معه في غزوة حنين بعد أيام وكانوا إما حديثي الاسلام أو على دينهم وشاركوا في الغنائم وبعضهم أصبحوا ولاة أو مؤلفة قلوبهم رغم الشك بصدق إيمانهم.. وقد منحوا فرصة لعهد جديد، وبعضهم حسن اسلامه وعمله..
إن هذه الحادثة الفريدة في التاريخ العربي لم تتكرر ولا في أي صراع سياسي أو قبلي.. وبعد ذلك منذ حروب الردة إلى نهاية الخلافة العثمانية، بل كانت من إحدى الأبواب التسعة المذكورة للأساطير المؤسسة للعقل السياسي العربي..
و لم أتوقع أو يدر في خلدي إطلاقا أن تكون هذه الحلقة هي الحلقة الأخيرة للثورة السورية، ليس بعفو السلطة السياسية فحسب، لأن هذا ما كان كافيا و لا مستقرا، بل بعفو مجتمعي تجاوز فكرة الانتقام العام، و لو كان ذلك أقل انضباطا و طهرانية من لحظة نبوية في عصر سالف، فإنها لحظة عظيمة تستحق أن نفخر بها و نبني عليها مستقبل لا يقوم على الثأر و الانتقام، بل على التعايش والتعالي على آلام الماضي من أجل المستقبل، و اعتقد أن هذه أهم إنجازات الثورة و المجتمع السوري رغم أن توازنها مازال قلقا و ما زال من يدفع من اتجاهات مختلفة لخلخلته التوازن..
وفي الختام أريد أن أقول بصراحة: إن صفحة ومدونة “جحا الدمشقي” قد فشلت رغم الجهد المبذول في تحقيق ما كان مأمولا منها.. وأظن أنها كانت بحاجة إلى إدارة أفضل وتسويق إعلامي محترف لم يتوفر لها.. كذلك فإن كثرة الصفحات الثورية وتعددها إلى درجة هائلة شتت المتابعين والتغطية الإعلامية..
كذلك لابد من القول: بأنه لم تكن كل المقالات والمواد موفقة، بالأخص أن السخرية تكون أصعب عمل في ظل المآسي الكبيرة والاضطراب العظيم الذي رافق مراحل الثورة..
لكن أيضا تبقى هذه المدونة فيها توثيق لكثير من التفاصيل الصغيرة لأحداث الثورة وفيها مقالات كانت عميقة جدا ومازالت مؤثرة حتى الى المستقبل، وفي الصفحة توثيق لكثير من الفيديوهات والاغاني الساخرة التي انتجتها جهات اخرى..
ملاحظة: صورة الغلاف اختارها الصديق حسن الكردي، وقال لي تستطيع تغيرها متى شئت، ولكني لم أجد صورة أنسب منها، وهي صورة نبات شوكي جميل ووحيد في صحراء قاحلة.
رابط صفحة الفيس بوك
https://www.facebook.com/share/14qjpF7UD1a/
رابط المدونة





