انتخابات بلا عقاب في المغرب؟

محمد طيفوري

كشفت نتائج الانتخابات التشريعية المغربيّة عن مشهد يميل إلى إعادة إنتاج الاستقرار القائم، مع تعديلاتٍ شكليةٍ في الخريطة الحزبية، فقد جاءت مخرجات الصناديق خالية من أي مفاجآت كبرى؛ إذ استطاعت أحزاب الترويكا المشكلة للائتلاف الحكومي الحاكم الاحتفاظ بمواقع الصدارة، مع تسجيل تداول نسبي للمراتب. في المقابل، شهدت قوى المعارضة تذبذباً ملحوظاً في أحجامها بين صعود وتراجع، باستثناء حزب العدالة والتنمية الذي ضاعف حصته من المقاعد أربع مرّات. غير أن المعضلة الأكبر التي تسائل الدولة والأحزاب السياسية معاً تتجاوز مجرّد حسابات الربح والخسارة ولغة الأرقام الصماء، نحو دلالات أعمق تتصل بمدى تعبير الصناديق عن الإرادة الفعلية للمغاربة.

تأتي نسبة المشاركة لتجيب بوضوح عن هذا الطرح؛ إذ لم تتعدّ 38.08% باعتماد لوائح المسجلين مرجعاً، لتغدو ثاني أدنى نسبة مشاركة في سادس انتخابات تشريعية تُجرى في عهد الملك محمد السادس، بعد استحقاق 2007 الذي سجل نسبة 37%. يكشف هذا الرقم عن تراجع حاد قدره 12.78% مقارنة بانتخابات2021 التي بلغت فيها النسبة 50.86%. بل تنخفض هذه النسبة إلى 22.88% متى اعتمد عدد السكان في سن التصويت مرجعاً. وفي مؤشر أكثر دلالة، فقدت صناديق الاقتراع 2.8 مليون صوت في هذه الاستحقاق، إذ لم يتوجه إليها سوى زهاء 6 ملايين ناخب مقارنة ب 8.79 ملايين في السابق، ما يعني، بصيغة أخرى، أن أقل من أربعة مغاربة من بين كل عشرة توجّهوا بالفعل مراكز الاقتراع.

بالعودة إلى خريطة النتائج وما كشفت عنه الصناديق، والتي تتباين طرق قراءتها باختلاف زاويا النظر، يتضح أن مخرجات العملية الانتخابية جاءت منفصلة تماماً عن واقع الأزمات الاجتماعية الممتدّة؛ وفي مقدمتها فاجعة النزوح الجماعي لأزيد من 70 ألف مغربي باتجاه سبتة المحتلة، وما سبقها من حراك “جيل زد” الذي هزّ الشارع المغربي، فضلاً عن فضائح متتالية لتضارب المصالح التي كادت تسقط الحكومة غير مرّة. يتجلى هذا التناقض في استمرار الائتلاف الحاكم في المشهد؛ صحيح أن مقاعد “الترويكا” تقلصت من 269 مقعداً في 2021 إلى 228 مقعداً في هذا الاستحقاق، إلّا أن السؤال الجوهري يظل قائماً عن كيفية نيل هذه الحصيلة رغم حجم الأزمات والفضائح السياسية التي تابعها المغاربة خلال الأشهر الأخيرة من عمر الولاية الحكومية.

قد يجد المغاربة أنفسهم أمام تكرار لسيناريو عزيز أخنوش مع حزب التجمّع الوطني للأحرار، وهذا ما يفرغ الممارسة السياسية من أي شرعية ومشروعية

هكذا، يمكن القول إنّ ما حدث مجرّد تداول داخل الكتلة نفسها أكثر مما هو تحوّل في موازين القوى، بمعنى أنّ الاقتراع لم يغيّر في ترتيب مكونات الخريطة السياسية، إذ اكتفى الناخبون بتعديل الموازين داخل الأغلبية السابقة من دون إحداث تغيير جذري في بنيتها العامة، لكن المفارقة الحقيقية في الحصيلة الإجمالية للتحالف الحكومي، والتي تبدو عصية على الفهم والتحليل السياسي؛ لكونها تبطل منطق “التصويت العقابي” الذي جرى توظيفه سابقاً لتفسير السقوط المدوي لحزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021. فما تجرّعه المغاربة في عهد حكومة أخنوش تجاوز بمراحل أزمات مرحلة سعد الدين العثماني، ومع هذا اختفت آليات العقاب الانتخابي كلياً من صناديق هذا الاستحقاق!

قد يبدو تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة (97 مقعداً) أمراً مبرّراً، بفضل الهجرة الجماعية للأعيان ومحترفي الانتخابات نحو خيمته؛ سيّما عقب التحاق الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع بصفوفه. غير أنّ الجغرافيا الانتخابية لهذه المقاعد تكشف عن مفارقة كبيرة تمسّ مرجعة الحزب وهويته في الصميم، فالأرقام تفيد بأن الجرار (رمز الحزب) حصد 63 مقعداً في البوادي مقابل 34 مقعداً في الحواضر، ما يطرح تساؤلاً قد يثير السخرية؛ هل بدأ مشروع الحداثة التي يتبناه الحزب من البادية المغربية؟

تتعدّى هذه المفارقة حدود حزب الأصالة والمعاصرة، لتشكّل سمة بارزة في هذا الاستحقاق الانتخابي ككل، إذ تفيد المعطيات بأن 173 نائباً فقط، (ما يعادل نسبة 43.8% من أعضاء مجلس النواب)، يمثلون المدن داخل المؤسّسة التشريعية، بينما ينحدر 222 نائباً (زهاء 56.2%) من دوائر قروية. تناقض هذه النتائج على نحوٍ صارخ مع معطيات الخريطة الديمغرافية للبلاد، وفق إحصاء 2024، حيث يعيش 62.8% من المغاربة في الوسط الحضري مقابل 37.2% في القرى والأرياف، ما يجعل اتجاه التمثيل النيابي معكوساً تماماً مقارنة بالتوزيع السكاني، حتى إنّ مراقبين باتوا يتحدّثون بوضوح عن “بدونة البرلمان”.

مخرجات الاستحقاق الانتخابي في المغرب تعكس عمق الفجوة الفاصلة بين الممارسة السياسية والواقع المجتمعي

بعيداً عن دوامة الأرقام، يتطلع المغاربة إلى معرفة الشخصية التي سيختارها الملك من حزب الأصالة والمعاصرة، استناداً إلى الفصل 47 من الدستور، لتقود الحكومة المقبلة. ولا حديث في الصحافة والإعلام سوى عن التكنوقراطي فوزي لقجع، الذي قرّر أواخر يوليو/ تموز الماضي ركوب “الجرّار”، فلا تفسير لهذه المغامرة سوى الطموح إلى قيادة الحكومة، وهي غاية تستدعي شرعية الانتماء للحزب المتصدّر، طالما أن المناصب الأخرى كانت في متناول يده من دون الحاجة إلى ارتداء جبة حزب بعينه. هكذا يجد المغاربة أنفسهم أمام تكرار لسيناريو عزيز أخنوش مع حزب التجمّع الوطني للأحرار، وهذا ما يفرغ الممارسة السياسية من أي شرعية ومشروعية، إذ لا معنى لإنزال شخصٍ على رأس حزب أسابيع قبل الانتخابات لمجرّد تعبيد الطريق له نحو رئاسة الحكومة!

تثبت هذه النتائج أن مخرجات الاستحقاق الانتخابي تعكس عمق الفجوة الفاصلة بين الممارسة السياسية والواقع المجتمعي. فإذا كانت العملية الانتخابية قد أعادت إنتاج المشهد بالأدوات والوجوه نفسها؛ عبر استدعاء التكنوقراط، واستثمار نفوذ الأعيان، والتقطيع الانتخابي، ورغم أنها تُؤمن استقراراً عددياً عابراً تحت قبة البرلمان، فإنها تجهز، في المقابل، على ما تبقى من جدوى العملية الانتخابية برمتها. خطورة المرحلة في تحوّل الصناديق إلى مجرّد إجراء شكلي لشرعنة التوازنات المسبقة، وحين تعجز السياسة عن استيعاب غضب الشارع وتطلعات أجياله الصاعدة، فإنّ الاستقرار المأمول يصبح هشّاً، وتغدو الصناديق نفسها جزءاً من أزمة التمثيل لا حلاً لها.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى