
محمود الشيخ روائي سوري متميز، وروايته حكاية عند ضفة النهر هي العمل الأدبي الأول الذي قرأته له، واكتب عنه.
يعتمد الكاتب في السرد لغة المتكلم على لسان يارا الشخصية الأساسية في الرواية .
يارا فتاة سورية من شمال شرق سورية على الحدود التركية السورية تتحدث عن نفسها وحياتها ، الزمان غير محدد بالضبط لكن يظهر من تطورات الحدث الروائي أن أحداث الرواية تبدأ قبل الثورة السورية بسنوات ، الثورة التي قامت في ربيع ٢٠١١م.
يارا ابنة بيئة مجتمعية متنوعة ولكنها متوائمة متوافقة على معاملة المرأة بدونية في مجتمع ذكوري ينظر للمرأة نظرة متخلّفة.
يارا ابنة اسرة كادحة متواضعة والدها يعمل في مقلع للحجارة، شخصيته قاسية، الاسرة كلها تهابه. امها تعامل زوجها بطاعة كاملة، واخوتها من الإناث والذكور متوافقين على طاعة الوالد والالتزام بما شاء .
يارا ومنذ صغرها اكتشفت التمييز في التعامل العائلي معها ومع أخواتها البنات، كانت طموحة ان تتعلم وتتابع تعليمها ويكون مستقبلها العلمي بابا تخرج من خلاله من حياتها القاسية مع أسرتها.
لكن ما ان دخلت يارا سن المراهقة وبدأت تبرز ملامحها وجمالها حتى كانت محط الكثير من طلبات الزواج وهي مازالت صغيرة .
وسرعان ما قبل والدها خطبتها من أحد شباب بلدتهم يعمل في لبنان ،وخُطبت دون حضوره، وهذا شكّل غصة ليارا فهي لم تتعرف على خطيبها ولم تتبادل معه التفاعل ولم تقيس مقدار تقبلها النفسي له. اضافة الى ان الخطبة والزواج بعد ذلك ستكون حتما على حساب إكمال تعليمها، وهذا يعني ضياع فرصة بناء حياة مختلفة لها.
وتمضي الايام مسرعة ويأتي الخاطب . لم تتقبله يارا لكنها مجبرة عليه، وبعد ذلك حصل الزواج. وبما أن يارا غير متقبلة له وتخاف من العلاقة الجسدية معه، لذلك كان عنيفا معها الى درجة استعمال القوة، وكان يستعين عليها بأمه في تقييدها ليتمكن من ممارسة الجماع معها.
لقد عاشت يارا جحيما في علاقتها الزوجية، وزاد سوءها انه سرعان ما يذهب الى لبنان ليتابع عمله. ويأتيها على فترات. واكتشفت بعد وقت انه متزوج في لبنان ولديه طفل ايضا، لذلك رفض زوجها صحبتها له إلى لبنان. تقبل اهلها انه متزوج في لبنان بأن ذلك حق له.
وسرعان ما حملت يارا وبدأت تعيش مشاعر متناقضة تجاه جنينها الذي تقبلته اخيرا، واعتبرته جنتها القادمة تعوضها عن الجحيم الذي تعيش به.
لم تكن يارا متقبلة لواقع علاقتها الغير سوية مع زوجها وكانت تحلم لو انها تعرفت على من تحب وعاشت علاقة شعورية جميلة وتزوجت ممن يهوى قلبها. ولذلك كانت تتابع من حولها من الرجال ووجدت ضالتها في أحدهم وكان ذو شخصية مؤثرة ولكنه يستثمر ذاته بحيث كان زير نساء. أدرك تأثيره على يارا وحاول أكثر من مرة أن يقيم معها علاقة حرام ولكن لم تستسلم له يارا.
بالمقابل كانت يارا جزء من أسرة واسعة لزوجها إخوته وأقربائه. وكانت مستهدفة لجمالها و غياب زوجها. ووصل الامر الى ان تحرش بها اخو زوجها أكثر من مرّة. استنجدت بوالدها الذي حماها ومنع ذهابها الى بيت زوجها. ووصلت اخيرا لتطلب الطلاق من زوجها. وحصلت عليه، وأصبحت امرأة مطلقة ويدعونها ارملة ايضا.
وتمر الايام وتنجب طفلها وتقرر العمل لتربيته، وحاولت العودة للدراسة وحصلت على الشهادة الثانوية. منعها والدها من الدخول للجامعة، ثم حصلت على فرصة التعليم كمعلمة وكيلة. حيث تحرش بها مدير المدرسة. و نقلت الى مدرسة اخرى. وكانت حياتها مقبولة نسبيا.
لكن حصل متغير جديد في حياة السوريين جميعا وهو حصول ثورة السوريين على النظام المستبد الظالم في ربيع ٢٠١١م. وانعكاس ذلك على كل السوريين.
الرواية لا تدخل في تفاصيل الحال السورية المستجدة، الا بصفتها المناخ العام الذي يفسر تطور حال يارا وطفلها وأهل بلدتها جميعا.
لم تنعكس تغيرات الثورة السورية على حياة يارا ومن حولها الّا عندما تحررت بلدتهم واصبحت تحت سيطرة الجيش الحر، وبدأ تدخل الروس لمساندة النظام وذلك عبر قصف الطيران البلدة بالبراميل المتفجرة التي حولت حياة الناس إلى جحيم. قتلى و مصابين وجرحى بالمئات، وبيوت مهدمة على رؤوس أهلها.
لم يعرف الناس ماذا يفعلون، فهم لا يكادون يصحون من سقوط برميل متفجر حتى يسقط آخر ويسقط الضحايا ويزداد الدمار وتنقلب حياة الناس جميعا الى جحيم وهم يتساقطون بين قتيل وجريح . وبيوتهم مهدمة وبلداتهم مدمرة.
عاشت يارا ككل اهلها ومن حولها واقع حرب الابادة التي شنها النظام وحلفاؤه الروس على الشعب السوري، أصيبت بكسر وعولجت في الداخل السوري وفي تركيا. وكذلك أصيب ابنها وعالجته. تدمر بيتهم وهاجروا الى مناطق اكثر امنا، وانتقلوا من مكان الى آخر.
عملت معلمة اطفال مرة ومنظفة بيوت تارة وكانت ككل أهل بلدتها يعيشون فقرا مدقعا وفاقة.
جاء من ساعدها من المنظمات الاغاثية وقُدمت لهم الخيام في فترة، وساعدتهم على إعادة بناء بيتهم في مرة أخرى. وعادوا إلى بلدتهم، ولكنهم استمروا عرضة للقصف والموت العبثي الذي أصاب الكثير ممن حولها من اخوتها واخواتها وابنائهم واقربائها.
لم تعد يارا تلتقي بحبيبها الذي اصبح اميرا داعشيا. وأصبحت تعيش لنفسها وابنها ولأهلها. تعمل بما تحصل عليه وتؤمن لقمة عيشها وعيش اهلها.
تنتهي الرواية وواقع الحال على سوئه هي في العقد الرابع من عمرها ولا أمل لها في الأفق، ولا للسوريين جميعا.
في التعقيب على الرواية اقول:
إن رواية حكاية عند ضفة النهر، رواية نسوية بامتياز، فهي تنغمس في واقع حياة المرأة السورية خاصة في الريف. تدخل في تفاصيل حياتها ، والمظالم الاجتماعية التي تعيشها، وحرمانها من فرص التعلم، وحق ادارة حياتها بخيارها ، وضحية عادات وتقاليد متخلفة وظالمة، وضحية علاقات نسائية تنتقم من مظالمها بالضغينة والنميمة والاساءة لبعضهن البعض .
تظهر المرأة كائنا مظلوما مستسلما أو ظالما للغير. لا مساحة للحب في ظروف المجتمع ، رجال يتصرفون مع النساء بوحشية أو كغنيمة يجب أن يحصلوا عليها.
لا حب ولا رحمة ولا علاقات سوية، مع الاسف.
وتتحدث الرواية كخلفية لاحداثها عن الثورة السورية وما فعله النظام بمساعدة الروس والايرانيين من قتل للشعب السوري وتدمير بلداتهم ومدنهم وتشريدهم وتحويل حياتهم إلى جحيم.
تنتهي الرواية ولا أمل بتغير أحوال الناس فقد زاد بلاء السوريين على أفعال النظام وحلفاؤه الإجرامية، ولادة داعش التي نكّلت بالثوار والشعب السوري حيث وجدت وسيطرت.
كما يبدو أن الرواية قد كتبت ما قبل انتصار ثورة السوريين على النظام المجرم. وطرد الروس والايرانيين. ومن ثم بناء دولة الثورة السورية التي تعمل لتحقيق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية والديمقراطية والحياة الأفضل للسوريين جميعا. متجاوزة عذابات السوريين التي استمرت لعقود.






