سوريا بعد سقوط الخوف.. هل يستطيع المجتمع أن يتعلم الحرية؟

مصطفى إبراهيم المصطفى

يقال إن الاستبداد لا يحكم المؤسسات فقط، بل يعيد تشكيل السلوك والتوقعات والعلاقات بين الناس والدولة. إنه عندما يستفحل؛ يعيد تشكيل المجتمع وتشكيل ثقافته وسلوكه. ولذلك فإن تغيير السلطة قد يكون لحظة سياسية سريعة، بينما التخلص من آثارها النفسية والثقافية يحتاج إلى جيل كامل أحيانا، فقد يكون سقوط النظام الاستبدادي لحظة فاصلة في تاريخ أي مجتمع، لكنه لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح ديمقراطيا أو أن أفراده أصبحوا قادرين على ممارسة الحرية بصورة صحيحة.

الاستبداد لا يصنع مواطنين خائفين فقط، بل يصنع سلوكا سياسيا معينا

عندما يستمر الاستبداد عقودا طويلة، لا يبقى مجرد نظام سياسي في أعلى هرم الدولة؛ وإنما يتسرب تدريجيا إلى طريقة تفكير الناس وسلوكهم وعلاقاتهم ببعضهم بعضا؛ يتعلم المواطن كيف ومتى يتحدث أمام السلطة، ومتى يصمت، ومتى ينافق، وكيف يتجنب المشكلات، وكيف يستزلم بمن هو أقوى منه. ولهذا، فإن المشكلة التي تواجه المجتمع بعد زوال الاستبداد ليست كيف نبني مؤسسات جديدة فقط؟ وإنما كيف نعيد بناء الإنسان السياسي الذي أفسد الاستبداد علاقته بالسلطة وبالآخر وبنفسه أيضا؟ فقد تسقط السلطة التي صنعت الخوف، لكن الخوف نفسه قد يبقى حاضرا في الذاكرة والسلوك.

ومن الأخطاء الشائعة النظر إلى الاستبداد باعتباره علاقة بسيطة بين حاكم يقمع ومواطن يخاف، لأنه في الحقيقة؛ تكون العلاقة أشد تعقيدا، فعندما يعيش الإنسان سنوات طويلة في بيئة سياسية لا يستطيع التعبير فيها بحرية، ولا يعرف حدود ما يمكن أن يقوله، ولا يثق بأن المؤسسات ستحميه إذا تعرض للظلم، فإنه يبدأ بتطوير استراتيجيات للتكيف، فيتعلم أن الصمت أكثر أمنا من الكلام، وأن إظهار الولاء قد يكون أكثر فائدة من إظهار الرأي الحقيقي، وأن الاقتراب من صاحب السلطة قد يكون أهم من الاعتماد على القانون، وأن العلاقات الشخصية قد تكون أكثر أهمية من المؤسسات.

مع مرور الوقت، تتجذر هذه السلوكيات وتتحول هذه الاستراتيجيات – تدريجيا – من وسائل مؤقتة للبقاء إلى عادات سياسية واجتماعية تكتسب صفة العموم والاستقرار. وهنا تكمن المشكلة؛ فالسلوك الذي كان عقلانياً في ظل الاستبداد قد يصبح غير عقلاني في ظل الحرية. إن المواطن الذي كان يخاف من المسؤول بالأمس قد يستمر في التعامل معه بعقلية الخوف، وهو إن لم يفعل ذلك، فغالبا ما ينتقل إلى النقيض تماما فيتعامل مع ضعف السلطة باعتباره فرصة لإهانتها أو ابتزازها أو تجاوز القانون.

إن الاستبداد الطويل غالبا ما يؤدي إلى خلق ثقافة سياسية شخصانية. أي أن الناس يتعودون على اختزال الدولة في شخص، فالرئيس هو الدولة، وهو القائد، وهو الوطن.

مشكلة “النفاق السياسي

ومن أكثر الآثار عمقا لأنظمة الاستبداد أن الإنسان – غالبا – يتعلم أن ما يقوله علنا ليس بالضرورة أن يكون هو ما يؤمن به سرا، ففي الأنظمة شديدة القمع، يصبح المواطن أحيانا مضطرا إلى ارتداء قناع سياسي مختلف عن شخصيته الحقيقية؛ يصفق لأنه يخاف، ويمدح لأنه يريد تجنب الضرر، ويصمت لأنه لا يثق بمن حوله، وقد يعلن الولاء لمن لا يؤمن به. ومع مرور السنوات، يصبح هذا السلوك طبيعيا في الحياة العامة.

المشكلة أن نظام الاستبداد قد يسقط، بينما آلية التفكير التي أنتجت النفاق تبقى؛ فهي إما أن تستمر مع النظام الجديد، أو تنتقل من: “ماذا تريد السلطة مني أن أقول؟” إلى “ماذا يريد مني الجمهور أن أقول؟” وهنا قد يتحول النفاق من نفاق تجاه السلطة إلى نفاق تجاه الجماعة، وهذه الظاهرة مهمة جدا في المراحل الانتقالية، لأن الفرد قد يكتشف أن التخلص من الرقابة الرسمية لا يعني بالضرورة التخلص من الرقابة الاجتماعية، فبعد الانتقال قد تظهر محرمات جديدة مصدرها الجماعة؛ مثل: لا تنتقد الثورة، لا تنتقد رموزها، لا تنتقد الحكومة التي جاءت منها، لا تتحدث عن أخطاء جماعتك أمام الآخرين.

بهذا المعنى؛ قد يتغير مضمون المحرمات بينما تبقى آلية السلوك نفسها. أي أن الفرد لم يتعلم بعد ثقافة الحرية، بل تعلم فقط أن يبحث عن الجهة التي ينبغي أن يخاف منها. في هذه الحالة يظهر ما يمكن أن نسميه بالنفاق الجماعي، وهنا توجد صلة مهمة بما يسمى في علم الاجتماع السياسي “دوامة الصمت”، فالناس في غالبيتهم يميلون إلى إخفاء الآراء التي يعتقدون أنها غير مقبولة اجتماعيا، ونتيجة ذلك يصبح الرأي الظاهر أكثر تجانسا من الرأي الحقيقي، لكنه في الواقع تجانسا قسريا.

من عبادة الزعيم إلى البحث عن زعيم جديد

ومن المشكلات الأخرى التي تواجهها المجتمعات التي عايشت الاستبداد؛ اعتياد ما يسمى “عبادة الزعيم”، وهذه الظاهرة ليست مجرد حب سياسي مبالغ فيه، بل تحول الزعيم من شخص يشغل منصبا إلى رمز تُعلَّق عليه الدولة، والوطن، والكرامة، والخلاص. ويقصد بعبادة الزعيم أنها حالة يصبح فيها الولاء السياسي موجها إلى شخص الزعيم أكثر من توجهه إلى الدولة، أو الدستور، أو المؤسسات، أو المبادئ السياسية. ويُقدَّم الزعيم باعتباره استثنائيا، لا يخطئ، أو أكثر معرفة بمصلحة البلاد من المجتمع نفسه.

إن الاستبداد الطويل غالبا ما يؤدي إلى خلق ثقافة سياسية شخصانية. أي أن الناس يتعودون على اختزال الدولة في شخص، فالرئيس هو الدولة، وهو القائد، وهو الوطن. والحاكم هو مصدر الحل. وهذا يخلق مشكلة بعد الانتقال، فبدلا من أن ينتقل المجتمع مباشرة من فكرة أن “الحاكم هو كل شيء” إلى فكرة أن المؤسسات هي كل شيء، قد ينتقل فقط من زعيم إلى زعيم آخر. وهنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها الحنين إلى السلطة الشخصية، ليس بالضرورة حنينا إلى الدكتاتورية نفسها، وإنما إلى فكرة وجود شخص قوي يستطيع أن يحسم الخلافات ويضع حدا للفوضى، وهذا مفهوم نفسيا، فالحرية السياسية أكثر تعقيدا من الطاعة.

تتطلب الديمقراطية التفاوض، والاختلاف، والتسويات، والانتظار، والانتخابات، والقوانين، أما الحكم الشخصي فيقدم إجابة أبسط من كل هذا التعقيد، فهناك شخص يقرر وبإمكانه حل أصعب المسائل وأكثرها تعقيدا. ولهذا؛ قد يجد بعض الناس صعوبة في التكيف مع الحياة السياسية المفتوحة، أو مع أجواء الحريات السياسية بالتحديد، خصوصا عندما تكون المؤسسات الجديدة ضعيفة وغير قادرة على إقناع المواطن بغير ما اعتاده.

الإنسان الذي يطالب بالحرية عليه أولا أن يتعلم الحرية. وتعلم الحرية لا يعني أن يتعلم المواطن كيف يقول ما يشاء فقط، بل أن يتعلم مجموعة من القواعد السياسية والاجتماعية

الحرية الحقيقية تبدأ عندما يقبل الإنسان أن تُمارس الحرية ضده

ومن جهة أخرى، قد لا يستطيع الإنسان الذي وقف في وجه الاستبداد أن يقول أنا لم أعد مع الحرية بعد أن تم إسقاط الاستبداد، لكنه في الواقع يترجم ذلك الانقلاب بطريقة أخرى لا تخلو من الازدواجية، فعلى سبيل المثال: هو لا يقبل أن يقول خصمه السياسي ما لا يعجبه، ولا يقبل نتيجة انتخابية يخسر فيها الطرف الذي يؤيده. قد يقول: أنا ضد القمع، لكنه لا يستنكر القمع عندما يقع على شخص يكرهه. وهنا يظهر الفرق بين الحرية كمطلب سياسي والحرية كثقافة سياسية، فمن السهل أن يطالب الإنسان بحريته، لكن الاختبار الحقيقي للحرية هو أن يقبل حرية الآخرين.

إن المجتمع الذي عاش طويلا في ظل سلطة واحدة قد لا يمتلك خبرة كافية في إدارة الاختلاف، ففي ظل الاستبداد، قد تكون المعارضة جريمة، ثم فجأة يصبح الاختلاف السياسي مشروعا. لكن المشكلة أن الثقافة التي تشكلت خلال العقود السابقة قد تستمر في النظر إلى الخصم السياسي بالطريقة القديمة؛ ليس باعتباره منافسا، وإنما باعتباره عدوا. وهنا يتحول النقاش السياسي إلى تخوين وتشكيك في الوطنية، واتهامات بالعمالة، وشيطنة للخصم، وتشكيك في نواياه، ورغبة في إقصائه. وبذلك تنتقل لغة الصراع من مفهوم الاختلاف مع الآخر إلى فكرة أنه يجب التخلص منه. وهذه من أخطر العقبات أمام الانتقال الديمقراطي.

بهذا المعنى فالإنسان الذي يطالب بالحرية عليه أولا أن يتعلم الحرية. وتعلم الحرية لا يعني أن يتعلم المواطن كيف يقول ما يشاء فقط، بل أن يتعلم مجموعة من القواعد السياسية والاجتماعية، ومنها على سبيل المثال: أن يختلف دون أن يكره، وأن يعارض دون أن يخون، وأن ينتقد دون أن يهدم، وأن يحتج دون أن يعنف، وأن ينتصر انتخابيا دون أن يستبد. أن يخسر انتخابيا دون أن يرفض النظام كله، وأن يطالب بحقوقه دون أن ينكر حقوق الآخرين، وأن يرفض ظلم السلطة حتى عندما يكون الضحية خصمه. وهذا هو الانتقال الحقيقي من مجتمع الخوف إلى مجتمع الحرية.

لا يمكن بناء ثقافة سياسية جديدة بالاعتماد على الدستور وحده، أو القوانين والأنظمة وحدها، فالطفل الذي يتعلم في المدرسة أن المعلم لا يُناقش، وفي الأسرة أن الأب لا يُسأل، وفي المجتمع أن الأقوى هو الذي يفرض رأيه، ثم يُطلب منه عندما يكبر أن يكون مواطنا ديمقراطيا؛ سيجد تناقضا بين ما تعلمه في حياته اليومية وما تطلبه منه الدولة. لذلك، فإن التحول الديمقراطي يحتاج إلى تغيير في التنشئة السياسية. أي أن يتعلم الإنسان منذ الصغر الحوار والاختلاف وقبول النقد واحترام القانون والمشاركة، والمسؤولية، وحقوق الفرد، وحقوق الجماعة، ومفهوم المصلحة العامة، فالحرية ليست مادة في الدستور فقط؛ إنها سلوك يومي.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى