خلف صور “ترند الثمانينيات”.. كيف عاش السوريون ذلك العقد فعليا؟

جولي بيطار

تمنح صور الثمانينيات الرائجة على منصات التواصل مستخدميها تسريحات كثيفة، وألواناً دافئة، وملابس بطبعات عريضة، فالعودة إلى ذلك العقد لا تحتاج سوى إلى أداة لتوليد الصور.

لكن السوري الذي كان سيعود فعلاً إلى النصف الثاني من الثمانينيات لم يكن ليجد الصورة وحدها. كان سيدخل بلداً يواجه نقصاً حاداً في القطع الأجنبي، وتراجعاً في الواردات، وارتفاعاً في الأسعار، وأسواقاً لا تصل إليها السلع دائماً بالسعر أو الكمية نفسيهما.

لا تلغي هذه الصورة اختلاف التجارب بين مدينة وأخرى، ولا بين أسرة تملك دخلاً إضافياً أو أقارب في الخارج وأخرى تعتمد على راتب ثابت. وهي لا تعني أن كل سلعة اختفت من كل سوق في الوقت نفسه. لكن الدراسات والبيانات المتاحة تتفق على أن منتصف العقد شكّل نقطة انعطاف، وأن الأزمة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، لا مجرد خلل في حسابات الدولة.

ما وراء الصورة: سوق أقل امتلاءً وحياة تضبطها البدائل

تُبيّن دراسة الباحث فولكر بيرتس للاقتصاد السوري في الثمانينيات أن تراجع المعونات العربية تزامن مع انخفاض تحويلات السوريين العاملين في دول الخليج. وأدى ذلك إلى نقص موارد البلاد من العملات الأجنبية، فاضطرت الحكومة إلى تقليص استيراد السلع الاستهلاكية والمواد اللازمة للزراعة والصناعة، في وقت كان فيه الاقتصاد السوري يعتمد بدرجة كبيرة على الخارج لتلبية احتياجاته وتأمين مستلزمات الإنتاج.

وتسجل دراسة مكتبة الكونغرس عن سوريا أن الموازنات الرسمية المنشورة لم تكن تكشف بوضوح عمق الأزمة، لكنها تشير إلى ارتفاع حاد في الأسعار، ونقص في السلع الأساسية، وأزمة قطع دفعت الحكومة إلى تقليص الاستيراد. وتذكر أن الدولة أبقت دعماً لسلع مثل الخبز واللحوم والسكر والقهوة والوقود، وأن السعر المدعوم للسكر والديزل بلغ نحو ربع سعر السوق العادي في الثمانينيات.

هذا الفارق بين السعرين يفسر جانباً من المشهد اليومي: الحصول على السلعة المدعومة كان مهماً للأسرة، لكن وجود سعر رسمي لم يكن ضمانة لتوافرها دائماً. وفي ذاكرة منشورة للكاتب السوري خطيب بدلة، تظهر حتى أوراق الطباعة مثالاً على السلع التي شحّت في السوق ووجدت طريقها إلى سوق سوداء. تبقى هذه شهادة فردية لا تصلح لتعميم قائمة موحدة للنواقص، لكنها تكشف كيف تجاوز نقص الواردات الطعام والوقود إلى مواد العمل والحياة اليومية.

ولم يكن نقص السلع منفصلاً عن أزمة الإنتاج؛ فالمصانع نفسها كانت تعمل وسط شح المواد الأولية وقطع الغيار واضطراب الكهرباء.

الكهرباء والمصانع: حين يتحول نقص القطع إلى عطل يومي

لم يقتصر أثر الأزمة على رفوف المتاجر. فقد أدى نقص الآلات وقطع الغيار المستوردة إلى تراجع الإنتاج وظهور مشكلات في الجودة داخل مصانع كبيرة، وفق دراسة نشرها الباحث فريد لوسون. وتشير المراجع الاقتصادية إلى أن الصناعة عملت من دون طاقتها بسبب نقص المدخلات والانقطاعات المتكررة للكهرباء.

بهذا المعنى، لم يكن انقطاع التيار تفصيلاً منفصلاً عن أزمة العملات والواردات. المصنع الذي لا يحصل على قطعة غيار أو مادة أولية ينتج أقل، والدولة التي تعاني نقصاً في القطع تؤجل استيراد المعدات، ثم تصل النتيجة إلى المنزل على شكل سلعة أقل توافراً أو خدمة أكثر اضطراباً.

ليرة رسمية ودولار آخر خارج القنوات الرسمية

كانت للعملة أكثر من مرآة. تُظهر بيانات سعر الصرف المنشورة عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، بالاستناد إلى جداول بنسلفانيا العالمية، انتقال السعر المستخدم في السلسلة من نحو 3.9 ليرات للدولار حتى عام 1985 إلى 7.25 ليرات عام 1986، ثم 9.75 في 1987 و11.2 في 1988. لكن هذه الأرقام لا تمثل بالضرورة السعر الذي كان يواجهه الأفراد في السوق غير الرسمية، إذ تعددت أسعار الصرف واتسعت الفجوة بينها.

وفي أيلول 1986، صدر القانون رقم 24 بعقوبات مشددة على التعامل غير المشروع بالقطع الأجنبي. كان تشديد الملاحقة اعترافاً عملياً بحجم السوق الموازية، لكنه لم يعالج سبب الطلب على الدولار، فالمستورد والتاجر والمسافر كانوا يحتاجون إلى عملة لا توفرها القنوات الرسمية بالقدر الكافي.

بلغت احتياطيات القطع الأجنبي نحو 357 مليون دولار في 1986، أي ما يعادل قرابة شهر واحد من الواردات، وفق تقديرات اقتصادية منشورة لاحقاً.

وفي ربيع 1989، وصلت الندرة إلى حد أن الإدارة المركزية بدأت تقنين ما لديها من قطع ومنحه بالأولوية للمؤسسات القادرة على تحقيق إيرادات من التصدير.

الواردات تهبط إلى النصف تقريباً

تكشف بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي، التي جمعها معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، مقدار الانكماش: تراجعت واردات سوريا من 4.54 مليارات دولار في 1983 إلى 2.70 مليار في 1986، ثم إلى 2.22 مليار في 1988. أي إن قيمة الواردات هبطت بأكثر من النصف خلال خمس سنوات.

لم تكن كل السلع المستوردة كماليات. شملت الفاتورة حبوباً ومواد كيميائية وتجهيزات وقطعاً تحتاج إليها المصانع.

لماذا انفجرت الأزمة في منتصف العقد؟

لم يكن هناك سبب واحد فاعتمد نموذج الاقتصاد المركزي على مؤسسات عامة واسعة، وتسعير إداري، وتصنيع بديل للاستيراد، في حين بقيت قطاعات منه محتاجة إلى آلات ومواد أولية أجنبية. أتاحت المعونات العربية وتحويلات العاملين وعائدات النفط لهذا النموذج أن يؤجل معالجة اختلالاته، ثم انكشف ضعفه حين تراجعت الموارد الخارجية.

تضررت الدول النفطية من هبوط أسعار الخام، فتراجعت قدرتها على مواصلة الدعم بالمستويات السابقة. كما أسهم موقف دمشق المؤيد لإيران خلال الحرب العراقية الإيرانية في توتر علاقاتها مع عدد من الدول العربية وانخفاض المعونات التي كانت تتلقاها سوريا.

وازدادت الضغوط مع تقلب الإنتاج الزراعي. كان محصول 1984 متأثراً بالجفاف، ثم ارتفع الإنتاج الزراعي في 1985 بنحو 10 في المئة مقارنة بالعام السابق مع توسع الري. وفي 1988 و1989 أعادت المحاصيل الضعيفة احتمال الاضطرار إلى استيراد القمح بكلفة مرتفعة.

وفي المقابل، بقي الإنفاق العسكري أولوية. تفيد دراسة مكتبة الكونغرس بأن الدفاع استحوذ في منتصف الثمانينيات على أكثر من نصف النفقات الجارية ونحو 30 في المئة من الإنفاق الكلي، بسبب كلفة الوجود العسكري السوري في لبنان، واستمرار الإنفاق المرتفع على الجيش. وفي موازنة 1986، ألغى تضخم قُدّر بين 20 و30 في المئة أثر الزيادة الاسمية في الإنفاق، لتتراجع النفقات بالقيمة الحقيقية للعام الثالث على التوالي.

عقوبات محدودة وليست تفسيراً كاملاً

بدأت القيود الأميركية قبل ذروة الأزمة. فقد أدرجت واشنطن سوريا في 29 كانون الأول 1979 على قائمة الدول الراعية للإرهاب، ثم أصدرت في كانون الثاني 1980 لوائح تلزم بالحصول على تراخيص لتصدير معدات أمنية وعسكرية وتقنيات خاضعة للرقابة. وفي حزيران 1986، حظرت تصدير ثماني مواد كيميائية يمكن استخدامها في إنتاج غازات سامة، وأعادت القيود على تصدير المروحيات.

اتسعت الإجراءات في تشرين الثاني 1986 بعد قضية محاولة تفجير طائرة “إل عال” في لندن. فرضت المجموعة الأوروبية حظراً على مبيعات السلاح الجديدة وعقوبات دبلوماسية، مع السماح بتنفيذ العقود السابقة، بينما منعت الولايات المتحدة تمويل بنك التصدير والاستيراد، وألغت اتفاق النقل الجوي، وشددت رفض تراخيص صادرات خاضعة للرقابة، وأوقفت أهلية سوريا لبعض دعم الصادرات الزراعية. كما علقت ألمانيا الغربية مساعدات تنموية وقروضاً ميسرة بقيمة 73 مليون دولار.

قيّدت هذه الإجراءات بعض قنوات التمويل والتكنولوجيا والواردات، وفي دراسة لاحقة، قدّر معهد بيترسون الكلفة السنوية القابلة للقياس لثلاث فئات محددة من القيود الأميركية بنحو 4.3 ملايين دولار. وبالمقارنة مع ناتج قومي إجمالي لسوريا بلغ 21.2 مليار دولار عام 1985، بدت الكلفة المباشرة لهذه البنود محدودة. كما أن الواردات كانت قد بدأت التراجع قبل إجراءات تشرين الثاني 1986، وكانت أزمة بنية الاقتصاد والقطع الأجنبي أوسع من التجارة مع الولايات المتحدة وحدها. لذلك تفسر العقوبات جزءاً من العزلة، لكنها لا تفسر وحدها النقص والتضخم وتراجع الإنتاج.

ثمانينيات خارج إطار الصورة

تعيد صور اليوم بناء الثمانينيات من العلامات الأسهل استعادتها: القماش، لون الفيلم، تسريحة الشعر، والسيارة القديمة. أما ما لا يظهر في الإطار فهو الوقت الذي كان يلزم للعثور على سلعة، والفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق، والمصنع الذي ينتظر قطعة غيار، والأسرة التي تحدد ما يمكن شراؤه بما يتوافر لا بما تحتاج إليه.

ليست المشكلة في الحنين نفسه، بل في أن الصورة تختار ما يمكن تلوينه وتترك ما لا يمكن لمحاكاة بصرية أن تستعيد ثقله. ثمانينيات السوريين لم تكن وجهاً واحداً، لكنها في نصفها الثاني كانت زمناً صار فيه الاقتصاد حاضراً في تفاصيل البيت والسوق والعمل؛ وهذا بالضبط ما يغيب عن الصورة الرائجة.

المصدر: تلفزيون سوريا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى