
لم يَعُد غرق سفن المهاجرين في عرض البحر الأبيض المتوسّط خبراً مفاجئاً بعدما أصبح متكرّراً. هؤلاء الذين دفعتهم أحلامهم وبحثهم عن مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم ما زالوا يحاولون باستمرار الوصول إلى الضفّة الأخرى للمتوسّط. ومن السهل تحميل الضحية مسؤولية ما يحدث له، لأنّه الحلقة الأضعف في معادلة ثلاثية تقوم على المهاجرين وأنظمة شرق المتوسّط والاتحاد الأوروبي. لا أحدَ يرغب في الرحيل عن بلده، مغامراً بحياته، لو وجد الحدّ الأدنى من العيش الكريم في وطنه. فهؤلاء الذين غرقت مراكبهم، سواء أكانوا من تونس أم من مصر أم من الجزائر، وأولئك الذين اجتازوا الحدود بالآلاف إلى سبتة، إنّما قتلهم الأمل، الأمل الكاذب في تحقيق حياة كريمة يستحقّونها بكلّ تأكيد بمقتضى إنسانيتهم.
تتحمّل أنظمة شرق المتوسّط مسؤوليةً مزدوجةً في كلّ ما جرى (ويجري) لهؤلاء المهاجرين الموصومين إعلامياً بأنّهم غير شرعيين، وأحياناً بأنّهم غير نظاميين، مع أنّهم في القانون الدولي “مهاجرون بدوافع اقتصادية”. فالأنظمة بسياساتها الاقتصادية الفاشلة، وبأجهزتها الأمنية القمعية التي تمنع مجرّد التعبير عن الضيق الاقتصادي والاجتماعي، تدفع شعوبها دفعاً إلى ركوب المخاطر ومحاولة الهجرة. الغريب في الأمر أنّ هذه الأنظمة، التي ما فتئت أجهزتها الإعلامية تبثّ دعاياتها الكاذبة عن الازدهار والرخاء الذي يعيشه مواطنوها، تلعب في الوقت ذاته دور الحارس للحدود الأوروبية، لمنع قوارب المهاجرين من الوصول إلى شواطئ الاتحاد الأوروبي، لتنال بعض المنح المالية الغربية أو لانتزاع اعتراف سياسي أوروبي هم بأمسّ الحاجة إليه في ظلّ فقدانهم الشرعية الانتخابية في بلدانهم.
أمّا في الجانب الأوروبي، فقد كانت أزمة الهجرة في سبتة بمثابة تذكير صارخ بواقع أكثر وحشيةً: أوروبا التي نراها اليوم لم تعد هي تلك التي يتخيّلها المهاجرون. في الوقت الذي حاول فيه أكثر من 60 ألف مهاجر دخول سبتة في غضون ساعات قليلة، دعت أغلبيةٌ ساحقةٌ من الدول الأعضاء إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة، في مقابل مواقف قليلة لحكومات يسارية في إسبانيا والبرتغال دعت إلى اتباع نهج أكثر حذراً، وأرسلت 22 دولةً عضواً في الاتحاد الأوروبي رسالةً مشتركةً تدعو إلى تشديد جذري لسياسة الهجرة الأوروبية. وتضمّ قائمة موقِّعي الرسالة حكومات عديدة ذات توجّهات سياسية متنوّعة، تجمعها قناعة مشتركة مفادها أنّ القواعد الحالية لم تعد تحمي حدود أوروبا بصورة فعّالة.
مع صعود أحزاب اليمين، أصبحت أوروبا تُعطي الأولوية لحماية الحدود والسيادة والواقعية على حساب الأفكار اليسارية ذات النزعة الإنسانية
يكشف هذا الموقف الأوروبي تحوّلاً سياسياً عميقاً، إذ بدأت، على مدى سنوات، أفكار جديدة تترسّخ تدريجياً في أوروبا، وهي فكرة أوروبا ذات الطابع الحكومي الأكثر ترابطاً، وعليه ينبغي أن يركّز التكامل الفيدرالي، الذي لا يُستبعَد تماماً، كما أراد الآباء المؤسّسون لأوروبا، على مجالات محدَّدة واستراتيجية.
ومع صعود أحزاب اليمين، أصبحت أوروبا تُعطي الأولوية لحماية الحدود والسيادة والواقعية على حساب الأفكار اليسارية ذات النزعة الإنسانية التي تحاول التوفيق بين مصالح دولها ومنح الفرصة لشعوب الضفّة الأخرى أن تحظى بمعاملة أكثر عدلاً.
من المرجّح أن تكون أوروبا الغد أكثر ميلاً إلى اليمين، وأكثر براغماتيةً، وأقلّ أيديولوجيةً بكثير. فيشارك في عملية إعادة التشكيل هذه كلٌّ من جورجيا ميلوني في إيطاليا، ودونالد توسك في بولندا، والحكومات الإسكندنافية، ودول البلطيق، والنمسا، وجمهورية التشيك، وعديد من دول البلقان، كلٌّ بطريقته الخاصّة، ما يعني مزيداً من التضييق على المهاجرين، وبناء علاقات أكثر متانةً مع أنظمة الاستبداد في شرق المتوسّط بوصفها الضامن الوحيد لمنع تدفّق آلاف المهاجرين غير المرغوب فيهم أوروبياً. فاليمين الأوروبي الصاعد يستعيد أكثر الشعارات الغربية تمييزاً، وتقوم هذه الشعارات على فكرة الفصل بين أسباب الهجرة وتمظهراتها. فالتدفّق المتواصل للفائض البشري من شرق المتوسّط هو، في النهاية، نتيجة سياسات دعم أنظمة فاسدة وفاقدة للشرعية وعاجزة عن تحقيق الحدّ الأدنى من الرخاء الاجتماعي لمواطنيها، كما أنّ كلفة دعم مسارات التنمية والحرّية والديمقراطية في شرق المتوسّط وأفريقيا، وإن بدت أكثر كلفةً من دعم الأنظمة السلطوية، فإنّ نتائجها أكثر ديمومةً وتحقّق مصالح الجميع، لأنّه في حال استمرار خيار دعم الأنظمة القمعية الحاصل اليوم، فلا أحد يضمن ما قد يحدث، ولا حجم التدفّق البشري الهائل عند انهيار هذه الأنظمة. وهذا خيار وارد، بل رأينا له مثيلاً إثر ثورات الربيع العربي المُجهَضة… والهجرة ليست سوى الفصل الأوّل.
المصدر: العربي الجديد






