صعود وهبوط الموظف اللاسياسي العربي

  نبيل عبد الفتاح

تراجع العقل السياسي الخلاق، يبدو سمت عديد من السياسات والقرارات السياسية في عالمنا العربي، وفي الغالب الأعم العقل السلطوى في الحكم  – مع بعض الاستثناءات المحدودة تاريخياً -، يعمل وفق نمط من بعض من البراجماتية السياسية احياناً تبدو رصينة وفي عديد الأحيان تبدو رثة وناتجة عن بعض الموازنات البسيطة بين الضغوط الخارجية من الدول الكبرى، في شمال العالم لا سيما الولايات المتحدة، وبين بعض من القروض، والمساعدات العسكرية ، والأمنية ، والدخول في اتفاقات سياسية، دونما درس للتوازنات بين المصالح، من هنا يبدو العقل البيروتكنقراطي، محضُ موظف في تشكيل غالبُ حكومات بلاده، ولا يطلب منه سوى تنفيذ أوامر الرئيس أوالملك أو الأمير أو الشيخ ..الخ ، ويخضع طائعاً لها، ويبحث عن تسويغ لها من منظور مالى، أو قانوني، أو ديني، أو فني في أي مجال من مجالات عمله ، وغالبا لا يستطيع إقناع بعض الرأي العام بالتفسيرات التي يقدمها تبريرا لسياسته، أو ميزانيته، أو قرارات في مجال تخصصه ، والاستثناءات القديرة محدودة .

تفاقمت مشكلات الموظف الدولى، أو التكنوقراطى من أساتذة الجامعات، أو الخبراء المميزين خارج الجامعات والمعاهد العليا، لأنهم جاءوا من خارج السياسة، أو من اللاسياسة عربيًا. في بدايات ما بعد الاستقلال كانت حاجه أباء الاستقلال الى التكنوقراط، وبيروقراطية الإدارة الفرنسية المباشرة، والإدارة غير المباشرة البريطانية زمن الاستثمار، وبعض أبناء البلد المتعلمين في الجامعات الأوروبية أو الامريكية، لإدارة الوزارات، والإدارات الحكومية بعد الاستقلال، وذلك للاستفادة من خبراتهم وتخصصاتهم. بعض هؤلاء لم يعملوا بالسياسة في إطار الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال الوطني، وينتمون الي أبناء القبائل أو العائلات الكبرى، او قادة القبائل الكبرى، وكان اختيار بعضهم جزءًا من التوازنات الداخلية في عديد من البلدان العربية الانقسامية في تركيباتها الداخلية،  وعمل بعضهم، وكانوا منحازين الى المكون الاجتماعي القبلى والعشائرى والديني والمذهبي والعرقي والمناطقي الذين جاءوا من أصلابه وأنسجته القيادية ، ومن ثم يمثلُ سنداً، ومصدر قوة للوزير، او رئيس الحكومة، أو والى او محافظ او رئيس مدينة ، او رئيس مؤسسة عامة . بعضهم شارك في الحركة الوطنية، وكان ذلك ميزة لهم في بعض  تشكيلات وزارات وحكومات دولة ما بعد الاستقلال في المشرق العربي، والمنطقة المغاربية، وتشكلت خبراتهم في مضمار الحركة الوطنية، وتمثلوا بعض من اللغة السياسية السائدة في الأنظمة الليبرالية التمثيلية في بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا. كان هناك بعض من التأثر بالفكر السياسي في هذه البلدان، وأيضا بالفكر السياسي المستمد من بعض الترجمات عن اللغات الأوروبية، والجدل حولها في مصر، وسوريا ولبنان ، والعراق، وتونس والمغرب. حالة السياسي المصري في المرحلة شبه الليبرالية مختلفة ، لأن الدولة الحديثة تشكلت قواعدها، وبعض من نخبها الحداثية القانونية والإدارية ،  وفي مجال الصناعات من الذين تلقوا تعليمهم في مدرسة الإدارة الفرنسية، ومن القضاء المختلط من القضاة والمحامين، و ذلك قبل الاحتلال البريطاني، وتطورات الأفكار القانونية والسياسية مع مدرسة الحقوق الفرنسية وخريجيها رجال القانون.

بالإضافة إلى التعليم المتخصص في الجامعات خارج مصر، وداخلها، كانت الحياة السياسية المفتوحة على تعدد الاتجاهات السياسية، والأهم الجدل العام من خلال الصحف والندوات، وداخل الأحزاب السياسية، وفي الفضاء البرلماني، أحد روافد السياسي الليبرالي، أو ذوى التوجه الاجتماعي على سبيل مثال جماعة الغد ودورها في الفكر الاجتماعي الإصلاحي، ومطالبتها بالإصلاح الزراعي، مع إبراهيم شكرى- ١٩٤٩-، وميريت غالى، ومحمد زكي عبد القادر وإبراهيم مدكور ، وقبلهم عضو مجلس الشيوخ محمد خطاب ١٩٤٥ – عضو الهيئة السعدية – ، ود احمد حسين –  وزير الشئون الاجتماعية في حكومة الوفد يناير  –  ١٩٥٠ – ناهيك  عن الفكر الاجتماعي الاشتراكي، والماركسي على الرغم من مطاردة أجهزة الدولة لبعض الأحزاب الماركسية، في ظل المرحلة شبه الليبرالية، على الرغم من العمل التنظيمي والسرى لهذه الاحزاب ، إلا أن هذه الأحزاب عملت على تكوين كوادرها من الناحية التنظيمية، والإيديولوجية، من المصادر الأساسية أو شروحها التبسيطية للكوادر العمالية المنظمة لها ، وغيرهم من بعض المتعلمين.

الحالة المصرية، ربما شكلت حالة خاصة تحت الاحتلال البريطاني، لأن معالم الدولة وسلطاتها ومؤسساتها اكتملت وتطورت في اطار الحركة القومية الدستورية، من فصل للسلطات، واستقلال للقضاء والقضاة، ودور جماعة المحامين البارز سياسيا، وقانونيا، وفي الفكر السياسي، والانخراط في الحياة الحزبية، لا سيما حزب الوفد، والأحرار الدستوريين. كانت التعددية السياسية الحزبية، ودولة القانون، والصحف، والبرلمان معامل انتاج السياسي، وتشكلت في سياق الجدل العام الحر.

يمكن القول أن التحول السياسي بعد نظام يوليو 1952 وطبيعة تكوينه من الضباط الاحرار على التمايزات والخلاف فيما بينهم خلال المرحلتين الناصرية، والساداتية، إلا أنهم كانوا على وفاق في انهاء الحياة الحزبية -باستثناء قليلة مثل محمد نجيب وأخرين- ووصم التجربة شبه الليبرالية بأنها فاسدة.

القطع مع التجربة الحزبية ، وفصل السلطات، واستقلال القضاء وفرض قيود على صلاحيته، وأنظمة الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات، أدت الى تصفية معامل انتاج السياسي لصالح نمط من الشعبوية السلطوية، والكاريزما الناصرية الساحقة ، والسياسات الاجتماعية المرتكزة على العدالة الاجتماعية للعمال والفلاحين، والطبقة الوسطى الصغيرة، والوسطى الوسطى والتأميمات، والإصلاح الزراعي، هي التي سوغت لبعض هذه الفئات والشرائح الاجتماعية، نظام  تأميم الصراع الاجتماعي، وسياسات التعبئة السياسية من خلال اشكال متعاقبة من نظام الحزب الواحد، من هيئة التحرير، إلى الاتحاد القومي. الى الاتحاد الاشتراكي العربي في المرحلة الناصرية وجزء من عهد السادات، حتى التعددية الشكلية المقيدة ، والمنابر، وحزب مصر، ثم الحزب الوطنى الديمقراطي كحزب حاكم، وبقية الأحزاب شكلية في ظل موت السياسية في كافة مراحل تطور النظام، ومن ثم كان حضور البيروقراطى، والتكنوقراطى، والموظف الدولى أساسي في التشكيلات الوزارية ، حيث جاءوا من ثقافة التعبئة، والطاعة والإذعان والتفكير الوظيفي والمهني اللاسياسي، ويعملون وفق تعليمات تأتي من اعلى قمة النظام، ومركز كل مصادر القوة السياسية، والأمنية، والعسكرية.

مفهوم التراتيبية، والهيراركية العسكرية كان سائدا فيي كل تطورات النظام ومثلَ بعض من معالم نظام يوليو مع بعض الاختلافات ، وساد في العراق مع محمولاتهم الدينية والمذهبية والقومية ، وسوريا واليمن القبلى ، وانقلاباتهم العسكرية والحزبية البعثية ، وفي تونس وليبيا القذافي ، وثنائية المدنيين والعسكر في السودان منذ االاستقلال ، وتواري متدرج للدور السياسي للمهدية والخاتمية ، وهيمنة قبائل الوسط النيلي علي كل مكونات السودان العرقية والمناطقية .. إلخ.

التكوين السوسيو- نفسى للتكنوقراطى، والبيروقراطي في السلطة يعتمد على السمع والطاعة، والإذعان للهيراكية، ولقمة السلطة، ومن ثم وضع عقل غالبُ الوزراء و رؤساء  الوزراء، ووكلاء الوزرات، ومن دونهم بين حد الطاعة والإذعان دون تفكير خلاق، أو مختلف يظهره في مناقشة سياسة ما، أو تنفيذها من حيث جدواها، وتأثيراتها على القوي الاجتماعي . هذا النمط الطاعوي هو نتاج للعقل العسكريتاري السلطوي كما حدث في سوريا والعراق واليمن ومصر والسودان وليبيا وتونس بن علي  والجزائر مع بعض الاختلافات بين هذه الحالات المختلفة  ، وذلك بعد الانقلابات العسكرية المتعددة داخل هذه البلدان . في البلدان الانقسامية وانقلاباتها غالبا ما تبدأ بالحاكم الانقلابي الذي يسعي الي تأكيد وترسيخ مكانته عبر الاستعانة ببعض أقاربه وأصدقاءه ، والأهم شخصيات تنتمي الي جماعته القبلية والعائلية والعشائرية والدينية والمذهبية التي ينتمي اليها ، وتمثل قاعدته الاجتماعية . مع تطور الخبرات السياسية في بعض النظم السياسية ظهر الميل الي تنوع جزئي في اختيار شخصيات موالية للحاكم – أيا كان – وذلك لابراز بعض من التنوع القبلي والعشائري والديني والمذهبي والعرقي ، وبعضهم يميل الي تشكيلات حكومية تضم بعض الموالين للحكم ، وذلك لتلبية طموحات بعض الموالين  في المناصب الوزارية في عديد البلدان العربية منذ الاستقلال . كل هذه  الاختيارات في تشكيل الحكومات والمواقع القيادية في مؤسسات الدولة او عضوية البرلمانات من خلال الترشح لحزب حاكم او موالٍ للحكم او مجموعة أحزاب داعمة له ، هي سياسة ناتجة عن غياب مؤسسات تمثيلية ديموقراطية حقيقية وفاعلة قادرة علي المشاركة السياسية بفاعلية وسط قواعد اجتماعية حقيقية ، ومن ثم تعبر عن تحول السياسة الي لعبة تمثيل مسطحة وفاقدة للمواهب والكفاءات الجادة  لأداء أدوار تمثيلية باهتة علي مسرح يقال انه السياسة . الممثلين الذين يلعبوا أدوار السياسيين ، يبدون وكأنهم محض كومبارس سلطوي ، اقرب الي مسرح الماريونيت الذي يحرك شخصياته من اعلي وفق ارادته ، وأهواءه . بعض الاختيارات الجادة للكفاءات تمثل استثناءات وغالبا لاستمر طويلاً ! غلب ولايزال الاختيار من بين عناصر الموالاة بقطع النظر عن الكفاءة والتخصص ، ومن ثم تتدهور مستويات ومعايير الاختيار من بعض الكفاءات في مرحلة مابعد الاستقلال ثم الي المديوكر في مراحل تالية الي المنيوكرات – مستويات مادون الحد الادني من الكفاءة والتخصص والمعرفة والثقافة – منذ الثمانينيات حتي عقود الألفية الحالية مع استثناءات في بعض التشكيلات الحكومية العربية  ، وقيادات الأجهزة والمؤسسات الدولتية في بعض البلدان العربية ، وهو ما اثر سلباً في كافة المجالات علي نحو مانري في بلدان العسر العربية وتفاقم مشكلاتها الهيكلية علي عديد الصعد ، وذلك بسبب المنيوكر البيروقراطي والتكنقراطي في الحياة الحكومية العربية اللاسياسية . من ثم العقل البيروتكنوقراطي العربى المديوكر والمنيوكر معتقلًُ سلفا، ولا مجال له للتفكير سوى كيفية التنفيذ للقرارات، والاوامر الصادرة من الاعلي الي الأدنى، بقطع النظر عما اذا كانت ستحقق نتائج إيجابية أم لا ؟! وفي بعض الأحيان بلا دراسات معمقة حولها .

لا شك أيضا تمدد هذه الظاهرة في ظل موت الساسة ، وتفاقم ازمات دولة القانون والحق، وفي مراحل تمدد واتساع معدلات الفساد في الوظيفة العامة في بعض البيروقراطيات العربية، وفساد بعض مكونات النخب الحاكمة، التي تمددت داخلها،  سعياً وراء مراكمة بعضهم للثروات من خلال الاستيلاء على المال العام، أو الرشاوي، أو العمولات عن طريق صفقات مع الشركات الأجنبية الكبرى، أو من رجال الاعمال، ومشاركاتهم لبعضهم، أو عمل شركات بأسماء ابناءهم، أو بعض افراد إسرهم، ومراكمة ثروات كبرى، تظهر في اعقاب خروجهم من العمل الوزاري، او المصرفي العام، او القيادي علي رأس المؤسسات والهيئات العامة. هذه الظاهرة ليست قاصرة على الدول العربية المعسورة، وإنما أيضا في بعض دول اليسر النفطية، وباتت موضعا للنقد، واحيانا المساءلة القانونية.

حدث تراجع في مستويات تكوين البيروقراطي والتكنوقراطي، من مرحلة لأخرى. من بعض الكفاءات البارزة في مصر الناصرية ، وبعضهم في سوريا، والعراق، وتونس، والمغرب ما بعد الاستقلال -الى التكنوقراطى الميديوكر، والبيروقراطي الميديوكر ،  وخاصة في مراحل التحول من رأسمالية الدولة الوطنية إلى النيوليبرالية الرأسمالية، وثقافة الاستهلاك المكثف، وتراجع مستويات ونوعية التعليم في غالب البلدان العربية، والاختيارات باتت تدور بعضها او غالبها لدي بعض السلطات الحاكمة عربياً  في دوائر المنيوكرات -ما دون الحد الأدنى- لانهم الأقرب لنظام الطاعة والاذعان، بل وانخراط بعصهم في شبكات الفساد السلطوى، والبيروقراطي. من الشيق ملاحظة تراجع أهمية هذه الوظائف في ظل النيوليبرالية ما بعد الحرب الباردة عالميًا، وأيضا في العالم العربي، حيث يرفض عديدين العمل كوزراء، وخاصة في البلدان الفقيرة والمعسورة، لان مكانة وهيبة هذا الموقع الوزاري تراجعت في عديد البلدان العربية.

ثمة تحديات كبرى تواجه عالمنا العربي في مجالات الاقتصادات ما بعد النفط، وأيضا مشكلات المديونية الخارجية، والأخطر السعي الى الانخراط في التحول نحو الذكاء الاصطناعي واقتصادياته، وهو ما يتطلب نمط جديد ومختلف من القادة في ظل تراجع دور ومكانة  التكنوقراط وايضاً البيروقراط  في ظل الذكاء التوليدى، وعالم الروبوتات. عالم مختلف ستتغير في سياقاته وأحواله معاني السياسي والسياسة علي نحو يتطلب وعياً ومعرفة واختيارات مختلفة تماما عن عالم المديوكرات والمنيوكرات الذي اودي بنا ومعهم من اختارووهم الي هنا حيث حالة من الانحطاط الحضاري العربي، وتفكك وعجز وصراعات ضارية بين نمط جديد من القيادات في دول اليسر والعسر يسعون لأدوار سياسية قيادية في الإقليم من خلال تفكيك وتخريب العالم العربي، وأيضا تدمير الفكرة العربية الجامعة وسحقها وا أسفاه!

المصدر: الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى