الرمزي والمعنوي في حكم إعدام بشّار الأسد

   مالك ونوس

          

أصدرت محكمة الجنايات في دمشق (11 أغسطس/ آب الجاري) حكماً غيابياً يقضي بإعدام الرئيس السوري السابق بشّار الأسد، وأخيه ماهر، وقادة في نظامه، بسبب ارتكابهم جرائم قتل وتعذيب، رأتها المحكمة ضمن الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب. وكان لافتاً أنّ صدور الحكم جاء بعد يومَين من توقيع مذكّرة تفاهم بين الحكومة السورية وروسيا حول القاعدتَين العسكريتَين الروسيتَين في حميميم وطرطوس، ما قد يدفع بعضهم إلى الربط بين الأمرَين، من ناحية حصول تطوّرات في هذا الملفّ، والتكهّن بموقفٍ روسي جديد يخصّ تسليم الأسد لدمشق، نوعاً من المقايضة. لكن كان يمكن التفكير في هذا الأمر قبل صدور حكم الإعدام، لأنّ تسليمه الآن يعني موته، ما يشكّل عقبةً أمام تسليمه، إضافة إلى عقبات أخرى، إذا ما أراد المحلّلون تقييمها، فإنّهم قد يصلون في النهاية إلى أنّ الحكم لا يعدو أن يكون معنوياً بالنظر إلى الرمزية التي يحملها.

وتأتي رمزية الحكم من عدّة نقاط، أهمّها أنّه سابقة في التاريخ السوري، فهو أوّل حكم قضائي سوري في حقّ رئيس جمهورية يُحكم عليه بالإعدام بعد ثبوت تورّطه في قمع أبناء شعبه واعتقالهم وتعذيبهم وقتلهم تحت التعذيب، علاوةً على قتل الأطفال وتغييبهم. والرمزية الثانية تأتي من أنّ سقوط النظام لا يعني إسقاطاً للمسؤولية الجنائية، ما يمكن أن ينصف الضحايا وذويهم. كذلك يُعدّ هذا الحكم درساً لحكّام سوريين مقبلين، ولرموز في السلطة، بأن تطاولهم المحاسبة إذا اقترفوا انتهاكات في حقّ الشعب. كما أنّ قضايا مثل التعذيب والتغييب، والقتل الذي يطاول معارضي السلطة، يجب البتّ بعدم تكرارها، لأنّ معارضة السلطة والتظاهر احتجاجاً على قراراتها غير الشعبية يُعدّان من حقوق الشعب، ومن أشكال رفض كلّ ما يُسيء إلى مصالحه وينتقص من حقوقه ويُهدّد حرّيته.

وفور صدور الحكم، أخذت تظهر الاجتهادات الخاصّة بقدرة دمشق على تسلّم الأسد وأخيه من روسيا لتنفيذ حكم الإعدام بهما، وأخذ الجميع يبحث عن سبل تحقيق ذلك بالاستناد إلى القانون الدولي. كما استطاع بعضهم استخراج اتفاقية كان نظام الأسد قد وقَّعها مع روسيا، وتنصّ على اتفاق البلدَين على تسليم المطلوبين، باعتبارها أداةً بيد السلطات السورية الحالية، تستطيع عبرها المطالبة بتسليم الأسد. وبعد صدور حكم الإعدام في حقّه، أصبح من الصعب على روسيا تسليمه، لأنّها تعرف أنّ هذا سيعني موته، وهي التي قدّمت له اللجوء الآمن، لأنّ حياته كانت مهدّدةً، بحسب المسؤولين الروس بعد أشهر من سقوط النظام. ومن المرجّح أنّ الروس تعهّدوا بالمحافظة على حياة الأخير وأخيه وأركان من نظامه ممَّن هربوا بعد السقوط، وعدم تسليمهم لأيّ جهة تطالب بهم. كما تأتي الصعوبة من حقيقة أنّ تسليم الأسد سيكون عبر عملية معقّدة، وقنوات كثيرة ومؤسّسات دولية، تمرّ بالضرورة عبر دول أخرى، خصوصاً الدول الأوروبية، ما يعطّل عملية التسليم، لأنّ هذه الدول تعارض حكم الإعدام.

جاء صدور الحكم بعد يومَين من توقيع مذكّرة تفاهم بين الحكومة السورية وروسيا حول القاعدتَين العسكريتَين الروسيتَين في حميميم وطرطوس

وفي ما يتعلّق بقاعدتي حميميم وطرطوس، وربّما غيرهما من القواعد والمصالح الروسية في سورية، وافتراض المقايضة، يعدّ الموقف الروسي قوياً من هذه الناحية؛ إذ إنّ الرئيس السوري أحمد الشرع قد أقرّ خلال لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في موسكو في 15 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2025، باحترام حكومته الاتفاقات السابقة بين روسيا وسلطة الأسد. وهو احترام يُترجم في علم السياسة والدبلوماسية التزاماً، وربّما استندت روسيا إلى تعهّده ذاك وصاغت مع الحكومة السورية التفاهم الجديد. وبالتالي أيُّ كلام عن مقايضة بين هذَين الأمرَين يصبح غير واقعي.

ويعزّز هذه الفرضية ما أفصح عنه الشرع في لقاء مع الإخبارية السورية (12 سبتمبر/ أيلول 2025) عن التواصل بين مع القوات الروسية خلال عملية ردع العدوان، لدى وصولها إلى حماة، ثمّ كلامه عن التزامات قدّمها الطرفان، ما قاد إلى التفاهم الذي جرى في حمص مع القوات الروسية التي امتنعت عن قتال القوات التي كان يقودها، وربما سهَّل وصول الأخيرة إلى دمشق والسيطرة على الحكم. وهو ما يمكن أن يشي بأنّ ثمّة صفقة قد تمّت في حمص، وأنّ التفاهم الجديد حول حميميم وطرطوس للمحافظة على وجود القوات الروسية وترتيب أمورها إحدى ثمار تلك الصفقة. كما يعزّزها أنّ تفاهماً بحجم التفاهم على قواعد عسكرية، يتجاوز بأهميته بالنسبة إلى البلد المضيف المكسب الرمزي المتمثّل في تسلّم أحد الفارّين، حتّى لو كان رئيساً مداناً، إلى مكاسب مادّية ومعنوية تُعَدُّ أكثر ضرورة لبلد في حاجةٍ إلى أيّ مساهمة تساعد على تعافيه.

كان بإمكان السلطات السورية تحضير ملفّ متكامل بجرائم الأسد وتقديمه إلى المحكمة الجنائية الدولية

لم يكن بإمكان السلطات السورية التغاضي عن جرائم الأسد، فرأت ضرورة محاكمته، حتّى لو كانت المحاكمة غيابيةً. ولكن من غير المعلوم سبب استمرارها في ذلك والحكم عليه بالإعدام، وهي تعلم صعوبة تنفيذ هذا الحكم عملياً، خصوصاً أنّ ذلك قد يدفع بعضهم إلى تصنيفه حكماً معنوياً. فبدلاً من هذا، كان بإمكان السلطات السورية تحضير ملفّ متكامل بجرائم الأسد، يتضمّن قراراته بقمع المتظاهرين وقتلهم وقصف المدن السورية وتدميرها وتهجير سكّانها. كذلك تحضير الشهود والوثائق والأدلة كلّها التي تسهم في إدانته، ثمّ تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية لوضعها أمام مسؤولياتها، هي والمجتمع الدولي الذي وافقت دوله على الانضمام إلى ميثاق روما الخاصّ بجرائم الحرب، لتطالب هذه الدول بتسليمه، وتضع ثقلها لفرض تسليمه للمحكمة لمحاكمته. طبعاً، بعد انضمام سورية إلى ميثاق روما، وبعد أن تكون قد صارت ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.

غير أنّ الحكم الصادر أخيراً في حقّ الأسد، قد يمنع أيّ محاكمة مستقبلية له أمام المحاكم الدولية أو يعقّدها في حال فشلت السلطات في تسلّمه من روسيا. لأنّ المحاكم الجنائية الدولية تصبح، في حالات معيّنة، غير مخوّلة بمحاكمة القادة المتّهمين بجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، إذا ما حوكموا أمام المحاكم المحلّية في بلدانهم، وهذه معضلة تزيد من تعقيد ملفّ الأسد ومن تأخير جبر خواطر ضحاياه.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى