
البارحة تماماً شاهدتُ ذلك المقطع الشهير من «مدرسة المشاغبين»، حيث يعيد منصور، الذي لعب دوره يونس شلبي، تلك العبارة: «أنا عارفها بس أنت قولها»، بينما كان مرسي الزناتي يصغي إليه ويعلّق: «أنا عايز جملة مفيدة».
وهنا مربط الفرس، مع أنه يُفترض أن نقول، اتساقاً مع زمننا الحالي: هنا مربط الذكاء الاصطناعي.
وقصدي أن بعضاً من التحليل السياسي المنشور في عموم الإعلام المهتم بالشأن السوري ينطبق عليه سؤال مرسي الزناتي: «أنا عايز جملة مفيدة».
فحين ينفجر لغم في إنسان سوري، فالمصيبة تخص الضحية وعائلته، ولا تنتهي القصة بتعاطفنا مع الضحايا، إنما يجب أن تذهب إلى المسؤولين الحاليين في السلطة الانتقالية لنسألهم: ماذا فعلتم بشأن هذه القضية في عموم البلد؟ وأين قصّرتم؟ وأين اشتغلتم؟
الوعود وتطبيقها
نعم، نريد أن نسمع جملة مفيدة، حقيقية، في معالجة كثير من الملفات السورية الراهنة، وما أكثرها، ونريد أن نرى تطبيقاً على الأرض يوازي الكلام والوعود.
فإذا صرّح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بأن تجربة حصر السلاح في سوريا هي «إنجاز» يمثل نموذجاً واقعياً، يحق لنا السؤال: وهل ما تم تطبيقه على الأرض يوازي هذه الجملة المفيدة؟
أمثلة من الخطاب الإيراني
دعونا نأخذ أمثلة من إيران، هذه الدولة التي أربكت الكوكب من حجم الزيف والتزييف والإرهاب. فحين يردد قادتها، ومنذ عام 1979، بأن الولايات المتحدة الأميركية هي الشيطان الأكبر، نتساءل: ماذا ترك هؤلاء لعالم السياسة وممكناته الواقعية؟
جيلي، وأنا من مواليد عام 1965، صحا على خبر شبه دائم في نشرات الأخبار، وهو تفاوض الغرب ومنظماته الأممية، ومعهم وكالة الطاقة الذرية، مع إيران حول السلاح النووي. وكان الإيرانيون يراوغون ويكذبون، وما زالوا؛ وما يعلنونه اليوم ينقضونه غداً. وبينما كانت العقوبات الغربية تتوالى ضدهم، كانوا يعملون في الظل والخفاء في بيع نفطهم وإرهابهم العابر للحدود عبر شعار تصدير الثورة، أي تصدير الميليشيات الشيعية لدول المنطقة بغاية التخريب والإرهاب.
وكانوا يدّعون أنهم لا يريدون امتلاك سلاح نووي، بينما أثبتت إسرائيل للعالم، وبالوثائق التي حصل عليها الموساد في عملية له في قلب طهران، أن إيران تعمل بالليل والنهار على تخصيب اليورانيوم، وتمنع مفتشي وكالة الطاقة الذرية من زيارة منشآتها.
وحين بدأت المظاهرات الاحتجاجية في سوريا عام 2011، كان الإيرانيون يصرّحون بأنهم لا يملكون في سوريا سوى بعض الخبراء العسكريين، وخلال سنوات الصراع كانت ميليشيا حزب الله تحاصر القصير وغيرها من المناطق، وتقتل وتقصف وتعربد في عموم سوريا.
كان إعلام حزب الله الممول من إيران يتحدث عن المقاومة والقدس وفلسطين وغيرها. وهنا نعيد عبارة مرسي الزناتي: «أنا عايز جملة مفيدة»، وما يوازيها من تطبيق في الواقع.
تزييف اللغة ومفاهيمها
وبينما كان قنّاصو حزب الله وجنود الأسد يقتلون الناس المعارضين للأسد، مدنيين وعسكريين، كان الإسلاميون السوريون وغير السوريين يعملون على محاولة إنشاء وتأسيس دولة إسلامية تعمل بحسب الشريعة، ولنا في تنظيم الدولة الإسلامية خير إثبات ودليل. ترافق كل هذا الصراع بإعلام موازٍ، بعضه عربي وبعضه سوري، وتمويل مشبوه، قام على تزييف اللغة والمفاهيم وترويج خطاب يدّعي النظافة والوطنية، بينما كان في عمقه وفحواه مشحوناً بالسموم الطائفية وغير الطائفية. وهنا نعيد سؤالنا بمفعول رجعي: كنا نريد سماع جملة مفيدة، وما يوازيها في التطبيق؟
نحتاج إلى لغة صادقة لتوصيف الواقع
لم يكن اغتيال اللغة ومفاهيمها مقتصراً على الإعلام، إنما امتد ليشمل كثيراً من ميادين الحياة السورية، ونبت التطرف في أرض صالحة له. الواقع السوري يحتاج إلى لغة صادقة، واقعية، تصفه، لا إلى لغة تبرره. فحين لا نحتكم للعدل والعدالة الانتقالية في خطاباتنا ودعواتنا المنشورة في الفضاء العام، نترك للانتقام الفردي والثأر الشخصي المجال مفتوحاً ليلعب على كيفه. وحين يفلت مجرم كبير ومعروف من الحساب والمساءلة، سيكون هذا دعوة غير مباشرة لتشريع شريعة الغاب.
نريد أن ننطق جملة مفيدة، ونطبقها إن استطعنا، وإن لم نستطع، نوضح لماذا لم نستطع. فأهل الرقة يحتاجون إلى تلبية احتياجاتهم المعيشية والخدمية، وأهل الساحل يحتاجون إلى خطاب وطني صادق، ويوازيه تطبيق ليطمئنوا.
ويحتاج أهل السويداء أيضاً إلى خطاب وطني صادق يخاطبهم، ووعود سياسية تُنفذ على الأرض، توازي الخطاب وتتسق معه، لحل كل القضايا العالقة.
كيف الخروج من المستنقع؟
لنخرج من هذا المستنقع التاريخي، نحتاج إلى توصيف إعلامي صادق يسمّي الأشياء بمسمياتها. فحادثة طريق واحدة، في طريق الموت، راح ضحيتها العشرات من أهلنا، فهل ينفع هنا، مثلاً، أن نتحدث عن تبريرات؟ وكلما دق الكوز بالجرة نعود إلى مرحلة الأسد لنرمي عليها كل شيء، وكأننا لا نعرف حجم الخراب الذي تركه الأسد؟
الجائع يحتاج إلى طعام، ومن المعيب أن يجوع أي إنسان على هذه الأرض، والمريض يحتاج إلى مشفى وخدمات تليق بإنسانيته، والمواطن السوري هو، قبل كل شيء، إنسان يحتاج إلى أن يشعر بأنه يعيش في دولة تحترم حقوقه، وهو يعرف واجباته.
فلنبدأ الآن إن أردنا أن تكون تلك الأرض السورية لنا جميعاً كوطن. وشخصياً، لا أشكك بوطنية أي سوري، ولا يحق لي التشكيك أصلاً، ولكن لسان حالي هو: «عاوز جملة مفيدة»، وتطبيقها على الأرض.
المصدر: تلفزيون سوريا






