
وصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد في أول زيارة رفيعة المستوى إلى البلد المسلم النووي الوحيد في العالم، بعد أيام من زيارتين إلى الأراضي التركية في أقل من أسبوعين، وما تخللهما من إعلان اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان.
تكتسب باكستان أهمية خاصة في إعادة تشكيل شبكة العلاقات الخارجية السورية الجديدة بعد عام 2024، ليس فقط بوصفها دولة إسلامية كبيرة تمتلك ثقلاً عسكرياً وسياسياً في جنوب آسيا فحسب، بل أيضاً لأنها تمثل بالنسبة إلى دمشق بوابة محتملة لإعادة موازنة علاقاتها الآسيوية بعيداً عن الدول التي ارتبطت بدرجات متفاوتة بالنظام المخلوع، مثل إيران والهند كقوى إقليمية فاعلة، والصين وروسيا كدول عظمى في آسيا والعالم.
تبدو باكستان اليوم أكثر أهمية من زاوية مختلفة، فهي قوة نووية، وواحدة من أكبر الدول الإسلامية من حيث السكان والقدرات العسكرية، ولها علاقات وثيقة مع السعودية وتركيا ودول الخليج، فضلاً عن شراكتها الاستراتيجية العميقة مع الصين وعلاقاتها الأمنية المعقدة مع الولايات المتحدة وبعض دول أوروبا.
وتزداد هذه الأهمية في ضوء التحولات الأخيرة التي جعلت إسلام آباد أكثر حضوراً في ترتيبات الأمن الإقليمي، ولا سيما بعد “اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان”. ولذلك يمكن قراءة التحركات الدبلوماسية السورية تجاه باكستان، وفي مقدمتها أي زيارة رفيعة المستوى لوزير الخارجية أسعد الشيباني، باعتبارها جزءاً من محاولة أوسع لإعادة تموضع سوريا خارج شبكة تحالفات النظام المخلوع، والانفتاح على قوى يمكن أن تربط دمشق في الوقت نفسه بأنقرة والرياض وإسلام آباد، ضمن توازن إقليمي جديد ما زالت ملامحه تتشكل في ظل التغول الإسرائيلي في المنطقة.
العلاقات السورية الباكستانية
ومن الواضح أن العلاقات السورية–الباكستانية دخلت منذ إسقاط النظام المخلوع في 8 كانون الأول 2024، وحدوث التحول السياسي في سوريا مرحلة إعادة تعريف، بعد عقود اتسمت بعلاقات رسمية مستقرة لكنها محدودة التأثير المباشر.
وتستند العلاقة إلى تاريخ دبلوماسي قديم؛ إذ تقول وزارة الخارجية الباكستانية إن العلاقات الرسمية بين البلدين أُقيمت في كانون الأول/ديسمبر 1949، وظلت إسلام آباد تنظر إلى دمشق بوصفها شريكاً مهماً في العالم الإسلامي. إلا أن المرحلة التي أعقبت عام 2024 فتحت الباب أمام إعادة تنشيط هذه العلاقة، بالتوازي مع سعي دمشق إلى توسيع شبكة شراكاتها الإقليمية، ومحاولة باكستان تعزيز حضورها في ملفات الشرق الأوسط.
وبدأت مؤشرات التقارب العملي تظهر بوضوح في عام 2025. ففي حزيران/يونيو استقبل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وفداً باكستانياً برئاسة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط شهريار أكبر خان. وناقش الطرفان توسيع مجالات التعاون، وأكدت إسلام آباد دعم سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، واتفق الجانبان على زيادة وتيرة التبادلات الثنائية، بحسب وكالة “سانا”.
ولم يبق التعاون في الإطار الدبلوماسي. ففي آب/أغسطس 2025 زار وفد من وزارة الداخلية السورية باكستان، حيث بحث تبادل الخبرات في المجالات الأمنية والشرطية، واطلع على آليات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتبادل المعلومات.
ويكشف ذلك أن الأمن يمكن أن يشكل أحد أكثر الملفات قابلية للتطور في العلاقات الثنائية، خصوصاً مع حاجة سوريا إلى إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والاستفادة من تجارب دول تواجه منذ سنوات تحديات الإرهاب والحدود والجماعات المسلحة.
وخلال عام 2026 اكتسبت باكستان وزناً إضافياً في الحسابات السورية نتيجة دورها في الوساطات الإقليمية بعد الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران. فقد أثنى الشيباني على الدور الباكستاني في جهود التهدئة خلال الأزمة الإقليمية، في حين واصلت إسلام آباد في مجلس الأمن دعم استقرار سوريا وإعادة اندماجها في المجتمع الدولي، وأدانت الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية.
ولعل هذا التقاطع قد يخلق أرضية سياسية أوسع للعلاقة بين البلدين، لأن دمشق تضع السيادة والاستقرار وفتح أبواب التعاون الدولي في مقدمة سياستها الخارجية الحالية، عبر عملية إعادة التموضع الدولي الجارية منذ نهاية 2024.
دمشق – أنقرة – إسلام آباد
وجاءت زيارة الشيباني إلى أنقرة في 6 آب/أغسطس 2026 لتضيف عنصراً بالغ الأهمية. فقد وصف العلاقات السورية–التركية بأنها “أولوية استراتيجية”، واتفق الطرفان على إنشاء مجلس للتنسيق الأعلى وتوسيع التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني. كما ركز الشيباني على مكافحة الإرهاب وحصر السلاح بيد الدولة.
وبعد هذه الزيارة بيوم واحد، وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، في 7 آب/أغسطس 2026، “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، إذ ينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، بهدف تعزيز الردع الجماعي وتطوير التعاون الدفاعي، مع تأكيد الأطراف أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها. وتطابقت في ذلك تغطية تلفزيون سوريا وسانا مع البيان الرسمي للخارجية الباكستانية.
وتلا الاتفاق زيارة الشيباني مجدداً إلى إسطنبول ولقائه المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك في 17 آب/أغسطس 2026. فالتوقيت يضع التحرك السوري بتنسيق مستمر مع واشنطن، خصوصاً في ظل التوغلات الإسرائيلية المستمرة التي يتخللها عمليات قصف لمواقع استراتيجية كان آخرها مطار أبو الظهر العسكري بريف إدلب شمال غربي سوريا.
بالنسبة إلى دمشق، تكمن أهمية الاتفاق في أن تركيا والسعودية، وهما من أبرز شركائها الإقليميين، أصبحتا مرتبطتين بباكستان في إطار دفاعي واحد. ولا يعني ذلك حصول سوريا تلقائياً على مظلة الاتفاق، فهي ليست طرفاً فيه، لكنه يمنح العلاقات السورية–الباكستانية بعداً استراتيجياً جديداً. فالتنسيق مع إسلام آباد لم يعد منفصلاً تماماً عن علاقات دمشق بأنقرة والرياض، ويمكن مستقبلاً أن يمتد إلى التدريب الأمني، ومكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات، والصناعات الدفاعية، إلى جانب التعاون الاقتصادي والتقني.
وتقدم الصحف الباكستانية الاتفاق بوصفه جزءاً من سياسة تهدف إلى توسيع الشراكات الإقليمية. وأكد وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار أن اتفاق مكة “دفاعي بحت” ومفتوح أمام دول أخرى تقبل مبادئه، بينما أظهرت تغطية صحيفة “داون” الباكستانية الناطقة بالإنكليزية، أن الاتفاق يأتي ضمن تحول أوسع في الدور الباكستاني في قضايا الشرق الأوسط.
أما القراءة الأميركية إعلامياً فتضع الاتفاق ضمن إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي. فقد أشارت وكالة “أسوشيتيد برس” إلى أن الدول الثلاث تجمع قدرات مختلفة ومتكاملة: الثقل المالي والسياسي السعودي، والقوة العسكرية والصناعة الدفاعية التركية، والخبرة العسكرية الباكستانية، مع التحذير من التعامل مع الاتفاق باعتباره نسخة مكتملة من حلف الناتو.
كما تناولت واشنطن بوست، سابقاً تنامي التعاون الدفاعي السعودي–الباكستاني في سياق النقاش حول موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية في المنطقة، في إشارة إلى القواعد الأميركية الموجودة في الخليج، وأولوية الدفاع عن أمن “دولة الاحتلال الإسرائيلي”.
الاحتلال الإسرائيلي غير راضٍ عن اتفاق مكة، فهو يغرد خارج السرب الذي سارت به “إسرائيل” والهند والإمارات، ولذلك فإن “الاحتلال” يرى إلى اتفاق مكة باعتباره إعلاناً لتحالف عسكري ضدها، مع مؤشرات واضحة على ولادة بنية قوة سنّية جديدة قد تقلّص مستقبلاً حرية الحركة الإسرائيلية، خصوصاً إذا توسعت لتشمل دولاً أخرى.
مصدر القلق الإسرائيلي، كما تكشفه صحف عبرية مثل “يديعوت أحرنوت وهآرتس”، أن الجمع بين القدرة النووية الباكستانية، والصناعة العسكرية التركية، والموارد السعودية في إطار واحد، بالتوازي مع ازدياد النفوذ التركي في سوريا، يجعلها تشعل “ناقوس الخطر”.
وفي المقابل، ترى قراءة إسرائيلية نشرتها “إسرائيل هيوم” أن الخصم المباشر لهذا التكتل يبقى إيران، وأن أثره الفعلي على “إسرائيل” يتوقف على مدى تحوله من تفاهم سياسي إلى تحالف عسكري قابل للتنفيذ.
ما الذي يمكن أن تحمله الزيارة؟
ما يتضح من المعطيات الحالية حتى الآن، أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى إسلام آباد في توقيت يتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، إذ تزامنت مع تحولات إقليمية متسارعة أعادت رفع مكانة باكستان في الحسابات السورية. فإسلام آباد لم تعد بالنسبة إلى دمشق مجرد دولة آسيوية كبرى، بل أصبحت طرفاً في منظومة أمنية جديدة تجمعها مع السعودية وتركيا ضمن “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، وهما من أبرز الشركاء الإقليميين لسوريا بعد عام 2024.
وتمنح هذه التطورات الزيارة بعداً استراتيجياً، إذ تستطيع دمشق من خلالها توسيع شبكة علاقاتها خارج المحاور التي ارتبط بها النظام المخلوع، خصوصاً إيران، مع الاستفادة من موقع باكستان كقوة نووية ذات علاقات وثيقة مع الصين والسعودية وتركيا، وقنوات أمنية وسياسية مع الولايات المتحدة وإيران أيضاً.
كما يرفع اتفاق مكة من أهمية الملفات الأمنية والعسكرية في الحوار السوري–الباكستاني، ولا سيما مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات، والتدريب الأمني، وإعادة بناء المؤسسات، وربما التعاون في الصناعات الدفاعية مستقبلاً. ومع ذلك، لا يعني ذلك دخول سوريا تلقائياً تحت مظلة الاتفاق، كونها ليست طرفاً فيه، لصعوبة ذلك في الواقع السوري، وغياب الموارد والإمكانيات في المرحلة الراهنة على الأقل، إلا أن كل تداعياته مفيدة لسوريا الجديدة.
وتتضاعف أهمية الزيارة في ظل استمرار الضغوط والاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، إذ يمكن لدمشق الاستفادة من تقاربها مع باكستان لتوسيع دائرة الدعم السياسي لسيادتها، وربط علاقاتها بصورة أوثق بمحور أنقرة–الرياض–إسلام آباد.
المصدر: تلفزيون سوريا






