الأردن والصين… تجديد شراكات

  عطاف الروضان

دخلت العلاقات الأردنية الصينية في العام 2005 منعطفاً جديداً، إذ تشاركت الدولتان حادثة إنسانية عميقة، ورغم الألم الذي سببته حادثة تفجيرات الفنادق الغادرة للجانبين، فقد جمعتهما في مصاب واحد، إذ اختلطت دماء ضباط صينيين بدماء الشهداء الأردنيين والعرب حينها. … كان الضباط الثلاثة والجريح الرابع من جامعة الدفاع الوطني الصينية في عمّان ضمن برنامج عسكري وتعليمي، ولم يتعامل الأردن على أنهم أجانب تعرّضوا لحادث، وإنما تعامل معهم بوصفهم أردنيين فقدناهم، فالملك عبدالله الثاني زارهم في المدينة الطبية، وقدم التعازي في بيت السفير الصيني آنذاك. وفي أثناء زيارته الصين بعد شهر، زار الملك جامعة الدفاع الصينية نفسها، والتقى أرامل الضباط وزملاءهم، وقدّم لهم التعازي مرة أخرى.

ببساطة، لم ينس الأردن من فقدوا حياتهم على أرضه، ولم تنس الصين عمق التضامن في هذه الحادثة… كان ذلك العام صياغة جديدة للعلاقات، من علاقة تجارية واقتصادية إلى علاقة أعمق تستند إلى بعد إنساني وثقافي، يتشارك فيه الأردنيون ليس بصفتهم هذه وحسب، إنما أيضاً بكونهم عرباً مع الأمة الصينية العريقة، يطمح كلاهما إلى التقدم والازدهار، من دون أن ينسيا أو يتناسيا إرثهما الشرقي التاريخي والإنساني العريق، يمدّهما بالقوة والأصالة، ويتكئان عليه في تقدم قائم على بعد أخلاقي لا يساوم عليه.

يزور الملك عبدالله الثاني الصين، في تاسع زيارة له منذ توليه سلطاته. وقد زارت الأردن في السنوات الأخيرة وفود صينية رسمية رفيعة، فهناك رغبة مشتركة وإصرار على صياغة العلاقة بشكل يفتح أفق شراكات جديدة لا تقوم فقط على المصالح التجارية والصناعية والاقتصادية المشتركة، رغم أهميتها، وإنما تحترم الإرث والحضارة والتفرّد السياسي والجغرافي، وتعوّل على التقدّم التكنولوجي لبناء مستقبل أفضل للأجيال الشابّة من البلدين. والتوجه في الأردن نحو بناء قطاع تكنولوجيا محترف يساهم بإيجاد فرص جديدة للشباب ودعم مسار التنمية. ويملك الأردن الرغبة والإرادة والعقول الشابة التواقة إلى التعلم والتدريب في هذا القطاع الذي يشمل الأمن السيبراني، والذكاء الصناعي وغيرها، وبذلك لا يكون مركز تدريب للتقنية التكنولوجية الصينية الوثابة فقط، وإنما منصّة لتصدير تلك التكنولوجيا وإعادة تصديرها.

تحظى سياسة الاعتدال والدبلوماسية العريقة للأردن باحترام دولي كبير

يصل حجم الاستثمارات الصينية في الأردن إلى 3.36 مليارات دولار في عشر سنوات (2010- 2025). وبعيدا عن الأرقام، ليست الصين جانبا استثماريا فقط، وإنما هي مؤهّلة لأن تكون العامل الأساسي بإعادة بناء قاعدة الإنتاج في الاقتصاد الأردني، وبوابة مهمة للصين في الوقت نفسه. ولا يمكن اعتبار طريق الحرير مشروعاً تجارياً تاريخيا كان وانتهى قبل آلاف السنين فقط، هو إرث يتشارك فيه الشرق بمختلف حضاراته، ويمكن البناء عليه مجدّداً.

يستطيع الأردن أن يقدم للصين أفقا جديداً يتفرد فيها بموقعه الجيوسياسي، فالأردن يملك وزناً سياسياً أكثر بكثير من الاقتصاد والصناعة، إذ تحظى سياسة الاعتدال والدبلوماسية العريقة له باحترام دولي كبير، وفي الوقت نفسه، ملتزم فيما يتعلق بالصين بسياسة الصين الواحدة بشكل كامل. وفي الوقت نفسه، يمنح تقارب العلاقات الأردنية الصينية وتحولها إلى بعد استراتيجي، كما وصفها السفير الصيني في عمّان، الأردن قرباً من حليف اقتصادي وسياسي مهم، وعضواً دائماً ولاعباً أساسيا في مجلس الأمن. الأمر الذي يساند الأردن بقوة في أهم قضية إقليمية تشغل بال الأردنيين، قيادةً وشعباً، وهي القضية الفلسطينية، فكلا الجانبين ملتزمان بسياسة الحوار ونبذ العنف وبناء السلام، إذ يمكن أن يحصل الأردن على الدعم الصيني في دعم حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يعد صمام أمان للأردن سياسياً ووجودياً، دعم الدور الأردني في الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ودعم مسار التفاوض الإنساني والأمني، وإعادة الإعمار في غزّة.

بالإمكان طرح الأردن ليكون مركزاً لتوطين صناعات صينية في مختلف المحافظات

تتفق غالبية المحللين في أن التحالفات التقليدية الأردنية، وبخاصة الأميركية، لن يطاولها أي تغيير، فالعلاقة القوية مع الصين في سياق المصلحة الوطنية العليا للأردن، للبحث عن حلول وبدائل متاحة أمامه، لفكفكة ملفات محلية وإقليمية يتأثر بها بشكل بالغ.

وفي الملفات المحلية، بالإمكان طرح الأردن ليكون مركزاً لتوطين صناعات صينية في مختلف المحافظات، كل حسب مواردها وإمكاناتها وحاجتها، وعدم الاكتفاء بنقل تقني وتكنولوجي فحسب، وإنما تدريب الشباب الأردني على هذه التقنيات في منشآت صناعية في الأردن الذي يكون بوابة للصناعات الصينية عبر “التوطين” إلى أسواق خارجية. وربما يكون أهم الملفات الأردنية المحلية التي تؤرّق المسؤولين والمواطنين تحدّي المياه والطاقة. وليست هناك تكنولوجيا وإنجازات ملموسة ومشاريع ضخمة قائمة في هذا القطاع أهم من الخبرة الصينية في هذا المجال، وبخاصة في الزراعة الحديثة والطاقة النظيفة، وهذا باب واسع للتعاون، خصوصاً أن الجانبين لن يبدأا من الصفر، فهناك مشاريع مشتركة استراتيجية قائمة بالفعل، وساهمت في حل إشكالات عميقة ومرشّحة لزيادة الأثر الملموس وفي المستقبل. وبرصد آراء أردنيين في أكثر من محافظة، تقاطعت هذه الآراء في فكرة واحدة “نستطيع رؤية تلك المشاريع على أرض الواقع: تأهيل طرق، بناء مدارس، فالأثر يصل مباشرة إلى من هم في حاجته”.

تتوزّع الشراكات الأردنية الصينية ما بين شراكات استراتيجية، كمشروع العطارات والبوتاس، شراكات استثمارية تشغيلة كالمصانع في أكثر من محافظة، وأخيرا إنسانية وتنموية كبناء المدارس ومشاريع الإسكان والطرق وغيرها من خدمات تمسّ حياة المواطنين مباشرة. ولا يستغرق الأمر وقتاً طويلاً للبحث عن المشاريع والمصالح التجارية والاقتصادية. ولكنه يحتاج إلى فهم وإدراك إنساني عميق بالعوامل الحضارية المشتركة بين البلدين، يتوّج بعمل وجهد مشترك وسياسات انفتاح ومراقبة ومتابعة حثيثة قائمة على الاحترام المشترك وتعاون مؤسّسي بأطر مستدامة والمرونة اللازمة لدفع كل أوجه التعاون إلى الأمام من دون أي تأخير.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى