في أصل اضطراب المشرق وخراب أحواله

برهان غليون

أثار توقيع السعودية وباكستان وتركيا على حلف مكة الدفاعي تفاؤلاً كبيراً في منطقة لم تعرف الاستقرار منذ انهيار السلطنة العثمانية في بدايات القرن الماضي. فهو يسعى للردّ على أحد مصادر الأزمة التاريخية التي تعيشها المنطقة منذ تشكيلها في مطلع القرن الماضي على مقاس السيطرة الغربية وخدمة لمصالحها. وهذا ما جعل من حياة شعوبها مأساة حقيقية مزروعة بالحروب الخارجية، والصراعات الداخلية، والأزمات والانهيارات المتعاقبة.

عوامل ثلاث يمكن رصدها في هذا المجال، لفهم كيف تحول المشرق إلى منطقة زلازل وبراكين وانفجارات لا تخمد.

الهندسة الجيوسياسية للدولة المعاقة

العامل الأول بنيوي، نابع من الهندسة الجيوسياسية التي رسمت حدود الدول، ووزّعت مواردها الطبيعية والبشرية، وحدّدت إمكاناتها ووزنها الاستراتيجي، وحدّدت عملياً مصيرها مسبقاً تقريباً. هذه هي الجيوسياسية التي فرضتها الدول الاستعمارية في نهاية الحرب العالمية الأولى على المنطقة، وأنتجت “الدولة المعاقة” التي تشكل عبئاً على شعوبها أكثر من أن تكون فائدة لها. والسبب أن الدولة لم تؤسّس هنا لتكرّس سيادة شعب، وتعمل على ضمان وحدته وحقوقه وحرّياته، وإنما، على العكس تماماً، للسيطرة عليه والتحكّم بمصيره. ولم تنتج عن توازنات تاريخية تبحث عن شرعنتها، وإنما من أجل تحطيم التوازنات والمعادلات التاريخية القائمة، ووضع شعوب المنطقة في حالة من الهشاشة الاستراتيجية البنيوية التي يسهل إخضاعها والسيطرة على مجتمعاتها ومواردها. وفي المشرق عزّز هذا المزيج المتفجر من الجغرافيا السياسية والدول التي يستحيل أن تضمن سيادتها بوسائلها الخاصة، بزرع لغمٍ بدا قليل الأهمية في البداية، لكنه سرعان ما تحوّل إلى صاعقٍ يعمل على تفجير الدول من حوله، وتشريد الملايين من مواطنيها بدءاً من فلسطين، ويجعل من الحرب المهنة الرئيسة لأبناء المنطقة وشبابها عقوداً طويلة ومستمرّة. هذا ما سمّي “الوطن القومي اليهودي” الذي اخترعته بريطانيا الاستعمارية لتفرض أجندتها على المنطقة وتمسك بقرارها. وليست المذبحة الفلسطينية المستمرّة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلا إحدى نتائج هذه الخريطة الجيوسياسية اللعينة.

لقد استُخدمت هنا الدولة “الوطنية” أو القومية التي تجسّد حق الشعوب في تقرير مصيرها تماماً ضد أهدافها الأساسية، أي لنزع الأهلية عن الشعوب وانتزاع حقهم منهم في تقرير مصيرهم، وإجبارهم على السير حسب ما تقتضيه المصالح الأجنبية (الغربية). وواشنطن التي ورثت هذه الخريطة لم تكف عن استعمال الدول الجديدة بيادق شطرنج في “لعبة” صراع دولي على النفوذ على مستوى المعمورة.

النوافذ الاستراتيجية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، واستثمارها يتطلب إرادة سياسية عربية قوية، تتعلم من دروس الماضي

هذا الوضع الذي لم يتغيّر منذ أكثر من قرن هو المصدر الأول للصراعات التي لا تنتهي: أولاً على السيطرة على موارد الدول العربية منزوعة السيادة وأسواقها ومواقعها، وثانياً بين إسرائيل الطامحة للسيطرة الإقليمية والدول العربية منفردة ومجتمعة، وثالثاً بين الدول العربية نفسها، في فترة سابقة على سبيل التنافس على القيادة والزعامة، وفي فترة ثانية على التحلل من المسؤولية والتغطية على ذل الخضوع للهيمنة الإسرائيلية، ورابعاً بين الدول الإقليمية الصاعدة التي احتفظت بقدراتها وسيادتها والدول العربية التي أصبحت تمثل الجائزة الموعودة للمنتصر في الصراع الإقليمي الدائم الذي أصبح أساساً لتوازنات المنطقة لغير صالح شعوبها.

ما جعل من هذه البنية الجيوسياسية لعنة على الإقليم ومولّداً لحروب ونزاعات متواصلة ليس عجز دولها البنيوي فحسب، وإنما أيضاً خصوصية المنطقة. فنحن لسنا هنا أمام منطقة استراتيجية تحتل قلب العالم فحسب، وإنما تملك أيضا أكبر احتياطيات الطاقة الأحفورية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي الحديث، وتشكل عقدة مواصلاتٍ أساسية لا يمكن الاستغناء عنها لسلاسل التوريد، وتسيطر على معابر دولية تمرّ منها أكثر من نصف التجارة الدولية، مع غياب أي قوة ذاتية تستطيع حماية هذه المصالح أو حتى التفاوض عليها… هكذا أصبح ضعفها الاستراتيجي وغناها بالمصالح نداءً دائماً ومتنامياً للنزاع من حولها، والتنافس بين القوى الكبرى للسيطرة عليها.

زعزعة الاستقرار سياسة مدروسة

والعامل الثاني سياسي. من الواضح أن منع الاستقرار وزعزعته في المشرق كان ولا يزال سياسة مدروسة تهدف إلى الحفاظ على الديناميكية الجيوسياسية الانقسامية، بل تعميقها، من فاعلين مختلفين، أولها وأبرزها القوى الغربية التي تخشى من أن يمسّ أي تغير جيوسياسي فيها مصالحها ومصالح حليفها الموثوق به الوحيد في المنطقة، ثم إسرائيل التي لم تعد تخفي مشاريعها في إعادة تقسيم الدول القائمة، والسيطرة على جزء من أراضيها، ولا هدفها في أن تُعيد تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم أجندتها التوسّعية. وإلى حد ما بعض الدول الإقليمية الكبرى في إطار النزاع على النفوذ أو الزعامة أو الهيمنة.

هذا ما يفسّر تقويض التحالف الغربي الدائب أي مبادرة من داخل المنطقة ترمي إلى لملمة أطرافها.

أول هذه المبادرات التي عملت على تفريغها من مضمونها الدعوة المصرية عام 1944 لإقامة اتحاد عربي مع مجلس تنفيذي لتوحيد السياسة الخارجية والدفاعية وتطوير التعاون الاقتصادي، بحيث يجري تدريجياً بناء اتحاد قوي يجمع الدول العربية. وكان العراق قد اقترح، في المقابل، تشكيل اتحاد سوري عراقي يصبح نواة لاتحاد عربي جامع، لكن المشروع تحوّل، بمساعي لندن التي كانت صاحبة النفوذ في المنطقة من النيل إلى الفرات، إلى جامعة منزوعة الصلاحية، ومجرّد منظّمة للتشاور الدبلوماسي، لا تهدف إلى تحقيق أي تعاون فعلي أو توحيد القرار في أي موضوع. هذا ما تؤكّده المادة السابعة من ميثاق الجامعة التأسيسي (1945) التي تنصّ على أن قرارات مجلس الجامعة الملزمة هي التي تحظى بالإجماع. أما قرارات الأغلبية فلا تلزم إلا الدول التي تقبل بها. وهذا يعني أن هناك قراراً عربياً مشتركاً، لكيلا توجد بالضرورة سلطة عربية قادرة على فرضه على الدول، وأي عضو يملك الفيتو لتعطيل أي قرار.

هذا هو القرار الذي يفسّر أزمة النظام العربي منذ نشأته، وهو يبيّن أن “الجامعة” لم تولد لبناء سياسة مشتركة ولو تدريجياً، وإنما لتكريس الوضع القائم، والتغطية على الخلافات بين الدول، لا على حلها وتذليلها. استخدمت “الجامعة” لتكريس الوضع القائم، ولذر الرماد في عيون جمهور عربي كان يرى في الاتحاد الرد الوحيد على الضغوط المتصاعدة التي تمارس على الأقطار العربية في فلسطين وغيرها. وفي الواقع، كان إنشاء جامعة منضبطة، محافظة، صديقة لبريطانيا، أفضل طريقة للحيلولة دون قيام اتحاد فعلي يحوّل الأقطار المشاركة إلى مركز قوة في المنطقة، ويعيد هندستها الجيوسياسية بما يضمن سيطرتها على مواردها واستثمارها لصالح شعوبها. وفي ما وراء ذلك، لتسهيل إقامة دولة عميلة للغرب ووكيلة أعماله في قلب المنطقة المشرقية في فلسطين.

هذا ما حصل أيضاً عام 1958 عندما أعلنت مصر وسورية اتحادهما، ردّاً على التهديدات والضغوط الأميركية البريطانية المتعاظمة لإجبار مصر وسورية على الدخول في “حلف بغداد” العسكري، وكذلك على العدوان الثلاثي (البريطاني الفرنسي الإسرائيلي) على مصر 1956 وما أثاره من غضب في البلاد العربية، وفي سورية بشكل خاص، حيث فجّر العمال السوريون أنابيب النفط التابعة لشركة “أي بي سي” البريطانية تضامناً مع الشعب المصري.

لم تعد إسرائيل تخفي مشاريعها في إعادة تقسيم الدول القائمة، والسيطرة على جزء من أراضيها

اعتبرت العواصم الغربية الوحدة تهديداً استراتيجياً لمصالحها، ووُصف جمال عبد الناصر بهتلر الشرق الأوسط، وأصبح القضاء على سلطته وعلى الحركة القومية العربية التي يتزّعمها هدفاً استراتيجياً عاجلاً. حصل الانقلاب على الوحدة وتفكيك الجمهورية العربية المتحدة في انقلاب عسكري عام 1961 لصالح القوى الموالية للغرب، ثم انتهى بعد عامين بانقلاب عسكري آخر، وضع السلطة في دمشق بين يدي فريق من الضباط الشباب الذين قدّموا بسياساتهم المغامرة الذريعة للحرب الإسرائيلية الثالثة (يونيو/حزيران 1967). كان الهدف إسقاط النظام المصري، وسحق الحركة القومية العربية، وإعطاء إسرائيل الفرصة لاستكمال احتلال القدس وما تبقى من فلسطين.

هكذا جرى تكريس إسرائيل قوة إقليمية وقاعدة استراتيجية مركزية لضمان النفوذ الغربي والأميركي في المشرق العربي. أما في سورية فقد أسفرت الحرب عن احتلال الجولان، والتمهيد لارتقاء “الفريق” حافظ الأسد سدة الحكم ليؤسّس في دمشق أول “جمهورية ملكية” بعد الاستقلال، وليعمل على تحييد سورية في الصراع العربي الإسرائيلي، قبل أن تحيّد حرب أكتوبر 1973 مصر، وتفرض عليها اتفاقيات كامب ديفيد الانفرادية.

كانت الحرب الردعية التالية على العراق على مرحلتين (1991 – 2003) بذريعة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب، بعد زجّ بغداد في حرب كارثية ضد طهران لم تنته إلا بغزو الكويت، وبتفجير النزاعات الخليجية – الخليجية وتقويض الفكرة العربية. هذا ما فتح الباب للتمدّد الإيراني في الخليج والمشرق العربي، وانتشار المليشيات والانقسامات والحروب الداخلية في أقطارٍ عديدة. وهو ما عطّل جهود التنمية، وقاد، في نهاية العقد الأول من هذا القرن، إلى الانفجار الشعبي الكبير، وانتفاضات ما سمي الربيع العربي. ولا تزال آثار هذا الزلزال التاريخي مستمرة عبر ما شهدته شعوب المنطقة من ملايين القتلى والمشرّدين والنازحين، ومن الحروب والنزاعات الأهلية في أكثر من قُطر: من ليبيا إلى السودان إلى اليمن، وبصورة أقل في بلدان أخرى. وكان من أشنع نتائج هذه السياسات حرب الإبادة التي مارستها إسرائيل في غزّة وعموم فلسطين، وما ارتكبته سلطة الأسد من مجازر جماعية على امتداد الأرض السورية إلى وقت قريب.

السلطة المطلقة وتغييب الشعوب

والعامل الثالث اجتماعي، يتعلق بالفاعل المحلي الرئيسي الذي أدار معركة الوجود السياسي هذه. وهي أجيال النخب السياسية العربية التي تعاقبت على الحكم منذ نهاية القرن التاسع عشر. فإذا كان التحالف الغربي الذي سيطر على المعمورة في ذلك القرن هو من أرسى شروط إجهاض الدولة في المشرق، بدءاً بالهندسة الجيوسياسية للمنطقة، فإن النخب السياسية التي قادت الشعوب في مواجهة هذا التحالف أو بالتفاهم معه، هي المسؤولة عن ترسيخ هذا الوضع الإقليمي وتفاقم نتائجه بدلاً من تغييره. وكلمة السر الرئيسية في هذا الإخفاق هي الاستبداد، الشخصي والمطلق، الذي عرفته معظم هذه الأقطار.

ليس من المصادفة أن جميع محاولات الوحدة أو التعاون العربي، من جامعة الدول العربية إلى وحدة 1958 إلى المبادرات اللاحقة، اصطدمت بالعائق نفسه: رفض النخب الحاكمة التخلي عن أي جزءٍ من “سيادتها” الفردية على القرار الداخلي، ليس حبّاً في السيادة الوطنية، وإنما تجنّباً لطرح مسألة السلطة ذاتها: المشاركة السياسية، والمساءلة، والتداول السلمي للسلطة، ومعنى المسؤولية الوطنية. فالاستبداد السياسي والتبعية الخارجية ليسا عامليْن منفصليْن، بل هما وجهان لمعادلة واحدة: كلما اشتد القمع الداخلي زادت الحاجة إلى الحامي الخارجي، وكلما تعمّقت التبعية الخارجية ضعفت القدرة على بناء مؤسّسات وطنية مستقلة، فتعمّقت بدورها أزمة الشرعية، واتسعت الهوّة الفاصلة بين السلطة القائمة والمجتمع. بل تلاشت الدولة بما تمثله من سلطة مؤسسية شرعية لتحلّ محلها السلطة المنفلتة التي لا تخضع إلا لقانونها أي لمنطق القوة.

لم يقوض هذا النمط من السلطة أي مشروع لإنتاج تعاون جدّي، فحسب، ولكنه أجهض أيضاً مشروع بناء دولة وطنية بالمعنى الدقيق للكلمة، دولة المؤسّسات وسيادة القانون، وحلّت محلها سلطة “القصر” الذي يمسك بمفاتيح السلطة كلها، ويوزعها بمعرفته. فهو مقرّها الوحيد لأنها لا تنقسم ولا توزّع ولا تسمح بالمشاركة. وهي ليست سلطة تمثيلية ولا سلطة بيروقراطية احترافية، وليست بحاجة الى مؤسّسات مضبوطة بقواعد عملها. كل ما تحتاجه مستشارين وإعلاميين ومؤثرين.

حلّ الزعيم محلّ الرئيس المنتخب، والجمهور الموالي محل الشعب الحر والأمة السيدة، ومجتمع الزبائن والمحاسيب محلّ مجتمع المواطنة والمحاسبة والمسؤولية.

حلّ الزعيم محلّ الرئيس المنتخب، والجمهور الموالي محل الشعب الحر والأمة السيدة

هكذا اختفت “الأمة” أي الشعب الذي يحكم نفسه عبر آليات التمثيل السياسي وتداول السلطة وحكم القانون والمؤسّسات لصالح دولة النخبة/ الطغمة، أي سلطة الفئة الأقل شعوراً بالمسؤولية الجماعية، والأكثر استعداداً للبطش وخرق القانون، والأقل معرفة بقضايا الشعوب واحتراماً لمصالحها وحاجات الارتقاء بأحوالها.

وقد أفرز هذا التركيب السياسي مفارقة عميقة: فالسلطة التي تخشى شعبها أكثر مما تخشى عدوها الخارجي تجد نفسها مضطرّة للبحث عن حماية خارجية لتأمين بقائها في السلطة، لا لحماية وطنها وسيادته. وإلى تعويض هشاشتها الخارجية بشُرطتها الداخلية، مستبدلة ببناء القدرة الذاتية والتنمية الشاملة ترسيخ قبضة الأمن، وقمع المعارضة، وتأبيد حالة الطوارئ، حتى أصبح الخطر الداخلي في نظر النخب الحاكمة أكبر من أي تهديدٍ خارجي.

وقد تجلّى هذا التداخل بوضوح في ردات الفعل العربية تجاه التهديدات الخارجية، فبدلاً من أن تدفع سلسلة الهزائم، من نكسة 1967 إلى احتلال العراق إلى تفكيك سورية، النخب الحاكمة نحو مراجعة بنيوية تُعيد بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع وتُطلق طاقات شعوبها الكامنة، جرى العكس تماماً: اتُّخذت الهزائم ذريعة لتشديد القبضة الأمنية، وتوسيع دائرة الاستثناء، وتبرير التأبيد في السلطة، بحجّة “ظروف الطوارئ” و”المرحلة الحرجة” التي لم تنتهِ منذ عقود. وهكذا، تحوّل كل تهديد خارجي إلى وسيلة لتقوية السلطة القمعية وإضعاف المجتمع، لا العكس، وأصبح العجز العربي عن بناء أمن جماعي لا مجرّد نتيجة للسياسات الخارجية المعادية، بل نتاجاً مركّباً لبنية سياسية داخلية تُكرّس الضعف، وتغذّي التبعية، وتمنع توظيف الموارد والطاقات البشرية في مشروع وطني جامع. هكذا يمكن أن نفهم كيف أصبح انتماء الشعوب العربية إلى إرث مشترك وهوية جامعة ثقافية ولغوية وتاريخية نقمة بالنسبة للأنظمة، لا ورقة قوة يمكن استثمارها، فبمقدار ما تشكل قوة للشعوب التي تتبادل تجاربها وتتعلم من بعضها بعضاً تحرم الاستبداد من الاختلاء بشعبه وفرض الطاعة المطلقة عليه.

خلاصة القول، الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية في الخليج فتحت صفحة جديدة في مسلسل صراعات وطنية وإقليمية ودولية لا تزال مستمرّة منذ أكثر من قرن من دون حل، لكن مع نتائج غيرت وجه التوازنات الجيوسياسية القديمة التي ضمنت استمرار الأمور على ما هي عليه، أي الهيمنة الغربية، ثم الأميركية الإسرائيلية على المنطقة، واحتفاظ إسرائيل وواشنطن بزمام المبادرة، وفرض الأمر الواقع على الجميع منذ عقود طويلة. من أول هذه النتائج انكشاف حدود التفوق العسكري الأميركي في ضمان السيطرة الإقليمية، ومن ورائها العالمية، ومعه حدود ما يمكن أن تطمح إليه إسرائيل من تفكيك المنطقة أكثر من أجل إعادة تشكيلها وإلحاقها بها. ومنها إدراك قادة الخليج العربي أن المظلة الأميركية لم تكن غير مجدية فحسب وإنما تحوّلت إلى ورطة لمن يستظلّ بها. شكّل ذلك كله فرصة للتفكير في أطر إقليمية للاستقرار والأمن، تعوّض عن تراجع الصدقية الاستراتيجية الأميركية، وتفاقم مخاطر النزاعات الإقليمية. من هنا جاء “حلف مكّة” الذي يهدف إلى بناء معادلة إقليمية جديدة تعوّض النقص، وتعطي لأصحاب المنطقة هامشاً أكبر من المبادرة وتعزيز السلام والاستقرار.

 تم تكريس إسرائيل قوة إقليمية وقاعدة استراتيجية مركزية لضمان النفوذ الغربي والأميركي في المشرق العربي

وقد نال هذا الحلف ما يستحقّه من الترحيب من العدد الأكبر من دول المنطقة وشعوبها، عله يساهم في تعديل ميزان القوى القائم لغير صالحها، ويخفّف من أثر عدم الاستقرار المزمن الذي سيطر على المشرق منذ عقود طويلة. إلا أن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار الضروري لأي مشروع تنموي حضاري، بما يشمل إعادة تأهيل الدولة، وازدهار المجتمع المدني، والتقدّم الاقتصادي والاجتماعي، يحتاج إلى أكثر من تفاهم عسكري بين مجموعة دول، مهما كانت أهميتها. كما أن أي مشروع للأمن الاقليمي لن يثمر ما لم يقم على أرضية صلبة من التشخيص الواقعي.

فالمأزق الأمني العربي الراهن لا ينجم عن غياب الدعم الخارجي، وإنما عن غياب مشروع سياسي جماعي يدرك الأهمية الاستثنائية الجيوسياسية للمنطقة وافتقارها، في الوقت نفسه، للحماية الذاتية. وأن أي حليف خارجي لن يبحث عن حمايتها إلا بمقدار ما يضمن لنفسه الفائدة منها. من هنا، لا يكمن المخرج في البحث عن معيل جديد يحلّ محلّ المعيل السابق، بل ببناء قدرة عربية ذاتية تجعل من التحالف مع الخارج خياراً استراتيجياً لا ضرورة قسرية، وتحوّل الدول العربية من موضوع للرهان، والجائزة التي يتنافس على ربحها المتنازعون عليها، إلى قوة فاعلة يستحيل تجاهلها في أي ترتيب إقليمي أو دولي. فما لم يشتدّ عود العرب وتتعزّز قدرتهم على الدفاع الذاتي، وأيضاً الجماعي، عن مصالحهم، فإن أي حلف خارجي، مهما كان شكله أو توقيعه، لن يكون إلا صيغة جديدة من صيغ الاستتباع التي طالما مُورست عليهم.

زعزعة مواقع “البغاة/ الحماة” السابقين وصدقيتهم الاستراتيجية تفتح نافذة فرص للتغيير، لكن النوافذ الاستراتيجية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، واستثمارها يتطلب إرادة سياسية عربية قوية، تتعلم من دروس الماضي، ولا تكتفي بالتفكير على مستوى اللحظة، بل تنظر إلى المستقبل بوصفه بناءً يُصنع بالقرار الواعي لا بالحساب الآني.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى