
على امتداد العقود الماضية، كان لبنان يُدار إقليمياً من خلال توازنات متشابكة تتوزع بين دمشق والرياض وطهران وواشنطن وباريس. أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة. ليس لأن هذه العواصم خرجت من المشهد، بل لأن لاعباً جديداً يتقدم بثبات ليصبح جزءاً من معادلة إدارة المشرق، هو تركيا.
وزيارة الرئيس جوزيف عون إلى تركيا لا يمكن فصلها عن هذا التحول. فهي جاءت بعد زيارته إلى واشنطن، وبعد الزيارة التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تركيا، وبعد سلسلة لقاءات واتصالات تركية مع مسؤولين لبنانيين وعراقيين وسوريين، وفي وقت تتوسع فيه الأدوار التركية من سوريا إلى العراق، ومن شرق المتوسط إلى غزة. وعند جمع هذه المحطات، تتشكل صورة مختلفة تماماً عن تلك التي اعتادها اللبنانيون خلال السنوات الماضية.
وبدا من الواضح أن أنقرة لم تعد تنظر إلى لبنان باعتباره ملفاً مستقلاً، بل باعتباره الحلقة الغربية في فضاء جغرافي واحد يمتد من الموصل إلى البحر المتوسط. لذلك فإن معظم ما طرحه الرئيس رجب طيب أردوغان خلال لقائه مع الرئيس عون لم يكن يتعلق بالعلاقات الثنائية التقليدية، بل بإعادة رسم العلاقة بين لبنان ومحيطه.
ولهذا السبب، لم يكن مستغرباً أن يحتل الملف السوري الجزء الأكبر من النقاش. فالدعوة إلى زيارة دمشق ولقاء الرئيس أحمد الشرع لا تبدو مجرد مبادرة دبلوماسية، وإنما تعكس قناعة تركية بأن لبنان لن يتمكن من معالجة أزماته الاقتصادية والأمنية إذا بقيت العلاقة مع سوريا محكومة بالحذر أو القطيعة. فحدود البلدين، وملف النازحين، وحركة التجارة، والطاقة، والتهريب، وحتى الاستقرار الأمني، أصبحت في نظر أنقرة عناصر مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
هذه الرؤية لا تبدو تركية فقط، بل تشير التطورات الأخيرة إلى وجود تقاطع مع المقاربة الأميركية. فمنذ أشهر، باتت واشنطن أكثر ميلاً إلى توزيع الأدوار بين حلفائها الإقليميين بدلاً من الانخراط المباشر في كل الملفات. وفي هذا السياق، تبدو تركيا المرشح الأكثر قدرة على إدارة مساحة تمتد من سوريا والعراق إلى لبنان، بحكم حضورها العسكري في شمالي سوريا، وعلاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة، وانفتاحها على بغداد، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
هذا لا يعني أن واشنطن تسلم تركيا إدارة المشرق بصورة كاملة، لكنه يعني أن أنقرة باتت تمتلك هامش حركة أوسع، وأنها أصبحت جزءاً أساسياً من أي ترتيبات تخص هذه المنطقة.
واللافت أن المقاربة التركية لا تقوم على الأمن وحده. فأنقرة تدرك أن النفوذ في الشرق الأوسط لم يعد يُبنى فقط بالقواعد العسكرية أو التحالفات السياسية، بل أيضاً بخطوط النفط، والسكك الحديدية، والمرافئ، وممرات التجارة، والطاقة. لذلك عاد مشروع كركوك – بانياس إلى الواجهة، كما عاد الحديث عن ربط منشآت طرابلس بهذه الشبكة، وتحويل الساحل اللبناني إلى جزء من منظومة اقتصادية تمتد من العراق إلى البحر المتوسط.
إذا تحقق هذا المسار، فإن موقع لبنان الاقتصادي سيتغير بصورة جوهرية. فمنذ سنوات، يعيش البلد على هامش التحولات الإقليمية، في حين قد يجد نفسه مجدداً داخل أحد أهم ممرات الطاقة والنقل في المنطقة. وهذا يفسر الاهتمام التركي بطرابلس، وبشبكات النقل، وبإعادة ربط الاقتصاد اللبناني بعمقه السوري والعراقي.
أما في الجانب الأمني، فإن العرض التركي الداعي إلى تعزيز قدرات الجيش اللبناني على الحدود مع سوريا يحمل دلالات تتجاوز مجرد تقديم مساعدات عسكرية. فأنقرة تعتبر أن استقرار الحدود اللبنانية – السورية أصبح جزءاً من أمنها القومي، تماماً كما تعتبر أن استقرار شمالي سوريا جزءا من أمنها الداخلي. ومن هنا يمكن فهم استعدادها لتقديم معدات مراقبة، وأنظمة استطلاع، وبرامج تدريب، في إطار دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وليس إنشاء أدوار موازية لها.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو النظرة التركية إلى إسرائيل. فأنقرة لا تتعامل مع التحركات الإسرائيلية باعتبارها مجرد عمليات عسكرية مرتبطة بلبنان أو غزة، بل ترى أنها جزء من مشروع أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الأمنية والسياسية في المشرق وشرق البحر المتوسط. ومن هذا المنطلق، جاء التحفظ التركي على أي ترتيبات قد تمنح إسرائيل موقعاً متقدماً في معادلات الطاقة أو الأمن البحري أو الحدود، من دون وجود تنسيق بين دول المنطقة.
ولهذا أيضاً، طرح أردوغان فكرة التنسيق الثلاثي بين تركيا وسوريا ولبنان في ملفات شرق المتوسط، باعتبار أن ترسيم الحدود البحرية، ومشاريع الغاز، وخطوط النقل البحري، لم تعد قضايا تقنية، بل تحولت إلى ملفات ترتبط مباشرة بموازين القوى الإقليمية.
في المقابل، كان لافتاً سؤال الرئيس جوزيف عون عن طبيعة الدور التركي في لبنان. السؤال يعكس إدراكاً لبنانياً بأن النفوذ التركي يتوسع في الإقليم، وأن من الطبيعي التساؤل عما إذا كان لبنان سيكون الساحة التالية. إلا أن الإجابة التركية كانت واضحة، أن أنقرة لا تسعى إلى إنتاج نفوذ موازٍ داخل لبنان، ولا إلى الدخول في توازناته الداخلية، وإنما إلى بناء شراكة مع مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش، وإلى توسيع التعاون مع الحكومة في الملفات الأمنية والاقتصادية والإقليمية.
سواء اتفق اللبنانيون مع هذه المقاربة أو اختلفوا حولها، فإن تجاهل التحول الجاري سيكون خطأ في قراءة المشهد. فالمنطقة تعيد ترتيب
نفسها بسرعة، وسوريا تعود تدريجياً إلى موقعها الإقليمي، والعراق يتحول إلى محور أساسي في مشاريع الطاقة، في حين تحاول تركيا تحويل نفوذها العسكري والسياسي إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد.
ويبقى السؤال الحقيقي: هل يكتفي لبنان بمراقبة هذه التحولات، أم يحاول أن يكون جزءاً منها؟
الجواب لن تحدده أنقرة ولا واشنطن وحدهما، بل قدرة الدولة اللبنانية على صياغة رؤية لموقعها في المشرق الجديد. فالدول التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل النظام الإقليمي وهي بلا تصور واضح، تتحول عادة إلى ساحات لتقاطع المشاريع. أما الدول التي تحدد مصالحها مبكراً، فتستطيع تحويل التحولات الكبرى إلى فرص سياسية واقتصادية وأمنية.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم.
المصدر: تلفزيون سوريا






