أرجوحة تهديدات ترامب الإيرانية

   بسام مقداد

ليل السبت الأحد الفائت حبس الشرق الأوسط والعالم أنفاسه، بانتظار الضربة التي هدد ترامب بتوجيهها لإيران، والتي وصفها هذه المرة بأنها تفوق بشدتها كل ما شهده العالم بعد الحرب العالمية الثانية. لكن لم يطل صباح الأحد حتى كان ترامب قد غض النظر عن تهديده، استجابة لطلب إيران وعدد من دول الخليج، وكذلك لأنه ثمة مؤشرات على إمكانية التوصل”بسرعة” إلى الاتفاقية مع إيران.

ليست المرة الأولى التي يتراجع فيها ترامب عن تهديداته بعد إشعال حربه مع إسرائيل ضد إيران آخر شباط/ فبراير المنصرم. لكنها جاءت هذه المرة بعد سلسلة من حملات القصف الليلي على إيران، والتي كان من المتوقع أن تنهي تعنت إيران وتعيدها إلى طاولة المفاوضات للتوقيع على الاتفاقية التي يملي ترامب شروطها. ولذلك كان التهديد ثقيل الوقع، وجاء التراجع عنه أثقل وطأة بعد أن تعبت المنطقة من انتظار النهاية، أية نهاية، للمسلسل الأميركي الإيراني المطبق على الأنفاس. فالضربات المتبادلة بين الطرفين والتهديدات المرافقة لها منذ انتهاء المرحلة الناشطة من الحرب في آذار/ مارس المنصرم، كانت قد وضعت المنطقة على حافة الحرب، وكان من المتوقع أن يشكل التهديد الأميركي الأخير الكلمة الفصل بين حرب شاملة من جديد، أو الجلوس إلى طاولة مفاوضات مضنية. وتتوقف  نتائجها على قدرة الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة تمنع الانفجار من جديد.

التراجع الأميركي عن التهديد بناءً لطلب إيران ودول الخليج، يظهر أن أحداً من أطراف النزاع لا يريد الحرب الشاملة. كما يمكن القول إن هذا التراجع قد نقل المنطقة من حافة الحرب إلى مرحلة إدارة الأزمة، كما كان الحال في الأشهر الأخيرة. وهذه المرحلة، وإن كانت أقل خطورة من المواجهة المباشرة، إلا أنها لا تقل هشاشة عن المرحلة التي سبقتها. فأي خطأ في الحسابات أو حادث أمني غير محسوب قد يعيد التصعيد إلى نقطة الصفر.

موقع يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 2 الجاري نصاً للمعلق العسكري في الصحيفة، رون بن يشاي، رأى في عنوانه أن ترامب لم يكن يعتزم مهاجمة إيران، لكن المشكلة تكمن في أن إسرائيل وجدت نفسها في حالة اعتماد على الولايات المتحدة. وأرفق العنوان بالقول إن اضطرار إسرائيل في كل مرة إلى ترقب القرار الذي سيتخذه الرئيس الأميركي، سواء بشأن إيران أو سواها، لم يعد مجرد مصدر لعدم اليقين، بل أصبح مشكلة استراتيجية حقيقية لإسرائيل قد تخلّف آثاراً سلبية بعيدة المدى.

استهل المعلق نصه بالقول إن تراجع ترامب عن تهديده بقصف إيران لم يكن ينبغي أن يشكل مفاجأة لأحد. ورأى أن إسرائيل قد فقدت عملياً قدرتها على التأثير في قرارات حليفها الأميركي، وأصبحت تجد نفسها، على نحو متزايد، مضطرة إلى التكيف مع سياسة واشنطن بدلاً من التأثير في رسمها.

أشار المعلق الإسرائيلي إلى أن ترامب  يُعرف منذ فترة بأنه الرجل الذي “يتراجع دائماً في اللحظة الأخيرة”. وقد ظهر هذا المصطلح في نهاية العام الماضي على يد أحد المعلقين الاقتصاديين الأميركيين، الذي استخدمه لوصف أسلوب الرئيس الأمريكي في التفاوض؛ إذ يبدأ بإطلاق تصريحات صاخبة وتهديدات شديدة اللهجة، ثم يتراجع عنها بعد أن يحصل على جزء من مطالبه على الأقل، وأحياناً حتى عندما تُرفض مطالبه بالكامل.

أكد المعلق أنها المرة السادسة (البعض يقول بأنها الثالثة) التي يتوعد فيها ترامب بـ”إعادة إيران إلى العصر الحجري”. لكنه إما أنه كان يكتفي بضربات رمزية، أو لا يقدم على اي فعل. ويعرف هذا الأسلوب في التفاوض بأنه “سياسة حافة الهاوية” أو “سياسة حافة الهاوية والمخاطرة”. ويمكن أن تكون هذه الاستراتيجية فعّالة فقط إذا استندت إلى حسابات دقيقة للغاية. أما إذا ظلت التهديدات تتكرر من دون تنفيذ، فإنها تبدأ بالانقلاب على صاحبها، فتقوض صدقيته وتضعف قوة الردع التي يسعى إلى ترسيخها. وهذا ما حصل برأيه، إذ أن المفاوضين الإيرانيين قد كشفوا منذ فترة بعيدة أن تهديدات ترامب، هي جزء من التكتيك التفاوضي، وتعلموا أن يستخدموه ضده. ويكفي أن ينقلوا بعض الإشارات الغامضة عبر الوسطاء حول الاستعداد للدخول في مفاوضات، حتى تتحول التصريحات الحازمة الصادرة عن البيت الأبيض إلى نصوص تصالحية لترامب على شبكة التواصل الاجتماعي “تروث سوشال”.

أشار بن يشاي إلى أن ترامب اعترف بنفسه لاحقاً بأن المكالمة الهاتفية مع ولي العهد السعودي كانت من بين العوامل التي أثرت في قراره. وبحسب المعلق، فإن ذلك يعكس جانباً آخر من شخصية ترامب، وهو أن آخر شخص يجري معه حديثاً مباشراً يكون في كثير من الأحيان قادراً على التأثير بشكل حاسم في موقفه النهائي.

موقع الخدمة الروسية في BBC ناقش في 31 الشهر المنصرم الضربة الإيرانية للقاعدة الأميركية في الأردن، وعنون نصه بالقول “لماذا قد تكون الحرب مع الولايات المتحدة أكثر فائدة لإيران من السلام؟”.

استهل الكاتب أمير عظيمي النص بالقول إنه، إذا كانت الأولوية الأساسية لطهران هي التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فمن الصعب تبرير هذا الهجوم. لكن إذا أخذنا في الاعتبار أن القيادة الإيرانية قد ترى في المواجهة المحدودة والمدروسة وسيلة لتحسين موقعها الاستراتيجي، فإن هذا الخيار يصبح مفهوماً بدرجة أكبر. ورأى أن من بين التفسيرات الأكثر احتمالاً للتطورات الجارية، هو أن إبقاء المواجهة العسكرية ضمن مستوى منخفض وممتد، رغم ما ينطوي عليه من مخاطر، ينسجم في هذه المرحلة مع مصالح طهران أكثر من خيار إنهاء الصراع.

وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية cursor نقلت في 3 الشهر الجاري عن صحيفة معاريف موجزاً عن نص للمسؤول الكبير السابق في وزارة الدفاع الإسرائيليىة  أفنير أولان، رأى فيه أن إيران تعتبر نفسها منتصرة في الصراع مع الولايات المتحدة، وتستغل سعي الرئيس ترامب لتفادي الحرب الشاملة.

أشار المسؤول الإسرائلي السابق إلى أن القيادة الإيرانية تتمكن من إبقاء مضيق هرمز تحت نفوذها، من دون أن تتحمل حتى الآن تبعات كبيرة نتيجة تحركاتها، الأمر الذي يؤكد نجاح الاستراتيجية التي تنتهجها. ويرى أن القيادة الإيرانية تراهن على إمكانية بقاء النظام واستمراره في الحكم، حتى لو أدى الصراع إلى أضرار جسيمة تطال الاقتصاد الوطني والبنية التحتية للبلاد. ورغم احتمال انحسار نطاق عملياته، فإن النظام سيستمر، بحسب هذا التقدير، في استخدام القوة كأداة لتحقيق أهدافه، بما يسهم في زعزعة استقرار المنطقة وتوجيه ضربات إلى أهداف مدنية. ويرى الخبير أنه رغم أن التفوق العسكري الأميركي يجعل نتيجة أي مواجهة مباشرة تميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة، فإن الحسم على المستوى الاستراتيجي لا يتوقف على القوة العسكرية وحدها، بل على قدرة كل طرف على ممارسة الضغوط التي تدفع خصمه إلى القبول باتفاق يحقق مصالحه.

كما نقلت الوكالة عن صحيفة وول ستريت جورنال أنها وجهت انتقادات حادة إلى الإدارة الأميركية، مستنكرة قرار البيت الأبيض العدول مجدداً عن المضي في التصعيد العسكري في الخليج. واعتبرت هيئة تحرير الصحيفة أن التبريرات التي قدمتها واشنطن لا تتجاوز كونها حديثاً مبهماً عن “اتفاق قيد التشكل”.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى