
تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة التي سيجريها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى العاصمة السورية دمشق، حيث من المنتظر أن يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع، في خطوة يُنظر إليها بوصفها محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين بعد أشهر من سقوط نظام الأسد السابق، وتشكيل حكومة عراقية جديدة تقول أوساط سياسية إنها تتبنى مقاربة أكثر انفتاحاً تجاه سوريا مقارنة بالمرحلة السابقة.
وتأتي الزيارة بعد سلسلة من المؤشرات السياسية التي عكست رغبة متبادلة في إعادة تفعيل العلاقات، بدأت باتصالات هاتفية أجراها الرئيس السوري مع كل من الرئيس العراقي نزار آميدي ورئيس الوزراء علي الزيدي لتهنئتهما بتوليهما منصبيهما، ثم زيارة وزير الخارجية العراقية فؤاد حسين إلى دمشق، وانتهاءً بالاتفاق على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك برئاسة وزيري خارجية البلدين، لمتابعة ملفات التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.
طريق محفوف بالتعقيدات
ورغم هذا الحراك، لا يزال الطريق أمام تطبيع كامل للعلاقات محفوفاً بتعقيدات تراكمت خلال السنوات الماضية، وفق مراقبين.
فالعلاقة بين دمشق وبغداد لا تتأثر فقط بالجغرافيا والحدود المشتركة، وإنما أيضاً بإرث سياسي وأمني تركه نظام الأسد السابق، فضلاً عن الدور الذي لعبته أطراف عراقية داخل الساحة السورية طوال سنوات الحرب.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب في الشأن السياسي، عبد الرحيم خليفة في حديثه لـِ “المدن”، إلى أن العلاقات السورية العراقية بعد سقوط نظام الأسد لا تزال محكومة بإرث السنوات الماضية، فمن الطبيعي أن تنظر بغداد، أو على الأقل القوى السياسية الولائية والفصائل والمليشيات النافذة فيها، إلى ما جرى بكثير من التحفظ، لأن النظام السابق كان حليفاً استراتيجياً لها ولإيران، وسقوطه أحدث تغييراً عميقاً في موازين القوى الإقليمية، وفق تعبيره.
لكن، ووفق مصدر خاص في وزارة الخارجية السورية تحدث لـِ “المدن”، فإن “زيارة الزيدي إلى دمشق ولقائه الشرع، تأتي بوصفها خطوة جديدة نحو تعزيز العلاقات الثنائية، والعمل على ملفات متعددة، في مقدمتها الأمن المشترك، وضبط الحدود، إضافة إلى الملفات الاقتصادية التي تحظى بأولوية كبيرة، ولا سيما مع افتتاح العراق خطاً لتصدير النفط”.
ويضيف المصدر: “شكّل الملف الأمني المدخل الأول لإعادة اختبار العلاقات بين البلدين. كما قدم العراق بادرة حسن نية عندما أعاد الضباط والجنود السوريين الذين لجؤوا إلى أراضيه خلال عملية تحرير سوريا، وهو ما أسهم في تهيئة الأجواء وتسهيل استئناف العلاقات”.
ويلفت إلى أنه خلال التطورات الأخيرة، ولا سيما في أعقاب الحرب الإيرانية الأميركية، أصبح حجم الحاجة إلى تعزيز التعاون السوري العراقي أكثر وضوحاً، خاصة مع تصاعد تيار داخل العراق يبدي تململاً من نفوذ الفصائل المسلحة وسيطرة ميليشيات الحشد الشعبي على القرار، ويسعى إلى تقليص هذا النفوذ وتعزيز دور الحكومة المركزية، مؤكداً على أن البلدين يتشاركان المخاوف نفسها المرتبطة بوجود التنظيمات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة، والحاجة إلى التوصل إلى حلول مشتركة لمعالجة هذا الملف. وكان هذا التوجه واضحاً لدى كل من الحكومة السورية في دمشق والحكومة المركزية في بغداد، كما أن هذه الهواجس الأمنية والاستراتيجية تتقاطع أيضاً مع المصالح الأمنية لتركيا.
البوابة الثانية
وبعد ذلك، ووفق المصدر ذاته، برز الجانب الاقتصادي بوصفه البوابة الثانية لتعزيز التعاون، إلى جانب المصالح الأمنية المشتركة، وشمل ذلك الحديث عن إعادة افتتاح المعابر الحدودية، وتنشيط التبادل التجاري، فضلاً عن الكميات من الحبوب التي قدمتها الحكومة العراقية من فائض إنتاجها إلى سوريا.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما أعلنته دمشق وبغداد خلال زيارة وزير الخارجية العراقي إلى سوريا، حيث اتفق الجانبان على توسيع التعاون في مجالات الطاقة، ونقل النفط، والمياه، والزراعة، إلى جانب تعزيز التنسيق الأمني وضبط الحدود، وهي ملفات يُتوقع أن تتصدر أيضاً جدول أعمال زيارة الزيدي المرتقبة.
ولا تبدو الحاجة إلى التعاون مقتصرة على الملفات الاقتصادية، إذ يرى خليفة أن أمن الحدود وملاحقة تنظيم “داعش” ومنع أي تدخل متبادل في الشؤون الداخلية باتت قضايا لا يمكن لأي من البلدين التعامل معها بصورة منفردة، ما يجعل التنسيق المؤسسي بين الحكومتين ضرورة لحماية استقرار المنطقة.
وفي السياق نفسه، يرى حازم الغبرا، مستشار سابق في وزارة الخارجية الأميركية، في حديثه لـ “المدن”، أن التحولات التي تشهدها دمشق وبغداد تفتح الباب أمام صياغة علاقة مختلفة عن تلك التي حكمت البلدين طوال العقود الماضية، لافتاً إلى أن العراق وسوريا يمران بمرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة، وهو ما يفرض تعميق التعاون في مكافحة الإرهاب، وإنعاش الاقتصاد، والحد من التدخلات الخارجية التي ساهمت في إطالة أمد الأزمات في البلدين.
العلاقات إلى مرحلة جديدة
ويعتبر الغبرا أن العلاقات بين سوريا والعراق تدخل مرحلة جديدة تختلف جذرياً عن الماضي، مشيراً إلى أن العلاقة بين نظامي صدام حسين وحافظ الأسد كانت قائمة على العداء، ثم شهدت المزيد من التدهور بعد سقوط نظام صدام، بسبب ما وصفه بالدور السلبي الذي لعبه نظام بشار الأسد في تغذية الجماعات المتطرفة داخل العراق، إضافة إلى النفوذ الإيراني الواسع في بغداد خلال السنوات الماضية، وفق وصفه.
وأعرب الغبرا عن أمله في أن تثمر الزيارة الحالية والزيارات المقبلة عن تعزيز التعاون بين البلدين، ولا سيما في المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية، ومن بينها إعادة إحياء مشاريع نقل النفط من العراق والخليج عبر سوريا إلى البحر المتوسط، خاصة في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة.
في المقابل، يشير المصدر الخاص في وزارة الخارجية السورية، إلى أن الزيارة تعكس أيضاً تحولاً داخل العراق نفسه، مع تنامي حضور الحكومة المركزية في إدارة الملفات الإقليمية، مقابل تراجع تأثير المقاربات الفصائلية التي كانت تنعكس سابقاً على العلاقة مع دمشق، معتبراً أن هذا التحول يتيح فرصة حقيقية لتوسيع التعاون في ملفات الأمن والاقتصاد والطاقة.
اهتمام أميركي
ولا تنفصل هذه التحركات عن الاهتمام الأميركي المتزايد بمسار العلاقات السورية العراقية، فبحسب المصدر ذاته، فإن الإدارة الأمريكية التي تعمل حالياً على إعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، باتت تنظر إلى الملفين السوري والعراقي باعتبارهما مترابطين من الناحيتين الأمنية والاقتصادية، وتتعامل معهما ضمن إطار واحد، ومن خلال مسؤول واحد، وبالقدر نفسه من الاهتمام.
ويتفق الكاتب في الشأن السياسي، عبد الرحيم خليفة مع هذا التقدير، معتبراً أن وجود مبعوث أميركي واحد لكلا البلدين (توم براك)، سيساهم إلى حد كبير في إعادة هندسة العلاقات بين الجانبين بما يخدم مصالح كل الأطراف وضمن رؤية مشتركة.
وفي ضوء المؤشرات التي سبقت الزيارة، يبدو أن دمشق وبغداد تحاولان الانتقال من مرحلة إدارة الحساسيات التاريخية إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة.
وإذا نجح لقاء الشرع والزيدي في تحويل التفاهمات السابقة إلى خطوات تنفيذية، فإن العلاقات بين البلدين قد تدخل مرحلة جديدة عنوانها التعاون الأمني والاقتصادي، بعد سنوات طويلة طغت عليها حسابات الصراع والانقسام، وسط رعاية أميركية تبدو معنية بترسيخ هذا المسار، دون أن تحل محل إرادة العاصمتين في صياغة مستقبل العلاقة.
المصدر: المدن





