
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، المرتقب تنظيمها في سبتمبر/ أيلول المقبل، عاد إلى الواجهة جدل قديم يتعلق بجدوى المشاركة السياسية، وحول الخيار بين الانخراط في العملية الانتخابية أو مقاطعتها. غير أن هذا النقاش، رغم حضوره في الخطاب السياسي والإعلامي، لم يعد يحظى بالاهتمام نفسه لدى فاعلين سياسيين كثيرين أو لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، التي باتت تنظر إلى الانتخابات محطّة لا تنتج بالضرورة تحوّلات ملموسة في حياتها اليومية.
ففي آخر استحقاق تشريعي شهده المغرب سنة 2021، بالكاد تجاوزت نسبة المشاركة عتبة 50% من المسجّلين في اللوائح الانتخابية، وناهز عددهم 16 مليون مسجل، في وقت ظل فيه مثل هذا العدد من المواطنين البالغين سن التصويت خارج هذه اللوائح، ما يرفع نسبة غير المشاركين سواء المسجلين أو غير المسجلين إلى نحو 24 مليون مواطن، وهو رقم يعكس حجم الفئة التي لا ترى في الانتخابات آلية قادرة على تغيير واقعها أو التأثير في مسار القرار السياسي. بالنسبة إلى هذه الكتلة الواسعة من المواطنين، جرت الانتخابات أو لم تجر، فإن النتيجة تبدو واحدة من خلال استمرار واقع سياسي لا يشعرون بأنهم طرف فاعل في تشكيله.
عودة النقاش حول المشاركة والمقاطعة هذه المرة ارتبطت بتصريح لمحمد عبادي، المرشد العام لجماعة العدل والإحسان، أكبر جماعة إسلامية معارضة في المغرب، والتي اختارت منذ تأسيسها عدم المشاركة في الانتخابات. وجاء تصريح عبادي في حديث مطول عن مساره الشخصي وعن تجربة حركة 20 فبراير/ شباط سنة 2011، التي شكلت النسخة المغربية من موجة الاحتجاجات التي عرفها العالم العربي آنذاك. وكانت هذه الجماعة من القوى التي انخرطت في تلك الحركة الاحتجاجية، في الوقت الذي اختار فيه حزب العدالة والتنمية معارضتها. وقد كان ذلك الموقف، بحسب منتقديه، عاملاً ساهم في فتح الطريق أمام هذا الحزب للمشاركة في تدبير الشأن الحكومي، بل وقيادة الحكومة لولايتين متتاليتين، في مرحلة كانت فيها السلطة بحاجة إلى قوة سياسية قادرة على امتصاص جزء من غضب الشارع وتحمل كلفة التدبير السياسي لمرحلة ما بعد احتجاجات 2011.
نهاية تجربة “العدالة والتنمية” الحكومية جاءت عبر صناديق الاقتراع نفسها سنة 2021، في انتخابات شكلت تراجعاً مدوياً للحزب
غير أن نهاية تجربة “العدالة والتنمية” الحكومية جاءت عبر صناديق الاقتراع نفسها سنة 2021، في انتخابات شكلت تراجعاً مدوياً للحزب الذي انتقل من قيادة الحكومة إلى موقع هامشي داخل البرلمان. وهي نتيجة يراها بعضهم دليلاً على قدرة النظام الانتخابي والمؤسساتي في المغرب على إعادة ضبط المشهد السياسي عبر آليات قانونية وإجرائية تجعل السلطة بعيدة عن اتهامات التزوير المباشر، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة حول حدود تأثير الانتخابات في صناعة التحولات السياسية الكبرى.
ما منح تصريح مرشد “العدل والإحسان” أهمية خاصة، وأعاد إحياء النقاش حول سؤال المشاركة والمقاطعة، كانت ردة فعل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، الذي وجد في هذا الموضوع فرصة لإعادة طرح أطروحته القديمة حول “الإصلاح من الداخل”. ففي وقتٍ يخوض فيه بنكيران حملة سياسية مبكرة منذ أشهر، تبدو رهاناتها مرتبطة أكثر باستعادة الحضور السياسي لحزبه والعودة إلى دائرة السلطة منها بتقديم تصور جديد لإصلاح بنية الحكم، حيث يجوب الرجل مناطق المغرب، مستعيداً أسلوبه الخطابي القائم على النكات والقفشات واستحضار منجزات حكومته السابقة، مع التركيز على الدور الذي لعبه حزبه سنة 2011 في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.
ولهذا كان بنكيران أول من التقط تصريح مرشد “العدل والإحسان” وحاول توظيفه سياسياً، عبر تذكير السلطة بأنه كان هو الذي وقف في صفها في لحظة كان فيها جزء من الشارع يطالبها بالإصلاح والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ومن هذا المنظور، لا ترتبط إثارته لنقاش المشاركة والمقاطعة فقط بالبعد الفكري أو الإيديولوجي لهذا السؤال، بقدر ما تحمل رسائل سياسية موجهة إلى دوائر القرار، مفادها أن وجود حزب مثل “العدالة والتنمية” داخل المؤسسات يشكل، في نظره، خياراً أكثر أمناً من ترك الساحة لدعاة المقاطعة.
حين تتحوّل الأحزاب إلى مجرد أثاث لتـزيين المشهد، تفقد الانتخابات جزءاً من قدرتها على إقناع المواطنين بجدواها.
أما جماعة “العدل والإحسان”، التي أعاد مرشدها، عن قصد أو من دونه، فتح هذا النقاش القديم، فلم تنخرط في السجال الذي حاول بنكيران جرها إليه، لأنها تدرك أن ما يهم حزب “العدالة والتنمية” ليس بالضرورة البعد النظري والفكري لقضية المشاركة والمقاطعة، وإنما توظيفها في معركة سياسية مرتبطة برغبته في نيل رضى السلطة عليه ليعود إلى بيتها طامعاً طائعاً.
لكن بعيداً عن الخلاف بين ما يمكن تسميتهم الإسلاميين المعارضين وإسلاميي القصر الذين اختاروا المشاركة من داخل مؤسسات الدولة، فإن سؤال المشاركة والمقاطعة في المغرب ليس جديداً، بل هو سؤال تاريخي ارتبط منذ السنوات الأولى للاستقلال بطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع والقوى السياسية. ظهر هذا السؤال، أول الأمر، مع بوادر الخلاف الأول بين القصر والحركة الوطنية حول قضية توزيع السلطة. ففي وقت سعت فيه المؤسسة الملكية إلى الحفاظ على موقع مركزي في صناعة القرار، كانت قوى داخل الحركة الوطنية تطمح إلى بناء نموذج يقوم على تقاسم السلطة وإشراك الأحزاب في الحكم. وقد أدى هذا الخلاف إلى صراع طويل بين الدولة وجزء من الحركة الوطنية، خصوصاً التيارات اليسارية والتقدمية التي اختار بعضها طريق المواجهة الجذرية والتغيير الثوري.
وقد دفع اليسار المغربي ثمناً باهظاً خلال ما عُرف لاحقاً بسنوات الجمر والرصاص في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، قبل أن يختار التيار الأكبر داخله، ممثلاً في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ما سماها “استراتيجية النضال الديمقراطي من داخل المؤسّسات” منتصف سبعينيات القرن الماضي. غير أن السلطة، التي كانت قد خرجت من مرحلة الصراع السياسي وهي أكثر تمسكاً بمنطق الضبط والتحكّم، لم تفتح المجال بالشكل الذي كان ينتظره أنصار التغيير من الداخل. واستمر التضييق على المعارضة، إلى جانب استمرار الانتقادات المرتبطة بنزاهة العملية الانتخابية، وهو ما أدّى تدريجياً إلى تراجع شعبية الحزب الذي كان يمثل أكبر قوة معارضة اجتماعية وسياسية، لينتهي به الأمر إلى موقع هامشي داخل المشهد السياسي الحالي.
وهذا المصير هو ما كانت جماعة العدل والإحسان قد حذرت منه حزب العدالة والتنمية سنة 2011، عندما دخل تجربة الحكم من بوابة ما اعتبرته محاولة لإصلاح النظام من الداخل. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لإعادة طرح سؤال المشاركة والمقاطعة من طرف مرشد الجماعة، أي تذكير الرأي العام، وخاصة جمهور “العدالة والتنمية”، بأن الانخراط في المؤسسات بهدف تغييرها قد يؤدي أحياناً إلى تغيير الفاعلين أنفسهم، وإلى تآكل خطابهم وشعبيّتهم، كما حدث مع تجارب سياسية سابقة.
ليس سؤال المشاركة والمقاطعة، في نهاية المطاف، مجرد اختيار تقني بين الذهاب إلى صناديق الاقتراع أو الابتعاد عنها، بل هو سؤال أعمق يتعلق بعلاقة المواطن بالدولة
وبعيداً عن هذا الجدل العقيم، يبقى السؤال الأهم، الذي غالباً ما يغيب عن النقاش العمومي، ليس فقط هل نشارك أم نقاطع، بل هو سؤال الجدوى من الانتخابات أصلاً داخل نظام سياسي يظل فيه مركز القرار الحقيقي خارج المؤسسات المنتخبة! فالمعضلة الأساسية، بحسب منتقدي النموذج السياسي القائم حالياً، لا تكمن في عملية التصويت بحد ذاتها، وإنما في طبيعة توزيع السلطة وحدود استقلالية المؤسّسات المنتخبة. فحين تتحوّل الأحزاب إلى مجرد أثاث لتـزيين المشهد، وحين تصبح المجالس المنتخبة عاجزة عن إنتاج سياسات كبرى مستقلة، تفقد الانتخابات جزءاً من قدرتها على إقناع المواطنين بجدواها.
لهذا السبب، يظل حزب غير المهتمين بالسياسة أكبر قوة انتخابية غير منظمة وغير معترف بها في المغرب، إنها كتلة الأغلبية الصامتة التي لا تعبر عن نفسها داخل صناديق الاقتراع، لكنها تظهر أحياناً خارج القنوات المؤسساتية التقليدية، بشكل مفاجئ يصعب توقع حجمه أو توقيته، كما حدث خلال حركة 20 فبراير سنة 2011، والحراك الشعبي في منطقة الريف سنة 2017، ثم احتجاجات جيل زد سنة 2025.
ليس سؤال المشاركة والمقاطعة، في نهاية المطاف، مجرد اختيار تقني بين الذهاب إلى صناديق الاقتراع أو الابتعاد عنها، بل هو سؤال أعمق يتعلق بعلاقة المواطن بالدولة، وبمدى قدرة المؤسسات السياسية على إنتاج الثقة والأمل والإحساس بالفاعلية، فحين تفقد الانتخابات قدرتها على إقناع الناس بأن أصواتهم قادرة على صناعة الفرق، تصبح المشاركة مثل المقاطعة نفسها بلا جدوى وبلا معنى.
المصدر: العربي الجديد






