
أعرف أن هذا العنوان سيستفز كثيرين، وربما يذهب البعض إلى اتهامي بأنني أقلل من قيمة الديمقراطية أو أدعو إلى تأجيلها. وهذا ليس ما أقصده إطلاقاً. ما أريد قوله هو أن لكل مجتمع أولوياته، وأن الأولوية في سورية اليوم تختلف عن أولويات دول وصلت إلى الاستقرار بعد مسيرة طويلة من التحولات.
يعيش السوريون منذ أكثر من ستين عاماً تحت نير الاستبداد، والتصحر السياسي، ثم عاشوا أربعة عشر عاماً من الحرب التي مزقت المجتمع وأضعفت الدولة وأنتجت أجيالاً كاملة نشأت في بيئة يغلب عليها الخوف والانقسام والكراهية. خلال تلك السنوات لم يكن خطاب التحريض حكراً على طرف واحد، وإن كان نظام الأسد أكثر تنظيماً في استخدامه، إلا أن أطرافاً أخرى وقعت في الفخ نفسه وأسهمت، بدرجات مختلفة، في تعميق الانقسام بين السوريين.
لهذا أرى أن نقل التجربة الديمقراطية الغربية كما هي لن يحل المشكلة. تلك المجتمعات لم تصل إلى ما هي عليه بقرار سياسي أو بانتخابات فقط، بل مرت بصراعات طويلة وحروب وثورات وتحولات اجتماعية وفكرية واقتصادية حتى ترسخت فيها فكرة المواطنة، ثم أصبحت الديمقراطية إطاراً يحميها ويطورها.
أما نحن فما زلنا نفتقد الأساس الذي تقوم عليه أي تجربة ديمقراطية ناجحة. ما زال السوري يخاف من السوري الآخر بسبب دينه أو طائفته أو قوميته. وما زال هناك من يعتقد أن الحل هو العيش في منطقة مغلقة لا تضم إلا من يشبهه، حتى وصل الأمر بالبعض إلى اعتبار تقسيم البلاد مخرجاً مقبولاً. وهذه ليست بيئة تستطيع الديمقراطية أن تزدهر فيها، بل قد تتحول فيها إلى وسيلة لتعميق الانقسام بدلاً من تجاوزه.
من هنا أقول إن بناء المواطنة يجب أن يكون المهمة الأولى. وسأقول ما قد يرفضه كثيرون، وهو أن العرب السنة، باعتبارهم الأكثرية العددية والحامل الأكبر لفكرة الدولة السورية، مطالبون اليوم بتقديم أكبر قدر من المبادرات والضمانات لبقية المكونات. ليس لأنهم مسؤولون عما جرى، بل لأن الأوطان لا تبنى إلا عندما يقدم الأقوياء قبل غيرهم خطوات تطمئن الجميع. قوة الأكثرية الحقيقية لا تظهر في قدرتها على فرض إرادتها، بل في قدرتها على احتضان شركائها في الوطن.
تعزيز المواطنة يبدأ بإعادة اكتشاف السوريين لبعضهم من جديد، وإحياء ما تآكل من الثقة بينهم قبل أن يحول نظام البعث الدولة إلى منظومة تقوم على التفريق بين الناس وإثارة الشكوك بينهم. ثم جاء حافظ الأسد ليجعل الخوف أسلوب حياة حتى أصبح الأخ يخشى أخاه، والجار لا يثق بجاره، وتحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات للرقابة والسيطرة بدل أن تكون مؤسسات لخدمة المواطنين.
لهذا أعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عمل سياسي هادئ ومتدرج. ومن المهم ألا تتأخر السلطة في تشكيل برلمان حقيقي يكون ساحة للنقاش الوطني المسؤول، تناقش فيه القضايا الكبرى التي لا يمكن تجاوزها مثل الدستور والعدالة الانتقالية والسلم الأهلي وتجريم الفكر الأسدي باعتباره فكراً قام على القمع والاستبداد، إضافة إلى وضع القوانين التي تضمن المساواة بين جميع السوريين أمام الدولة.
عندما يشعر السوري، أيّاً كان انتماؤه، بأن حقوقه مصانة وأن كرامته محفوظة وأن القانون يحميه بالتساوي مع غيره، عندها تصبح الديمقراطية خطوة طبيعية وليست مغامرة مجهولة النتائج.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ثقافة وثقة وشعور عميق بالانتماء إلى وطن واحد. وإذا نجحنا في بناء هذه المواطنة، فستأتي الديمقراطية بثبات، وستكون أكثر قدرة على حماية سورية ومستقبل أبنائها.






