الخروج من زمن الدمية

آدم فتحي

 

ثمّة دميتان تسكنان ذاكرة الأدب الحديث، مثل جارتَين غريبتين يفصل بينهما جدار عازل. تعثر على الأولى في رواية إسماعيل كاداريه “الدمية” (2015)، حيث الأمّ كتلةٌ يغلب عليها الصمت، وتتحرّك بلا خيوط، وذاك تحديداً ما يُخيف، لأنّ الدمية التي تُحَرَّك بواسطة خيوط يمكنك أن تقطع خيوطها، على النقيض من التي تمارس “دُمْيَوِيّتها” من تلقاء نفسها. أمّا الدمية الثانية فهي التي تُنسب إلى فرانز كافكا. ويبدو أنّه كان يتجوّل في حديقة برلين عام 1923، حين التقى طفلةً فقدت دميتها وأخذت تبكي بكاء مرّاً، فقرّر، وهو مقبلٌ على الموت، أن يواسيها، وكتب على لسان الدمية رسائل أسبوعية تفيد بأنّها سافرت وتعلّمت ثم تزوّجت. كذبة مُتقنة بُنِيت بإحكام كي يتحمّل قلبُ الطفلة الصغير ألمَ الفقدان، واستَلهم منها فابريس كولان عملاً بعنوان “دمية كافكا” (2016).

بنى كافكا كذبته المُتقنة كما يبني المعماريُّ جداراً في الهواء، لا ليخفي الهوّة، بل ليُتيح للماشي فوقها أن يستمرّ في المشي من دون أن يسقط. غير أنّ خطر هذه الفلسفة لا يكمن في الكذبة ذاتها، بل في احتمال أن يتحوّل الكذبُ إلى بلاغة دفاعية، نكتب بها رسائل لأنفسنا لنؤجّل الحقيقة، إلى أن تنسى الطفلة أنّها كانت تبكي أصلاً. أمّا كاداريه فقد فعل ما هو أقسى: لقد جعل دميتَهُ تكتب رسائلها بنفسها، بخطٍّ جميل، من دون أخطاء إملائية. والمأساة هنا ليست في القبح بل في تجميله بتصويره. الخطأ جزءٌ من طبع الإنسان، وإذا كانت الكتابة نظيفة أكثر ممّا ينبغي فاعلم أنْ ليس وراءها إنسان. لكأنّ كاداريه يقول لك في جملة واحدة ما يستغرق علم النفس السياسي مجلّدات في قوله: لا تنتج الدكتاتوريةُ بالضرورة وحوشاً واضحة الملامح، بقدر ما تنتج، في أحيانٍ كثيرة، وجوهاً تشبهك، وهذا أشدّ رعباً، في هذا العصر المدجّج بالخوارزميّات والسرديّات، التي تحاول تلهيتك عمّا هو تراجيديّ من دون أن تجعلك تدرك أسبابه. ولعلّك الآن قد غدوت الدميتين معاً في آنٍ: يكتب الذكاء الاصطناعي سرديّتك بأسلوب كافكا، لكنّه يدعوك إلى الاحتضار بأسلوب كاداريه.

مشهدٌ يغلب عليه وجَعٌ غير مفهوم، تطلّ عليك منه دُمية ثالثة، يخيّلُ إليك أنّها أشبهُ بك. ولعلّها “أمّ سعد” في نصّ غسان كنفاني (1969)، تلك المرأة التي تخدم وتصمت وتتحمّل كأنّها من خشب، حتّى إنّ الناقد المتعجّل قد يُصنّفها ضمن دُمى كاداريه: الفراغ المُتقن. الأداء الأجوف. النص المرسوم. لكنّ كنفاني يضحك على هذا الناقد المتعجّل ويُفاجئه في لحظة واحدة حاسمة، حين تُرسل “أمّ سعد” ابنها إلى ما تعتقد أنّه “المعنى”. والحقّ أنّ صمتها ليس امتداداً لفراغ كاداريه القلِق، بقدر ما هو اكتنازٌ ثقيل، يعرف أن الدمية هنا ليست في حاجة إلى السر والمهارة لتعويض الفقدان والتمويه على الغياب، بل هي جسدٌ حيٌّ قرّر في لحظة أن “يختار” وأن يتوقّف عن أداء النص المرسوم له.

تلك هي العبرة التي يتأخّر الأدب كثيراً في استخلاصها: الإفراط في السرد مخدّر، والمبالغة في البحث عن الإتقان عدمية. عليك السير على نهج “أمّ سعد”: الخروج من منطق الدمية. وحين تستيقظ الدمية في نهاية السرديّة، لا ينبغي أن نسألها: مَن كتب رسائلك؟ بل علينا أن نسألها: هل عرفت أخيراً أنّك دمية؟ تلك هي اللحظة التي تقلب المعادلة رأساً على عقب، في طريق الخروج من زمن الدمية.

تكشف الخيوط المحرّكة لدُميتَي كافكا وكاداريه عن كونها نازلة من فوق. أما “دميتك” فيُتلاعَب بها من تحت. والحقّ أنّ الخروج من “زمن الدمية” لا يكون بالبطولة الفردية المنعزلة عن سياقها الجماعيّ، بل في الالتحاق بحكمة “أمّ سعد”، ودمجها بحكمة دمية أخرى، رابعة، يُطلق عليها في الثقافة الشعبية التونسية اسم “أمّك طنقو”: دمية عجيبة بقدر ما هي عادية، تُصنع من خشب ولحم وأضغاث أحلام، وتُلقى عليها الملابس الملوّنة، ويحملها الأطفال بين المنازل في أوقات القحط والقصف، وهم يُردّدون “أمّك طنقو يا نساء، طلبت ربّي ع الشتاء”، ومن حولهم ربّات البيوت يسكبن عليها قليلاً من الماء اعتقاداً بأنها ستجلب المطر بصوت الأطفال، بينما الأطفال يعرفون أنها لن تجلب الغيث النافع، ويغنّون على أي حال، وربما كان هذا تحديداً ما يجلبه.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى