
ينخفض إلى مستوىً غير مسبوق تعبيرُ السوريين عن تفاعلهم مع المونديال، بينما لا تتوقف تفاعلاتهم مع أحداث محلية صغيرة جداً. ولئن اعتادوا تاريخياً غيابَ منتخبهم عن كأس العالم، فإن المونديال الحالي يسجّل غيابهم عن صفوف المتفاعلين في السوشيال ميديا، بخلاف المونديال السابق مثلاً حيث كانوا أكثر إفصاحاً عن حماستهم لمنتخبات بعينها، ومن ثم تبادل النكايات اللطيفة المرِحة بين مشجّعي الفرق المتنافسة على الصدارة.
تابع السوريون، قبل الموسم الأخير، ثلاث نسخ من المونديال بعد اندلاع الثورة، رغم أن أحوالهم كانت سيئة في العموم. وعبّروا عن تفاعلاتهم مع فرقهم المفضّلة، وإن لم يكن التفضيل دائماً يعبّر عن ذائقة كروية. فمما لا شكّ فيه أن الانحيازات الكروية تأثرت بنظيرتها السياسية، تحديداً الانحيازات إلى منتخبات لدول كانت منخرطة في الصراع السوري. لكن هذا الانقسام بقي تفصيلاً ضمن انقسام السوريين الأكبر بين موالي الأسد وخصومه، الانقسام الذي كان قد تجلّى بافتراق على وسائل التواصل.
من تأثيرات الحدث السوري وجودُ ملايين ممّن صار لهم منتخبات وطنية جديدة، وكانت نسخ المونديال السابقة قد أظهرت تفاعل اللاجئين السوريين مع منتخبات بلدان اللجوء، لتكون الأخيرة بمثابة منتخبات وطنية بديلة، أو ربما أصيلة! هناك مثلاً حوالى مليون ونصف لاجئ سوري في ألمانيا، الآلاف منهم عبّروا عن تشجيعهم المنتخب الألماني في تلك النسخ، في حين يغيب هذه الأيام ضجيجهم عن مواكبة فريق الماكينات الذي تأهّل إلى الدور الثاني.
ومن المبررات المحتملة لإشهار الانتماء إلى منتخبات بلدان اللجوء تلك الحاجة إلى الانتماء التي كانت لدى جمهور اللاجئين، وثمة أيضاً تلك النقمة على الأوضاع في البلد الأم، بما فيها أوضاع منتخب كرة القدم الخاضع لسيطرة الأسد. ثمة نكاية تجاه ذلك في تعبيرات اللاجئين خلال النسخ الثلاث السابقة للمونديال، وصمت المشجّعين أنفسهم الآن يمكن تأويله بالمنطق نفسه، إذ تنعدم أسباب النكاية مع البلد الأم، بل هناك نسبة كبيرة من مؤيدي السلطة الحالية لا تزال موجودة في بلدان اللجوء، وأفرادها يجدون حرجاً في إظهار ولائهم السابق لمنتخبهم الوطني البديل، فوق حرج أنهم لا يرجعون.
ربما، على سبيل الهزل، يجوز القول إن إضراب السوريين عن التفاعل مع المونديال رحمة، فهم لا تنقصهم أسباب الشقاق. ومن المتوقع ألا تقتصر خلافاتهم الكروية على الجانب اللطيف البهيج، في حال أسفروا عنها على وسائل التواصل بالطريقة ذاتها التي يسفرون بها عن خلافاتهم السياسية. إلا أن صحة هذا التفسير الهزلي والحكيم مستبعدة، بقدر ما هو مرجَّح توق النشطاء على وسائل التواصل إلى “ترند” ينقسمون حوله بشراسة من الجيد أن معظمها افتراضي حتى الآن.
على الضد من الافتراض السابق، نعتقد أن واحداً من أقوى أسباب إضراب السوريين عن المونديال يكمن في الخشية من أن الانقسامات الكروية غير مطابقة للانقسامات السياسية. أي إن الانزلاق في مغامرة التشجيع الكروي تهدد بعبور خطوط التماس السياسية، وهو ما لا يريده الصامتون عن أهوائهم الكروية. ليست الغاية إطلاقاً تفادي المزيد من الشقاق، بل هي تفادي إفساد الشقاق الحاضر والشرس بشقاق آخر لطيف ومرح.
الانقسام بين السوريين واصل حقاً إلى حد النكاية، وإلى الحد الذي يتخذ فيه البعض موقفه بدلالة الآخر-الخصم. هذه الوضعية جرّبها السوريون منذ الثورة، وبعد سقوط الأسد تغيّرت الاصطفافات، لكن مع المحافظة على الجذرية والحدّة التي كانت للاصطفافات السابقة. ملمح الاختلاف الآخر هو أن الانقسامات كانت صارمة بين السوريين على وسائل التواصل، بينما هي ليست كذلك الآن، ليس بعد، بين حلفاء الأمس ومتخاصمي اليوم. وعدم وجود قطيعة يغذّي أسباب الشقاق وانفعالات الغضب والنقمة، ويغذّي نوازع تعريف الذات بدلالة الآخر، ليجعل الخصم ضرورة انفعالية أكثر منه ضرورة سياسية ومعرفية.
ويجوز إلى حد كبير الزعم بأن الروح الرياضية مفتقدة، لحساب القسوة والتجهّم والرغبة في سحق الخصم. أي بخلاف ما يستدعيه التشجيع الكروي من انقسامات ودية، وتعصّب مهما اشتدّ فهو غير مؤذٍ، وقبول بمبدأ الربح والخسارة، مهما كانت الثانية ثقيلة على القلب. هذه المفارقة بين واقع السوريين وعوالم المونديال تجعل معظمهم تلقائياً خارج البنية الانفعالية المعتادة لدى المشجّعين؛ إنهم أثقل بكثير من تلك الكرة الرشيقة التي تتناهبها الأرجل والأعين بعشق.
الجدية المفرطة عامل آخر يطرد الانغماس في المتع، ومنها متعة المونديال، وما يحيط به من أجواء اجتماعية بهيجة حتى في عداواتها المؤقتة. والمفارقة أن الجدية المفرطة راحت تنتشر بعد سقوط الأسد الذي من المفترض أن يتسبب بانشراح مستدام، ولن نستعرض في المقابل مبررات الغضب في أماكن مثل الساحل والسويداء فهي لا تفسّر تلك الجدية لدى موالي السلطة وجمهورها، بمن فيهم أولئك الذين كانوا مرحين من قبل، ومساهمين في الضجة المونديالية على وسائل التواصل. أكثر من أي وقت، بعد انطلاق الثورة، تبدو اليوم فضائل المتع والمرح والخفة والسخرية مذمومة على نطاق واسع؛ ربما في الوقت الذي تمسّ فيه الحاجة إليها.
ضمن المناخ نفسه يمكن استحضار فرضية مشاركة المنتخب السوري في المونديال، وتخيُّل ما سيكون عليه الحال لو تأهل المنتخب إلى هذه النهائيات. ربما من المستحسن عدم متابعة هذه الفرضية، وما قد تجرّه في هذه الظروف، فالاجتماع على منتخب وطني دونه اجتماعات أخرى. على أية حال، لم يخالف المنتخب السوري عاداته في تصفيات المونديال، ولم يظهر في أية مناسبة بعد سقوط الأسد مختلفاً عمّا قبل، مثلاً على غرار الصورة القوية التي قدّمها المنتخب العراقي بعد إسقاط صدام حسين.
في غياب منتخبهم الوطني الأم، لدى السوريين باقة من المنتخبات الوطنية البديلة، قلّما وُجدت لدى جمهور آخر. ربما هناك مئات آلاف منهم يشجّعون منتخباتهم البديلة بعيداً عن وسائل التواصل الاجتماعي، وما قد تجرّه عليهم من خصومات غير مرحة. الانكفاء الوقائي يمكن تفهُّمه في الظروف الحالية، لكن مع الكثير من الأسف على غياب الأجواء الكرنفالية المعتادة. ومن المؤكد أن الأسف يتعمق إذا تذكرنا أن السوريين يستحقون خصومات كتلك التي في الملاعب، خصومات أرأف بهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الواقع أيضاً.
المصدر: المدن






