عن السذاجة العربية في زمن الفجور الغربي

    سلامة عبد الحميد

                                                                                    

يكشف الموقف الغربي من العدوان الإسرائيلي الإجرامي على قطاع غزّة أن غالبية العرب يتجاوزون الطيبة إلى مرحلة السذاجة، بينما هذا في عالم السياسة نقطة ضعف فتاكة، وربما السذاجة، إلى جانب الخضوع والتبعية، هي ما سمحت لإسرائيل بمواصلة تدمير غزّة على سنتين، واحتلال أكثر من نصف مساحتها، ومحاولة تكرار الأمر نفسه في جنوب لبنان، وفي جنوب سورية.

قارن ما فعله العرب بما فعلته إيران في غضون صراعها أخيراً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وكيف تواصل التحدّي رغم كل الخسائر، بينما قرّر العرب الاستسلام من دون حتى محاولة المواجهة. … التعامل الغربي مع العرب امتداد طبيعي لميراث استعماري ما زالت كل الدول العربية تعاني من تداعياته، شمل تكرار التدخل العسكري، وحدود “سايكس بيكو”، وزرع بذور الفتن الطائفية والعرقية، حتى حين رحل الجنود، ترك المستعمرون وراءهم دولاً مُفكّكة، وحدوداً مأزومة، ونخباً توارثت التبعية، فضلاً عن عقود اقتصادية جائرة، وشركات نفط متعددة الجنسيات. ما زالت دول عربية تملك احتياطيات نفطية ضخمة، مثل الجزائر والعراق وليبيا، تُصنّف ضمن الدول الفقيرة نسبياً، بينما تتدفق ثرواتها نحو خزائن الغرب.

كان الأوروبيون لعقود يُبررون استعمارهم بـ “التمدين” و”التحديث”، وها هو الأميركي يُبرّر تدخلاته العسكرية بـ “نشر الديمقراطية”، وفي الحالتين يظل الهدف واحداً، وهو السيطرة على الثروات، وعلى الممرات الاستراتيجية، وتفكيك أي قوة عربية قد تُشكّل تهديداً للمصالح الغربية، أو تقاوم إجرام إسرائيل.

من بين مظاهر النفاق الغربي رفض استقبال المهاجرين العرب، رغم أن هؤلاء المهاجرين هم نتاج سياساتهم المدمّرة في بلادنا

ومن بين مظاهر النفاق الغربي رفض استقبال المهاجرين العرب، رغم أن هؤلاء المهاجرين هم نتاج سياساتهم المدمّرة في بلادنا، فالحروب التي شنّتها أميركا وحلفاؤها الأوروبيون على العراق والصومال وليبيا وسورية وغيرها، والعقوبات التي فرضتها على لبنان واليمن والسودان وغيرها، هي التي أنتجت موجات اللجوء. ويمتد الإجرام الغربي إلى دعم المستبدين بينما يتشدّقون بـ “حقوق الإنسان” و”الحريات”، وهم يدعمون الأنظمة الاستبدادية العربية، ويُزوّدونها بالسلاح والتقنيات لقمع الشعوب، فالديمقراطية الغربية ليست سوى غطاء للهيمنة، وهم يقبلون بالأنظمة المستبدة إذا كانت مطيعة، ويُسقطون الأنظمة المنتخبة إذا رفعت رأسها مطالبة بحقوق شعوبها.

يكرّر قادة ودبلوماسيون غربيون منذ سنوات حديثاً ممجوجاً عن الحوار بين الحضارات، واحترام القيم المشتركة، وحرية الرأي والتعبير، رغم أن أي نظرة موضوعية تؤكد أنهم لا يرون العرب إلا من خلال عين مصالحهم، وأنهم يؤطّرون العلاقة مع الحكام عبر حجم الاستفادة من الثروات والموقع الجيوسياسي، وليس عبر الشراكة الاستراتيجية. وبينما يصدق بعض العرب شعارات الحرية والديمقراطية الغربية، يؤكّد الواقع المعاش أنها ليست حقيقية، فحرية الرأي مرفوضة إن كانت تنتقد جرائم الغرب، وحقوق الإنسان ليست دائماً للجميع، بل تقتصر أحياناً على الغربي الأبيض، بينما القانون الدولي بلا قيمة حقيقية ما دامت لا تدفع نحو تطبيقه قوة عظمى.

تأسّست إسرائيل على الأراضي العربية وفق “وعد بلفور” البريطاني (1917)، ومنذ هذا التاريخ دعم الغرب كل جرائمها ضد العرب، وفي مقدّمتهم الفلسطينيون، وكانت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزّة بمثابة مختبر حقيقي للقيم الغربية، وقد ثبت خلالها زيفها، إذ تهاوت كل نظريات حقوق الإنسان، وتوارى القانون الدولي، ورأينا كيف تسابق القادة الغربيون على زيارة تل أبيب، وإعلان تضامنهم المطلق مع حكومة اليمين المتطرّف.

يكرّر قادة ودبلوماسيون غربيون حديثاً ممجوجاً عن الحوار بين الحضارات، واحترام القيم المشتركة، وحرية الرأي والتعبير، ونظرة موضوعية تؤكد أنهم لا يرون العرب إلا من عين مصالحهم

بعد تكشف الكثير من الفظائع، وباستثناء رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بات بعض قادة الغرب، بمن فيهم ماكرون وشولتز وستارمر، يطلقون عبارات إدانة مقتضبة لما تفعله إسرائيل، بينما يتدفق عتادهم العسكري عليها بلا توقّف، ويحمون حكومة نتنياهو في كل المحافل، وفي مجلس الأمن. … وفي قمّة مجموعة السبع أخيراً في فرنسا، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب: “بدون الولايات المتحدة، وبدوني شخصياً، لما كانت إسرائيل موجودة أو باقية اليوم”، تأكيداً إضافيّاً على واقع الحماية والرعاية، لا مجرد الدعم. وتشكل الصهيونية المسيحية تياراً سياسياً قوياً في الولايات المتحدة وأوروبا، وتعتبر دعم إسرائيل واجباً دينياً يمهد لـ “العودة الثانية” للمسيح، إلى جانب كراهية العرب والمسلمين.

في 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبعد أيام من “طوفان الأقصى”، قال وزير الخارجية الأميركي السابق، أنتوني بلينكن، في مؤتمر صحافي في تل أبيب: “أقف أمامكم ليس فقط لكوني وزيراً لخارجية الولايات المتحدة، ولكن أيضاً بصفتي يهودياً”. إنه خطاب اصطفاف قائم على الهوية الأيديولوجية يتجاوز الدبلوماسية إلى البُعد العقائدي الشخصي. ولم يجد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن حرجاً في المجاهرة بصهيونيته طوال مسيرته السياسية، وصولاً إلى تكراره خلال الحرب الأخيرة على غزة: “أنا صهيوني، وليس بالضرورة أن تكون يهودياً حتى تكون صهيونياً”.

ويفسّر انتقاد إسرائيل أحياناً بأسباب انتخابية، كما يفعل الديمقراطيون حالياً مع إدارة ترامب الجمهورية، فهذا النقد المُتأخر، لا يعكس تغيراً في المواقف، بل هو مجرد تكتيك سياسي لاسترضاء الرأي العام مؤقتاً.

المصدر: العربي الجديد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى