سورية وفلسطين أسئلة مطروحة وأخرى تنتظر

فراس شهابي

 

أقام المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة في دمشق، ورشة عمل (13-14 يونيو/ حزيران الجاري) تحت عنوان “سورية وفلسطين من التاريخ المشترك إلى أسئلة الدولة الجديدة”. شارك فيها باحثون قديرون، منهم السوري جمال باروت الذي قدّم ملخصاً تأريخيّاً عن الحروب بين سورية وإسرائيل، فكان عرضاً ممنهجاً وجديداً في أسلوبه، وممتعاً. وقدّم بعض المشاركين أوراقاً وازنة في أهميتها وطرحها، في مقابل أوراق متفاوتة في مدى جديتها. وفي العموم مثلت المشاركات مختبرا للواقع الفلسطيني الذي تستجد عليه أسئلة بدأت بعد سقوط نظام الأسد، وأخرى عالقة منذ سنوات الثورة السورية، سيّما المتعقلة بالمكانة القانونية للفلسطينيين في سورية. وقد قدّم المدير التنفيذي للمركز، إبراهيم درّاجي، عرضاً تاريخياً للتاريخ التشريعي السوري في ما يخص التعامل مع اللجوء الفلسطيني منذ 1948، من خلال وثائق النصوص التشريعية، ومداولات البرلمان السوري، وتقارير الحكومة أمام لجان الأمم المتحدة. وعدا عن الشقين، التاريخي والقانوني، في الورشة. كان للسياسة مكانها في الأوراق والنقاشات، لكنها وإن جاءت على أمور مهمة، غابت عنها أمور أخرى.

حاولت الأوراق البحثية وغير البحثية المقدمة تظهير إشكاليات الوجود الفلسطيني في سورية، في محاولة ضمنية لتقديمها على سلّم الأولويات السورية، فكان من الجيد طرح الأمر على المستويات: االقانوني والإداري والتنظيمي، وخلاله حضر موضوع التملك العقاري في النقاش، وأخذ حيّزاً مهماً من المحاضرات والمداخلات، وتحديداً أنه تحوّل إلى مصدر قلق لدى الفلسطينيين في سورية، بسبب تطبيق إجراءات تمنعهم من تسجيل العقارات، أو أنهم يلاقون صعوباتٍ كثيرة قبل التمكنّ من هذا. غير أن المشاركين اعتبروا أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في سورية الفضلى مقارنة بباقي دول اللجوء الفلسطيني، تحديداً لناحية الميزات، ورأى بعضهم عدم جواز مقارنة أوضاعهم بأوضاع أقرانهم السيئة في لبنان. وفي المقابل، تجوز المقارنة بالنماذج الفضلى، مثل أوضاع اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في دول الاتحاد الأوروبي وأميركا، فأكدوا أحقية أي فرد بالحصول على جنسية أي بلد يقيم فيه، ويطبّق شروط الحصول على الجنسية من دون التنازل عن جنسيّته الأصلية وحقوقه مواطناً.

ويبدو أن حديث الجنسية كان مربط الفرس لدى بعض المشاركين، قال بعضهم إن اللاجئين الفلسطينيين يريدون ويسعون ويحبذون التجنيس في سورية، مع احتفاظهم بجنسيتهم الأصلية فلسطينيين، والتأكيد أن هذا لا يسقط حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 لسنة 1948. وبيّن أصحاب هذا الرأي أن منطلقهم لذلك أمران أساسيان: المواطنة وحقوق الإنسان من جانب، والدماء الفلسطينية التي شاركت في صناعة النصر في سورية.

لم تنجح الورشة، على الرغم من عناوين كبيرة طرحتها، في إثارة كل المواضيع التي تثير الشارع الفلسطيني في سورية اليوم، وتجعله في حالة بحث عن إجابات له

وبرزت في هذا الشق آراء كانت أكثر مباشرة ووضوحاً، فقد طرح أصحابها سؤالاً عن أسباب عدم العودة إلى تطبيق القوانين الاستثنائية بحق الفلسطينيين في سورية، ومعاملتهم تحت بند “من في حكمهم” لتيسير أمورهم ومصالحهم العالقة، وفقاً لما كان سارياً بشكل طبيعي منذ 1956 وحتى 2011.

المستوى السياسي، وهنا كان لا بد من إبراز استغلال نظام الأسد الأب والابن واستخدامه ورقة اللاجئين الفلسطينيين (فلسطين ضمناً) عربياً وإقليمياً، وداخلياً عبر استنزاف طاقات الشعب السوري وموارده، فضلاً عن قمع المعارضين بذريعة القضية الفلسطينية؛ وعطفاً على التاريخ، ناقشت أوراقٌ تناقض الحضور السياسي الفلسطيني خلال الثورة السورية، من خلال التركيز على تأييد حركة حماس الثورة السورية، ودور بعض الفصائل التي أيدت النظام الأسدي. وبدا لافتاً في المداخلات ظهور مصطلح جديد على السياسة الفلسطينية، “الحياد السلبي”، والغريب أن مستخدميه حصروه بحركة الجهاد الإسلامي، في حين أنه ينطبق على الجبهتين، الشعبية والديمقراطية، ولكن اللافت أن أي محاضر لم يأت على ذكرهما.

… لم تنجح الورشة، على الرغم من عناوين كبيرة طرحتها، في إثارة كل المواضيع التي تثير الشارع الفلسطيني في سورية اليوم، وتجعله في حالة بحث عن إجابات له. ومن هذه المواضيع، تمثيل اللاجئين الفلسطينيين في سورية، فقبل الثورة السورية كانت هناك شخصيتان فصائليتان تمثلان مصالح الفلسطينيين في سورية: طلال ناجي وكان حينها الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية – القيادة العامة، وخالد مشعل وكان حينها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وكان الفلسطينيون والسوريون يتندرون بشأن موكبه الذي كان يُنظر إليه أهم من موكب رئيس الوزراء السوري، في إشارة إلى أهمية الوجود الفلسطيني وحضوره في سورية. بعد الثورة، أمست حالة التمثيل معلقة، فهل هي مرتبطة بسفارة فلسطين، أم بباسل أيوب ممثل الثوار الفلسطينيين في الثورة السورية، أم الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب، وهي أصلاً هيئة حكومة سورية تتبع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ودورها خدمي ومدني وتنظيمي لشؤون اللاجئين مرسومة بالقانون 260؟

وفي محاولة تعميق النقاش في هذا الجانب، أهدر وقت في نقاش البديهيات، سيّما من الحضور، وبعض المحاضرين حين انقلب النقاش إلى تخوين كل من وقفوا مع النظام الأسدي والمطالبة بمحاسبتهم، وهذا ضروري ومهم.

أوراق في ورشة نقاش لتظهير إشكاليات الوجود الفلسطيني في سورية، في محاولة ضمنية لتقديمها على سلّم الأولويات السورية

السؤال الآخر، ما هو مستقبل العلاقات السورية الإسرائيلية، وهل ستذهب الدولة السورية الجديدة إلى اتفاقيات سلام أو تطبيع مع دولة الاحتلال؟ قفزت معظم الأوراق المقدمة في ورشة العمل، تحديداً أوراق الفلسطينيين، نحو موضوع التجنيس من باب تحسين الوضع القانوني للملكية والأحقية والمساواة، لكن هذا الطرح تجاوز السؤال الجوهري، وهو سؤال السياسة، ماذا تريد إسرائيل في سورية ومن سورية، وكيف تنظر إلى قضية اللاجئين في سورية وغيرها؟ وليس طرح السؤال رفضاً للتجنيس أو غيره، بل إعادة ترتيب للأمور وفق منطقها السياسي. فأحد المحاضرين تحدّث عن قصف مخيم اليرموك من الطيران الروسي 28 يوماً سنة 2018، قبل خروج قوات المعارضة من المخيم، وعن خروج قوافل مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من منطقة القدم بالحافلات بعد التسوية مع النظام باتجاه اللجاة جنوبي درعا، وارتكابها مجازر بحق أبناء السويداء، فقال هذا المحاضر بعد أن شرح معاناته خلال حصار المخيم: “أطالب بحقّي في المساواة مع السوريين وهذه ليست منّة”. لكنه في استعراضه ما حدث غاب عنه نبش مقبرة الشهداء، رغم أنه كان في المخيم، وهو من أبرز الناشطين خلال هذا الحدث الجلل، الحدث الذي تحوّل إلى قضية “كبرى”. وبسبب الإنجاز الذي أحرزته إسرائيل في مقبرة اليرموك باستعادتها جثمان الطيار زخاريا باومل، شهدنا الفعاليات الرسمية لنتنياهو وبوتين باستقبال الجثمان في المقر الرئاسي الروسي في موسكو.

ما سبق هو إبراز لأهمية السياسة في مسألة الحقوق، إذ لا يمكن المطالبة بالمركز القانوني من دون الإجابة عن الأسئلة السياسية الأساسية، ومنها، هل سيسمح للفلسطينيين بممارسة السياسة والتنوع السياسي، وما هو شكله؟ وهل سيسمح لهم بممارسة ثقافتهم والحفاظ على هويتهم الوطنية الفلسطينية والتعبير عنها من خلال نواد وجمعيات ومؤسّسات وغيرها؟ وما هو وضع القرار 194 الذي ينظم حق العودة والمطالبة به في السياسة السورية، في حال جنّست اللاجئين الفلسطينيين لديها؟

… معروف أن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لا تمثّل الفلسطينيين في المعونة والطبابة والتعليم فقط، فهي لمن يدري الشاهد الحي على قضية اللاجئين، ليس لأنها منظمة دولية تلعب دور الولاية القانونية الدولية على اللاجئين الفلسطينيين فقط، إنما أيضاً لما تمتلكه من وثائق ومعلومات تخص اللاجئين الفلسطينيين في كل أماكن وجودهم. المفاجأة الكبرى في هذه الورشة أنها انقضت ولم يكن موضوع “أونروا” حاضراً فيها، وماذا سيفعل الفلسطينيون في سورية من دونها لو توقفت. … ولكن المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، تمكن إلى حد كبير، من خلال هذه الورشة من تحريك المياه الراكدة حول قضية اللاجئين الفلسطينيين في سورية، ولعل هذه الورشة تكون البداية فقط لنقاش طالما ظلّ مغلقاً وممنوعاً، والآن آن أوانه، وتالياً يبدو أنه من الضروري وضع دراسة معمقة وموثقة لفهم دور حركة حماس في الثورة السورية، وربما المرحلة التي سبقتها، سيّما أن للحركة وموقفها آثارا ونتائج محلية في سورية، وعربية وإقليمية أيضاً.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى