مشكلتنا مع إيران

  أحمد سعداوي

كان من المثير، إبّان الحرب على إيران أخيراً، أن ينشر وزير الخارجية الإيراني الأسبق، جواد ظريف، في معرض ردّه على تهديد ترامب بإنهاء الحضارة الإيرانية، تغريدة غاضبة أرفق بها خريطة الدولة الفارسية الأخمينية في عهد داريوس الأول (أو دارا الكبير، كما يوصف)، تُظهر الدولة الأخمينية وهي تسيطر على الشرق الأوسط من حدود ليبيا إلى أواسط آسيا، بما يشمل الجغرافيا التي تشغلها معظم الدول العربية الحالية، إضافة إلى تركيا.
قلت في وقتها إنّ المسؤول الإيراني إذا ارتدّ عن ولاية الفقيه، فإنّه يظلّ مشبعاً بأحلام إمبراطورية، ولكنّها هذه المرّة قومية الطابع، وربّما، في بعض الجوانب، يكون الإسلامي أكثر رحمةً من القومي أوالوطني. يقول هذا أيضاً مَن اختبروا، مثلاً، الإجراءات المشدّدة المتعلّقة بإقامة الأجانب في تركيا خلال السنوات الماضية، فهي لم تصدُر من مسؤولين في الحزب الحاكم (الإسلامي)، وإنّما من حليفه الصغير (القومي)، وغالبية التحريض في تركيا ضدّ الأجانب، وفي مقدّمتهم السوريون، تصدر عن القوميين الأتراك لا الإسلاميين. كذلك فإنّ جزءاً من خطاب الوطنية المصرية كان مصدر التحريض ضدّ السوريين المقيمين في مصر بعد إزاحة نظام بشّار الأسد، وكان لسان حالهم يطالب بإرجاع السوريين إلى بلدهم وتجريم الذين احتفلوا بسقوط الأسد، فصار من يحتفل بزوال نظام مجرم، في عرف هؤلاء “الوطنيين المصريين”، مؤيّداً لهيئة تحرير الشام تلقائياً.
في الثمانينيّات، وضمن برنامج “افتح يا سمسم”، كان يعرض دورياً مشهد رسوم متحرّكة عن امرأة تنادي زوجها لتخليص البيت من الفأر، فيقول إنّ الحلّ بجلب القط، ثمّ بعد مدّة تنادي الزوجة لإخراج القط الذي كسّر الصحون والأواني، فيجلب الزوج الكلب، وهكذا… في كلّ مرّة يعالج الداء بالداء، حتّى يعود إلى الفأر مرّة أخرى لإخراج الفيل، باعتبار أن الفّأر حلٌّ للمشكلة. المعضلة، في الغالب، ليست أيّ الأيديولوجيات أفضل وأصلح، وإنّما في ضرورة بناء نظام سياسي غير أيديولوجي تعمل الأيديولوجيات المختلفة في ظلّه.
في الأيّام الأولى بعد الاحتلال الأميركي للعراق، في إبريل/ نيسان 2003، كنت، مع غيري من الشباب، متحمّساً للتغيير، لكنّنا كنا نقرأ شعاراتٍ غريبة على الحيطان في بغداد، منها ذلك شعار يقول (بما معناه): لقد عاد الحكم إلينا بعد 80 سنة. توقّفت في وقتها وسألت صديقي الذي كان يرافقني: أليست 30 سنة؟ (وكنت أقصد سنوات حكم نظام صدّام حسين)، فردّ عليّ مفسّراً: لا. المقصود بالشعار أنّ النظام السياسي في العراق منذ تأسيس المملكة العراقية وحتّى سقوط نظام صدّام كان سنّياً، واليوم يعود الحكم إلى الشيعة (!). شعرتُ حينها بأنّ الأمور لن تمضي على ما يرام. وفعلاً، دخلنا بعدها بسنة أو أكثر بقليل في حرب طائفية لم يعهد العراق مثيلاً لها، وبدأ التمزّق الاجتماعي العميق الذي ما زلنا نعاني آثاره.
عانى ذوو التوجّه الإسلامي في العراق، في ظلّ حكم نظام صدّام، الأمرّين، لكنّهم، بدل أن يدركوا مرارة الإقصاء وفرض الإرادات وقمع خيارات الناس، كرّروا أساليب صدّام نفسها، وصار كلّ من يخالفهم عدواً وخائناً وعميلاً، تماماً كما هي المفردات في القاموس الإعلامي والدعائي للنظام السابق.
كتب أحد الأصدقاء، مرّة، متحمّساً في صفحته بـ”فيسبوك”: إذا صعد الوطنيون في العراق إلى السلطة فيجب طرد “الولائيين” إلى خارج الحدود. فقلت له: أنت لم تفعل شيئاً، وستحوّل “الوطنية” أيضاً إلى أداة قمع ضدّ الآخرين. على النُّخب الفاعلة في الدولة ألّا تنشغل باعتقادات الناس وإيماناتهم وعباداتهم وطقوسهم واختياراتهم الثقافية والاجتماعية، وأن يكون عملها تطبيق القانون والحرص على العدالة والمساواة. وتحت هذا التصوّر لا مشكلة في مَن يرى نفسه مرتبطاً بإيران، أو يتعبّد بولاية الفقيه، شرط أن يمارس ذلك كلّه تحت سلطة القانون، وهو أمر مختلف تماماً عن القبول والتعايش مع تأسيس جماعات مسلّحة داخل الأراضي العراقية تعمل بإمرة إيران.
المشكلة الأكبر ليست في إيران أو أي دولة أخرى تريد أن تمدّ ذراعاً خدمة لمصالحها في العراق، وإنّما في إيمان النُّخبة العراقية بفكرة الدولة والمؤسّسات، والقدرة على فصل الدولة عن الأيديولوجيات والعقائد، وأن تكون محايدةً تجاه الجميع، وحاميةً وراعيةً للجميع في الوقت نفسه.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى