
أشار أستاذ علم النفس المعرفي في جامعة هارفارد، ستيفن بينكر، في مقابلة بودكاست مع المؤثر ديفيد بيرل، إلى النطاق المحدود الذي تُتداول فيه أبحاث الأكاديميين، نطاق العلماء والباحثين أنفسهم، فكأنهم يكتبون لأنفسهم. ظاهرة لا ينفرد في ملاحظتها بينكر، إذ تبقى دراسات وأبحاث مستودَعة في الجامعات ومراكز الأبحاث، من دون أن تنجح في الوصول إلى القرَّاء، غالباً، إلا أن تثبت في قائمة المراجع لبحث جديد؛ فما الدلالة؟
هذا المشهد المتعلق بعزلة متزايدة للأبحاث الأكاديمية جزءٌ من صورة أكبر، في مركزها تراجُع الاتجاه النقدي الموضوعي لصالح المغرِض الانتفاعي، ومن آثار هذا ضآلة الطلب على تلك المنشورات البحثية، بالقياس إلى أنواع أخرى من المصنَّفات. مع تراجُع عام في القراءة في العالم العربي. من دون أن نسلّم بهذه الحالة، فلا نعدم وسيلة تجسّر بين العالِم والقارئ غير المتخصص، سواء عبر الكتب، أو عبر الصحافة، كما نشط علماء من مصر، لعل من أبرزهم زكي نجيب محمود وغيره.
ليس الحديث هنا عن ظاهرة تراجع القراءة لدى الجمهور العربي، أو غيره، بقدر ما هو عن تراجع سلطة العلم، في مواجهة سلطة الواقع. وبالطبع، ليس العلم والفكر في مواجهة متكافئة مع الواقع، وسلطاته، السياسية، أو المالية، أو المجتمعية.
وما لا يسهل تمريره، هو التسليم، غير الصريح، بتبعية العلم والفكر لمعطيات الواقع، من دون أن تستنفد المؤسسات التعليمية (رعاتُها، وسدنتُها)، ما تدَّخره من كوامن القوة الخاصة به، فما لا يُدرَك كلُّه لا يُترَك جلُّه، ولا عيبَ أنقص من عيب القادرين على التمام. وهنا قد يقال إن المناصب العليا والمتوسطة لا تخلو من حملة الشهادات والكفاءات العلمية، وهذا صحيح، لكن المرتجى ليس حضور المتعلم، بقدر ما هو حضور شخصيته العلمية. فقد تجد رئيس دولة قضى أغلب عمره في أروقة الجامعة، مدرّساً، وباحثاً، وحين شغل منصب الرئيس انتكس أداةً متجهمةً وغاشمةً من أدوات السلطة.
الدعوة إلى تقصير المسافة بين التعليم والمجتمع والحياة ليست جديدة، ولكن التحديات اليوم قد تكون أكبر
وفي الظن أنّ أَولى ما ينبغي العمل عليه هو المُجاز أو الخرِّيج؛ أنْ يستجمع بقدر ما يمكن، شخصيةَ المتعلم، تكويناً، وأداءً، (بالتوازي مع مسار تعليمي يؤهِّل المتعلم للنزول إلى واقعه، من دون فجوة مجافية) أن يستوقف الناس، في مجتمعه تميُّزٌ أكسبته إياه الجامعة، أو المؤسسة التعليمية. فلو أن المدارس والجامعات نجحت في تخريج شخصيات تفكِّر تفكيراً علمياً، لا انتقائياً، ولا فوضوياً، ولا اعتباطياً، ولا مُغرِضاً، لأَسهم ذلك، على الأقل، في استبقاء هذا الخط، فضلاً عن إمكان أن يغدو هذا النوع من المتعلمين نماذج مشرقة، ومؤثرة في محيطها، إذ مهما بلغ افتتان الناس ببريق المال، أو السلطة، فإن أناقة التفكير، ورقي السلوك والمواقف تبقى قادرة على استثارة إعجابهم، وتقديرهم. لكن الأكثرين يجسِّدون انهزام الجامعة والمدرسة أمام المجتمع، فقصارى آمال هؤلاء الدارسين شهادة يتخذونها جسراً لمركز اجتماعي، أو مكسب اقتصادي. وبذلك يتماهون مع المجتمع بمعاييره، وحتى أحياناً بلغته ومفرداته. السبب واضح ومحسوم، نيل التقدير القائم على النجاحات المادية، وهكذا يخسر المجتمع، حين قصَر هذا المتعلم عوارفه على نفسه، بل في الحقيقة، على الجانب النفعي من نفسه، لا على الجانب الأخلاقي، مثلاً، أو الروحي.
استدراكاً، ليست العلاقة بين العلم والواقع الاجتماعي محصورة بالتضاد، فالواقع يكون في حالات حاكِماً على الفكرة النظرية؛ هل تثمر أم لا؟ ثم إن الواقعي يصقل الفكرة النظرية بالخبرة العملية، ويملأ فجوات فيها. وكما قيل، في العلاقة الجدلية بين الفكر السياسي والجماهير، إنها علاقة تعليم وتعلُّم متبادلة. لكن موطن الوجع ذوبان شخصية المتعلم، أو انسياقه التام إلى معطيات الواقع، وقد يكون انسياقه إلى العناصر المختلة، أو المتخلفة منه. وفي حالات أو ممارسات امتهان المتعلم لعلمه، كما في سلوكات انتهاك الأمانة العلمية، بأشكال عديدة، ومن أجدد تجليات هذا استخدام الذكاء الاصطناعي، هذا المارد الطاغي… وكثيرةٌ زوايا تناوله، لعل من أهمِّها تهديده فردية الإنسان، وتعطيل إمكانات العقل البشري، ليفعل الذكاء الاصطناعي، حينها، بالعقل والتفكير ما تصنعه عمليات التجميل، فتذهب بخصوصيات الجمال الفردي وتنوُّعاته.
بالطبع، ثمة من لا يشغله شيء كما السرعة والسهول في الإنتاج، ولو على حساب الأبعاد الأخرى، بمكيافيلية ظاهرة، أو براغماتية متحكِّمة. ومن أهم ما ينبغي أن يعنى به التعليم مساعدة المتعلم على أن يكون صاحب رأي، لا يرضى بأن يكون عقله سلبياً متلقياً، في كل شيء. نعم، لا يمكن لنا أن نطمح أن يغدو الجميع منتجي رأيٍ، أو فكر، في مجالات متخصّصة، لكن في قضايا اجتماعية، أو سياسية، حتى لو لم نستكمل أدوات الرأي، أن نتوفر على ما يلزم لترجيحات موضوعيةٍ، فمَن درس الآراء، ووازن بينها، ثم وقف على نقاط القوة والضعف فيها، فكأنه صار صاحبَها.
صحيح أن التعليم ليس أيديولوجيا، وإن ينطوي على حمولات ثقافية وحضارية وتربوية، إلا أنه في كل حالاته لا ينفكُّ عن روح العلم
وإذا كان كارل ماركس محقّاً في دعوته إلى إنزال الفلسفة من السماء إلى الأرض، فإن الدعوة إلى تقصير المسافة بين التعليم والمجتمع والحياة ليست جديدة، ولكن التحديات اليوم قد تكون أكبر، من جهة أن التصادم صارت مساحته أوسع، وسطوة الواقع وفاعليته أصبحت تهدِّد بابتلاع العلم والإنسان، وهضمهما وإعادة تمثُّلهما. وهنا تقف مؤسّسات التعليم، بسوء فهم أو بسوء توظيف، فيما يشبه المجابهة مع صوت الشعب أو الأمة، روح الشعب، وعبقرية الأمة، والعقل الجمعي، والرغبة العميقة في الاتساق مع المجتمع، بوصفه يجسِّد الواقع، الراهن، والسائد. مع أن روح الشعب، أو عبقرية الأمة صفات إجمالية، تعبّر عن جوهر الأمة، وتتفاعل مع حركة الحياة، وما تضيفه عقول أبنائها، وهي خلاصة المشترَك من مصادر شتَّى. وعليه، فإن علاقة عدائية بين الطرفين ضارَّة بالطرفين، فكما لا نفع في تعالي المتعلم على مجتمعه وناسه، مضرٌّ قبول المتعلم بالتخلي عن أدواته، لصالح مفردات الواقع. وهكذا نصبح بين ثنائية مؤسسات التعليم وما يسمَّى بمدرسة الحياة. صحيح أن التعليم ليس أيديولوجيا، وإن ينطوي على حمولات ثقافية وحضارية وتربوية، إلا أنه في كل حالاته لا ينفكُّ عن روح العلم، ببنائه المنطقي، وبالنظرة النقدية، وبتقديم الموضوعي على الذاتي، وبتجاوزه الدائم، ولو البطيء، نسبياً.
وفي المحصلة، قد يكون مما أضعفَ سلطة العلم وهيبة العلماء إخفاقُ كثيرين منهم في تجلية نماذج معتدّة بتكوينها العلمي، أمام السلطة السياسية أو سلطة المال، وسلطة المجتمع أو سلطة القبيلة، أو العائلة. وفي تاريخ العلاقة بين الفكر والسلطة يبرز الفيلسوف الإغريقي سقراط نموذجاً متَّسقاً مع نفسه، مقابل السلطة والسائد.
ويبقى اختلال القيم، اجتماعياً، أكبر مجحف بحق العلم، كما أظهره على نحو مرير فيلم “انتبهوا أيها السادة” (1980)، حين أصبح أستاذ الفلسفة الجامعي أمثولة إخفاق، لمن يريد أن يكون السعيد الذي يتَّعظ بغيره. هذا على مستوى السطح، وعلى المستوى الأعمق منبِّهاً على خلل بنيوي.
المصدر: العربي الجديد






