حرب بلا منتصر… واتفاق بلا ضمانات

حسن مدن

بعد أشهر من المواجهة العسكرية بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما رافقها وتلاها من تصعيدٍ سياسي وتوتر الإقليمي، لا يبدو أنّ أيّاً من أطراف هذه الحرب خرج منها منتصراً. لم تنجح واشنطن في فرض الشروط التي رفعتها في بداية الصراع، وإيران لا تستطيع نكران خسائرها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والبشرية، بما في هذا تصفية كثيرين من كبار قادتها السياسيين والعسكريين. أما المنطقة بأسرها فقد دفعت فاتورةً باهظة في حربٍ ليست حربها، إذ كانت دول الخليج العربي في مرمى النيران الإيرانية طوال فترة الأزمة، وهي المتضرّر الأكبر من إغلاق مضيق هرمز بوجه الملاحة من طهران.

في حالٍ مثل هذه، يعود إلى الواجهة السؤال الأكبر الذي طُرح منذ البداية: هل كانت هذه الحرب ضرورية أصلاً، أم أنّها مجرد جولة أخرى من جولات استعراض القوة وإعادة رسم موازين النفوذ؟… سؤال تؤكد وجاهته بنود مذكرة التفاهم التي أُبرمت أخيراً بين واشنطن وطهران بوساطات إقليمية، والتي تبدو، بحسب محللين وساسة كثيرين، اتفاقاً هشاً أكثر مما تبدو تسوية مستقرّة وقابلة للحياة، وإنْ كنا نأمل أن يحدث العكس.

قيل في بداية الحرب إنّ الهدف يتجاوز مجرّد ردع إيران أو إضعافها، ليصل إلى تغيير سلوكها الاستراتيجي جذرياً، وربما تغيير طبيعة النظام نفسه. وقيل أيضاً إنّ البرنامج النووي الإيراني يجب أن ينتهي، وإنّ القدرات الصاروخية الإيرانية ينبغي أن تُشلّ، وإنّ نفوذ طهران الإقليمي يجب أن يتراجع إلى حدوده الدنيا، لكنّ نهاية الحرب لا توحي، حتّى اللحظة على الأقل، بأنّ أيّاً من هذه الأهداف قد تحقّق بالصورة التي رُسمت لها في الخطابات السياسية والإعلامية. وإذا كانت هذه هي النتيجة النهائية بعد حرب مكلفة، فمن المشروع التساؤل: ماذا جرى تحقيقه فعلياً؟، وإذا كانت النهاية هي القبول المتبادل بتنازلات كان يمكن مناقشتها قبل اندلاع القتال، يصبح السؤال عن جدوى تلك الحرب العبثية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً وأنّ ما نجم عنها زاد الوضع تعقيداً.

للوقائع العسكرية الميدانية والحسابات السياسية والدبلوماسية كلمتها، التي أعادت أطراف الحرب إلى رُشدهم، ولنقل إلى بعضه، فتحوّل الهدف من تحقيق النصر إلى إدارة الخسائر، ومن المجاهرة، التي لم تخلُ من الادّعاء، بتغيير المعادلات جذرياً إلى البحث عن مخرج مقبول يحفظ ماء الوجه.

“مذكرة التفاهم” التي وقعها، عن بعد، الرئيسان الأميركي ترامب والإيراني بزشكيان، مجرّد إطار تفاوضي مؤقت يفتح الباب أمام نقاشات قد تنجح وقد تفشل، وفي هذا تكمن أولى نقاط الضعف. فالاتفاقات المؤقتة تكون دائماً عرضة للتأويلات المختلفة، كما أن الأطراف تستطيع التنصّل منها أو إعادة تفسيرها عندما تتغير الظروف السياسية. وإضافة إلى ذلك، فإنّ مهلة الستين يوماً المخصصة لاستكمال المفاوضات تبدو مفتوحة على احتمالات كثيرة، من بينها التمديد المتكرّر أو التعثر أو حتّى الانهيار الكامل. ثم إنّ الاتفاق لا يتحرك في فراغ سياسي. فمن الجانب الإيراني، لا يقتصر الأمر على توقيع الرئيس أو الحكومة، لأنّ القرار النهائي في القضايا الاستراتيجية يبقى مرتبطاً بمراكز قوى أخرى داخل النظام. ومن الجانب الأميركي، لا يمكن تجاهل أنّ أي تفاهم مع طهران يظل موضع جدل داخلي حاد، نظراً إلى الصورة التي تعزّزت عقوداً عن إيران بوصفها خصماً رئيسياً للولايات المتحدة.

ولعل أحد أكثر جوانب الاتفاق إثارة للتساؤل موقع إسرائيل منه، هي التي لم تكن طرفاً فيه، فالمذكرة تتحدث عن وقف العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، لكنها لا تقدّم تصوراً واضحاً للدور الإسرائيلي في المرحلة المقبلة. وليس هذا الغموض تفصيلاً ثانوياً؛ لأنّ أي تصعيد إسرائيلي ضد أهداف مرتبطة بإيران أو بحلفائها قد يكون كفيلاً بإعادة إشعال التوتر الذي يسعى الاتفاق إلى احتوائه، وهذا ما تؤكده المواجهات الجارية في لبنان بين إسرائيل وحزب الله.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى