بين محمود درويش ويوسف عويد الصياصنة

د- مفلح شحادة

ليست المسافة بين الشاعر محمود درويش والشاعر يوسف العويد الصياصنة مسافة أسماءٍ في سجل الشعر، بل مسافة نهرين التقيا في منبع الألم وافترقا في خرائط التعبير. كلاهما حمل وطنه على كتفي القصيدة، لكن كلّ واحد منهما اختار طريقه إلى الضوء.

محمود درويش لم يكن يكتب فلسطين فحسب، بل كان يعيد اختراعها في اللغة. كان يأخذ التراب من حدود الجغرافيا ويعيده إلى حدود الأسطورة، حتى غدت فلسطين عنده اسماً آخر للإنسان وهو يبحث عن معنى وجوده فوق هذه الأرض. أما يوسف العويد الصياصنة فكان أقرب إلى نبض الجرح الساخن؛ يكتب والرماد ما يزال دافئاً، ويصوغ من الألم السوري شهادةً لا تريد أن تكون زينةً بل ذاكرة، ولا نشيداً عابراً بل وثيقة قلب.

في شعر محمود درويش نشعر أن المنفى يتحول إلى سؤال فلسفي كبير، وأن الوطن يصير فكرةً كونية تتجاوز حدود المكان، بينما في شعر يوسف الصياصنة يبقى الوطن وجهاً محدداً، وبيتاً مهدماً، وأماً تنتظر، وطفلاً يبحث بين الركام عن نافذةٍ تطل على الغد. هناك يتحول الجرح إلى رمز، وهنا يبقى الجرح محتفظاً بحرارته الأولى.

ومع ذلك، فإن ما يجمع الشاعرين أعمق بكثير مما يفرقهما؛ فكلاهما أدرك أن القصيدة ليست ترفاً لغوياً، بل شكل من أشكال المقاومة. وأن الحرف حين يولد من قلب المعاناة لا يعود حبراً على الورق، بل يصبح شجرةً تتحدى الفأس، ونافذةً تتحدى الجدار، وصوتاً يتحدى الصمت.

إن محمود درويش ويوسف الصياصنة يبدوان لي كنجمتين في سماء واحدة؛ الأولى بلغت أفق العالمية حتى صارت تهدي ضوءها إلى الإنسانية كلها، والثانية بقيت أكثر التصاقاً بأرضها، تستمد توهجها من تفاصيل المكان والناس والوجع اليومي. غير أن الضوء في الحالتين هو الضوء ذاته: ضوء الحرية.

ولعل أجمل ما تكشفه هذه المقارنة أن الشعر الحقيقي لا يُقاس بحجم الشهرة، بل بحجم الأثر الذي يتركه في الروح. فبعض القصائد تشبه الأنهار العظيمة التي تراها الدنيا كلها، وبعضها يشبه الينابيع الخفية التي لا يعرفها إلا العطاش، لكن كليهما يمنح الماء للحياة.

هكذا أقرأ التجربتين: لا بوصفهما ضفتين متقابلتين، بل بوصفهما جناحين لذاكرة عربية مثقلة بالفقد، ومضيئة بالأمل. وإذا كان محمود درويش قد علّم القصيدة كيف تصير وطناً، فإن يوسف العويد الصياصنة علّم الوطن كيف يحتمي بالقصيدة. وبين الوطن والقصيدة يولد ذلك الضوء النادر الذي لا تطفئه المنافي، ولا تنال منه العواصف، ولا يشيخ مع الزمن.

المصدر: صفحة يوسف عويد الصياصنة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى