
ألقي القبض في مصر في الشهرَين الماضيَين فقط على عدد متزايد من النشطاء على خلفية قضايا تتعلّق بالحرّيات العامّة وحرّية التعبير. ومنهم أخيراً ثلاثة من أعضاء لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، وهم مُقرِّر اللجنة المحامي محمّد أبو الديار، والمحامية وفاء المصري، والناشطة حنان طنطاوي. وقبل ذلك، أُحيل كلٌّ من رسّام الكاريكاتير أشرف عمر، والناشط أحمد دومة، والمخرج السينمائي عمر مرعي، إلى محاكمات عاجلة، بالتوازي مع تأييد الحكم الصادر بحقّ المحامي علي أيّوب بالسجن مدّة ثلاث سنوات، على خلفية بلاغ من وزيرة الثقافة. كما شهدت الفترة السابقة إحالة عدد من أطبّاء الأسنان إلى المحاكمة، على خلفية مشاركتهم في حملة مهنية تتعلّق بنظام تكليف الأطبّاء. ولا ننسى إحالة مشجّع الزمالك سيّد مشاغب إلى محاكمة جديدة لمجرّد احتفاء جيرانه وأصدقائه بعد سجنه لما يقرب من 11 عاماً، فضلاً عن استمرار حبس عدة سياسيين وباحثين. وتقديرات منظّمات حقوقية مختلفة إلى تجاوز عدد سجناء الرأي 60 ألف سجين. في الوقت نفسه، تستمرّ ممارسات التدوير والحبس الاحتياطي المطوّل، وإحالة المئات في قضايا بالتهم نفسها من عيّنة “نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”. توالي هذه القضايا يكشف دلالات لا تخطئها العين في الإصرار على استمرار المناخ المُقيِّد لحرّية الرأي والتعبير، على الرغم من كلّ الخطاب الرسمي الذي يحتفي بحرّية الإعلام.
في الضفّة الأخرى، يتواصل الحديث عن احترام حقوق الإنسان في الصحف والمواقع الرسمية، ويبدو نشاطٌ دؤوب للمجالس القومية الحقوقية، وتنسيقية الأحزاب، في تنظيم برامجَ وورش عمل في سياق مناقشة مشروعات القوانين المختلفة التي لا تنعكس أو تترك أثرها في خروج تلك التشريعات بصورة تتواءم مع التزامات مصر الدستورية، والمعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان. وكأنّنا أمام اتجاهَين متعاكسَين يسيران في طريقَين متوازيَّين لا يلتقيان أبداً، ومن دون أن يلفت أحدٌ انتباه أجهزة الدولة إلى هذا التناقض بين الحديث النظري عن تلك الحقوق وتطبيقها المأساوي من خلال العصف بها على المستويات كافّة.
في السياق نفسه، تواصل أجهزة الدولة الإشارة إلى استراتيجيات ووثائق نظرية لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي. فبينما يجرى الحديث عن إصدار استراتيجية جديدة لحقوق الإنسان، يظلّ السؤال المطروح عن مدى تنفيذ الاستراتيجية الأولى التي صدرت عام 2021، رغم محدودية أهدافها وضعف التزاماتها، وما إذا كان هناك تقييم موضوعي لما تحقّق من بنودها.
تواصل أجهزة الدولة الإشارة إلى استراتيجيات ووثائق نظرية لا تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي
تشير المشكلة هنا إلى تدهور واضح في حالة حقوق الإنسان، وغياب حكم القانون بالأساس، وهو ما يظهر في الواقع من خلال إصدار التشريعات المتوالية في غياب رقابة برلمانية حقيقية فتُنتهَك الحقوقُ باسم القانون.
كما شهدنا تجاوز كثير من تلك التشريعات للمبادئ الأساسية للعدالة التي نصّت عليها الدساتير المختلفة، وآخرها دستور 2014، قبل التعديل، ومن أكثرها أهمّيةً “قرينة البراءة”، واستثنائية الحبس الاحتياطي، واستقلال السلطة القضائية التي تآكلت تدريجياً من خلال التعديلات الدستورية التي أُقرَّت في 2019، مع تراجع الدور الرقابي للسلطة التشريعية من خلال هندسة النظام الانتخابي التي أجريت بموجبه الانتخابات البرلمانية، منذ عام 2015. بالتالي، نحن أمام طريقَين يسيران في اتجاهَين متناقضَين دائماً وأبداً، فتُنتهك الوثائق الدستورية والسياسية كلّها ذات العلاقة بالحقوق والحرّيات العامّة. ومن جهة أخرى، تستمرّ الإجراءات التي تقيّد تلك الحقوق.
من أسباب هذا التناقض أنّ أجهزة الدولة لا تؤمن في الواقع باحترام حقوق الإنسان، وتتبنّى موقفاً ضدّها، بل إنّها تضيق بأيّ صوت مخالف أو ناقد، وتتعامل، في أحيانٍ كثيرة، مع تلك الأصوات باعتبارها مصدراً للتهديد أو الإزعاج.
الحديث الرسمي عن احترام الحقوق أقرب إلى خطاب نظري منزوع الصلة بالواقع المأساوي لهذه الحقوق على المستويات كافّة
ولا تتسامح تلك الأجهزة مع حرّية النقد بشكل عام وتناول أداء الموظّف العام والوزراء. وهو ما ظهر في تصريحات ومواقف رسمية صدرت خلال الأشهر الماضية، وهو ما تؤكّده إحالةُ عدد متزايد من الصحافيين، في الفترة الماضية، بسبب تقارير إخبارية عن أداء بعض المحافظين أو الوزراء. ويتوازى هذا مع تزايد الشكاوى في ملفّ تردّي حالة السجناء، وبصورة خاصّة الحرمان من الرعاية الصحّية، وتقييد الحقّ في الزيارة، والاعتداء البدني، ما أدّى إلى محاولات انتحار داخل تلك السجون، وإلى عشرات الوفيات سنوياً، بالإضافة إلى تدهور الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
إلى جانب هذا، تبرز مشكلة أخرى تتعلّق بغياب التوازن بين المؤسّسات والسلطات المختلفة في الالتزام بالآليات الدستورية في الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، وهو ما يظهر في عدم استخدام أداة الاستجواب في منبر مجلس النواب منذ عام 2015، وتغييب دور المجالس المحلّية منذ عام 2011، وسيطرة أجهزة الدولة على الهيئات المستقلّة “شكلياً”، ومنها الجهاز المركزي للمحاسبات.
إذن، يصبح الحديث الرسمي عن احترام تلك الحقوق أقرب إلى خطاب نظري منزوع الصلة بالواقع المأساوي لهذه الحقوق على المستويات كافّة. وإذا أردنا أن يصبح هذا الحديث ذا مصداقية، يجب أن ينعكس ذلك في تطبيق فعلي يشعر به المواطنون، باحترام حقّهم في إبداء آرائهم من خلال إعلام مستقلّ يسمح بالرأي والرأي الآخر، والالتزام بالدستور والقانون.
لا تؤمن أجهزة الدولة في مصر باحترام حقوق الإنسان، وتضيق بأيّ صوت مخالف أو ناقد
ويجب أن يصاحب ذلك إجراء تقييم واقعي وشامل لتردّي حالة الحقوق والحرّيات العامّة، وهو ما يحتاج إلى سماع أقوال الخبراء والمؤسّسات المستقلّة في هذا المجال، وتنفيذ التوصيات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الخاصّة بالملف المصري. ويطرح هذا ضرورة وقف القبض على المواطنين لمجرّد نشرهم في وسائل التواصل الاجتماعي، كما يستدعي أيضاً إعادة النظر بصورة عاجلة في ملفّ سجناء الرأي (مهنيين وصحافيين وشخصيات عامّة ونقابيين وسياسيين)، والإفراج عن المحبوسين منذ سنوات طويلة، خصوصاً الذين قضوا مدد حبسهم، ومن تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي، والتأكيد على حقّ الجميع في التعبير عن رأيه طالما كان مراعياً للدستور والقانون.
من ناحية أخرى، يحتاج الأمر إلى إصلاحات جوهرية في الدستور والتشريعات المختلفة، وإلى تغيير النظام الانتخابي للتأكيد على بناء نظام سياسي تعدّدي يحترم الرأي الآخر، ويمكّن القوى السياسية من احترام حقّها في المشاركة والتمثيل.
أيّ حديث يجري في فراغ، ومن دون النظر في المطالب السابقة، لن يكون مجدياً، خصوصاً في ظلّ استمرار السياسات التي تغيّب الحقوق والحرّيات العامّة وتتجاهل ضمانات المحاكمة العادلة، ومع استمرار زجّ النشطاء خلف قضبان السجون، وهو ما يؤدّي إلى استمرار ذلك التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع.
المصدر: العربي الجديد






