توقيع إلزامي وأيّام سوداء

غازي العريضي

يوم الجمعة الماضي، انتظر العالم بقلق اجتماع الرئيس الأميركي ترامب مع مساعديه الذي قال إنّه سيحسم خلاله موقفه من الاتفاق مع إيران، الذي كان شبه ناجز. لم يعلن شيئاً، ولم يوقّع الاتفاق الذي وافق ممثّلوه عليه، وخيّم جوّ من التشاؤم، وانفرجت أسارير المسؤولين الإسرائيليين الذين يرفضون مبدأ الاتفاق، وكانوا غير مرتاحين لمضمونه. فاجأ ترامب إيران والجيران والعالم، وأفرح نتنياهو عندما وجّه ضربة لإيران، فردّت الأخيرة بضرب القاعدة الأميركية في الكويت، وأصابت طائراتٍ ومعدّاتٍ وجنوداً، بعد أن كان قد أُعلن رفع الحصار البحري عن الموانئ، وعبرت السفن مضيق هرمز. في هذا الوقت، أعلن وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير: “لن نسمح لترامب بتوقيع اتفاق سيئ مع إيران”. أطلق النار السياسية على الرئيس الأميركي، ووضعه في موقف ضعيف، مؤكّداً: “نحن من يحسم”، و”نحن من يقرّر”، بعد أن كان ترامب قد أعلن: “لا أحد يعلم شيئاً عن الاتفاق. أنا مَن يقرّر”. ثمّ خرج مسؤولون في إدارته ليقولوا: “إنهم (الإيرانيون) يعيشون في الكهوف. لا يستخدمون البريد الإلكتروني. نحن على استعداد للانتظار حتّى يحصل الرئيس على ما يطلب. سيجري التوصّل في النهاية إلى اتفاق”. ثمّ أعلن ترامب نفسه: “لن يكون إلا الاتفاق الجيّد لمصلحة أميركا ويراعي خطوطها الحمراء”. وطلب تعديلات على مشروع الاتفاق، وأرفق كلامه بتهديدٍ لسلطنة عُمان: “سننسفها إذا وافقت على مشاركة إيران في السيطرة على مضيق هرمز”، بعد أن أعلن ضرورة الالتحاق الإلزامي للسعودية وقطر وباكستان والبحرين ومصر والأردن بالاتفاقات الإبراهيمية مع إسرائيل، في محاولة لإرضائها علّها تقبل بالاتفاق. وهو ما يؤكّد وقوعه تحت تأثير نتنياهو الذي كثّف اتصالاته به محذّراً من توقيع الاتفاق المذكور، معلناً نجاحه من جهة، وإطلاق يده لتوسيع عمليات جيشه العدوانية ضدّ لبنان من جهة ثانية بمباركة أميركية، وهذا ما حصل.

هدّد ترامب “دولاً صديقة” إن لم تخضع لإسرائيل وتكون جزءاً من مشروعها

وخرج وزير ماليته بتسلئيل سموتريتش ليعلن: “مقتنع بأنّ نتنياهو امتلك من الأدوات والقدرة ما كفل له معرفة كيفية إجبار ترامب وأعظم قوة في العالم على الوقوف صفّاً واحداً وبشكل كامل إلى جانب إسرائيل في حربها المفتوحة ضدّ التهديد الإيراني”. ومارس ليندسي غراهام دوره المعهود، متمادياً في توجيه رسالة إلى ترامب يدعوه فيها “إلى مزيد من التشدّد واستكمال ما بدأه لإنجاز المهمة بالكامل”، مهدّداً السعودية بوضوح إذا لم تبادر إلى توقيع الاتفاقات الإبراهيمية مع إسرائيل.
ثمّ أطلق تصريحاً قال فيه: “أدعم اتفاقاً مع إيران يقبل طلب ترامب بفتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات لإنهاء طموحاتها النووية ودعمها للإرهاب بشكل نهائي. ومن الضروري السماح لإسرائيل بتحييد التهديدات التي تواجهها من هجمات حزب الله. هناك مناطق في إسرائيل غير صالحة للسكن بسبب القصف الصاروخي، ومطالبة إسرائيل بوقف إطلاق النار مع حزب الله غير منطقية”. وشدّد على “عدم ربط أي اتفاق نووي مع إيران بقدرة إسرائيل على الردّ على الهجمات”. وعن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قال: “دعوا إسرائيل تقضي عليهم، أي قرار يقيّد إسرائيل سيكون غير حكيم”. إنّها دعوة لإطلاق يد إسرائيل في الاتجاهات كلّها.
دخل ترامب وفريقه في حرب سياسية أخرى ضدّ “دول صديقة”، بالتهديد بالويل والثبور إن لم يتقدّموا نحو إسرائيل خطوة كبيرة ويخضعوا لها، ويكونوا جزءاً من مشروعها. في وقت كان فيه نتنياهو يعلن: “سنحافظ على القدس تحت سيادة إسرائيل إلى الأبد. كلّ الحنين والذكريات والانتصارات تؤدّي إلى القدس. نسيطر الآن على 60% من غزّة، وسنوسّع السيطرة إلى 70%، وهذه النسبة قابلة للتعديل”، ويصرّ على تنفيذ مشروعه في تهجير الفلسطينيين. أين مجلس سلام ترامب ومشروع غزّة الجديدة؟ إنّه تحدٍّ للأردن ولمصر، ورسالة إلى السعودية أيضاً التي تعلن نظرياً “أنّه لا اتفاق مع إسرائيل إلا بعد إعلان دولة فلسطينية مستقلّة”، وقد بات الأمر حلماً مع ما تقوم به إسرائيل في الضفّة وغزّة، فتدمّر كلّ أمل بإمكانية تحقيق ذلك. “الأرض لنا”، هكذا يقول الإسرائيليون، ولا أحد يوقف قرارات بن غفير وسموتريتش ونتنياهو وكاتس وزامير وغيرهم، وهجماتهم. أمام هذا الواقع، عبّر مؤيدون لترامب، ومناهضون بقوة لإيران، قائلين: “دخل الحرب من دون حلفاء. لم يتمكّن لاحقاً من تشكيل تحالف لفتح مضيق هرمز. ها هو الآن يخسر من كان معه أو كان يراهن عليه لحلول في المنطقة”.
أمّا صحيفة هآرتس فكتبت عن ترامب ونتنياهو: “وعدا بالنصر، وحقّقا الفشل”. وأضافت: “ترامب عبثي، نزق، متقلّب، يرتجل القرارات”. سبق أن هدّد إيران قائلاً: “حضارة كاملة ستُمحى الليلة”، وفي الليلة ذاتها أعلن وقف إطلاق النار معها. وأضافت: “فاخر نتنياهو بعلاقته بترامب، الذي أهانه بالقول: بيبي سيفعل كلّ ما أقوله له. انتظر العفو ولم يأتِ بعد. الإيرانيون يديرون المفاوضات ببطء، يستمتعون، يضحكون، ولن يوقّعوا شيئاً. يزداد وضعنا كارثة وسوءاً. إيران تخرج أكثر قوّة، لم تتنازل عن ملفّها النووي، ولم تتعهّد بوقف تطوير برنامجها الصاروخي (الباليستي)، وستستمرّ في دعم حزب الله واليمنيين، وبقيت واقفة. لم يسقط نظامها. ونتنياهو عاد إلى مستنقع الأحزمة الأمنية، وهذا سيناريو دموي غرقنا فيه لسنوات في لبنان”.

تراهن إسرائيل على أن تصبّ الممرّات المائية وأنابيب النفط كلّها في حيفا

ومن ناحيته، قال روبرت غيتس (وزير الدفاع الأميركي السابق): “أخبرت نتنياهو بأنّه يسيء تقدير صلابة الإيرانيين وقدرتهم على الصمود، وذكرت له أنّني أعتقد أنّه وقع في فخّ، وتبنّى موقفاً غير واقعي نتيجة غياب أي ردّة فعل عراقية عندما دمّر الإسرائيليون مفاعل أوزيراك في العراق. كما تملّكه الاطمئنان الواهم أيضاً بسبب غياب ردّة الفعل السورية عندما دمّرت إسرائيل المفاعل النووي السوري. وكانت فكرته منذ عام 2009 أنّ النظام الإيراني هشّ وسينهار عند أوّل ضربة”. وأضاف: “هذا ما ورّط به ترامب الذي اكتشف الأمر متأخّراً، فوقع في الفخ”.
وفي السياق نفسه، أعلن رئيس المخابرات البريطانية السابق أليكس ينغر: “إيران لها اليد الطولى في الحرب. يؤسفني التوصّل إلى هذا الاستنتاج لأنّنا، الضبّاط في جهاز المخابرات من أبناء جيلي، واجهنا وحشية الحرس الثوري الإيراني وعنفه طوال مسيرتنا. لا توجد مودّة بيننا. لم أذرف الدموع على علي خامنئي الذي قُتل في بداية الحرب، لكنّ الحقيقة أنّ الولايات المتحدة قد استهانت بهذه المهمة. أعتقد أنها فقدت زمام المبادرة لمصلحة إيران”. وأضاف: “عملياً، كان النظام الإيراني أكثر صموداً ممّا توقّعه الجميع. اتخذ بعض القرارات الصائبة، ووزّع قدراته العسكرية، وفوّض سلطة استخدامها، ما منحهم قدرة كبيرة على الصمود في مواجهة هذه الحملة الهائلة القوّة، وشرعوا فيما يسمّى تقنياً “التصعيد الأفقي”: إطلاق الصواريخ على أي هدف في المدى المتاح، ونجح الأمر”. وتابع: “أدركوا أهمية حرب الطاقة، وهدّدوا المضايق، وعولموا الصراع بشكل منحهم أسلحة قوية. لعبوا بمهارة، وترامب قال شيئاً أكّد لهم أمراً يعرفونه من قبل: إنّهم في حرب حضارية، أي حرب وجودية حسب تعبيرهم. أوضح أنّه يريد حشرهم في الزاوية، وهذا ما منح الإيرانيين قدرة أكبر على التحمل واليد الطولى في الحرب. أمّا الخيارات المتاحة أمام أميركا وإسرائيل فمحدودة وليست جيّدة. الحرب تمدّ في عمر النظام الإيراني، والخطر عليه في مرحلة السلم وليس في الحرب”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى