التنسيق السوري التركي رفيع المستوى.. ركيزة أساسية في تحقيق الاستقرار الإقليمي وحفظ الأمن القومي للبلدين

راغب العطيه

يمثل التنسيق السوري – التركي رفيع المستوى تحولا استراتيجيا جذريا في العلاقات بين البلدين، ويهدف هذا التقارب إلى تحقيق استقرار إقليمي أوسع عبر مكافحة التهديدات المشتركة، وإدارة الحدود، وتهيئة الظروف الاقتصادية في سوريا للتعافي والنهوض، بما يسهم في مواجهة جملة التحديات التي تعتري المنطقة والعالم، في ضوء حالة الغليان التي تلف المشهدين الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار، استقبل السيد الرئيس أحمد الشرع الثلاثاء الفائت، في قصر الشعب بدمشق رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالن، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ورئيس الاستخبارات العامة حسين السلامة، وتم خلال اللقاء بحث تطورات الأوضاع في المنطقة، وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين.

وتعكس زيارة المسؤول التركي إلى دمشق، بحسب المراقبين، لحظة سياسية وأمنية دقيقة، تتقاطع فيها حسابات الاستقرار الداخلي السوري مع اعتبارات الأمن القومي التركي، في ظل بيئة إقليمية متوترة تقف على حافة الانفجار. وبينما تتقدم مسارات التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب وإعادة ترتيب المشهد الأمني، تبقى عملية إتمام اندماج “قسد” في مؤسسات الدولة، إلى جانب التدخلات “الإسرائيلية” في الشأن السوري الداخلي، من أبرز العناصر حساسية، ولها ترتيب خاص.

وتدل الزيارات المتكررة والمكثفة للمسؤولين الأمنيين والعسكريين والسياسيين الأتراك إلى دمشق على مساعي أنقرة الحثيثة لتطبيع العلاقات وإدارة التحولات الميدانية في سوريا، وذلك بهدف تحقيق الاستقرار الأمني عبر تنسيق الجهود المشتركة، ومعالجة ملفات اللاجئين والحدود، وبحث مشاريع التعاون الاقتصادي.

تنسيق عال لمواجهة شبح المخاطر

ويرى المراقبون أن العلاقات السورية – التركية تتطلب تنسيقا عاليا لمواجهة شبح المخاطر الذي يسيطر على المنطقة، ولا سيما أن البلدين يملكان مفاتيح الاستقرار لملفات كثيرة، لعل أهمها مكافحة الإرهاب، وربط جنوب العالم بشماله، خصوصا في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها العالم جراء الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” – الإيرانية، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لشرايين الطاقة التي تتدفق عبر مضيق “هرمز” إلى معظم دول العالم.

وتضع دمشق وأنقرة في حساباتهما ترتيبا دقيقا لمواجهة التحولات والمخاطر، عبر خطوات محسوبة ومنسقة لبناء شراكات واستراتيجيات استباقية تفكك المخاطر وتقلل احتمالية وصولها إلى البلدين.

وخاصة أن هناك تهديدات وتحديات تواجه البلدين في ظل الصراع الأميركي – “الإسرائيلي” – الإيراني، باتت أكثر تشعبا وتعقيدا. وأول هذه التهديدات هو مواجهة الطموحات “الإسرائيلية” لتسيد المنطقة وفرض الأمر الواقع وفق مفهوم القوة، وكذلك محاولة العبث خلف الكواليس بتغذية الصراعات والمشاريع الانفصالية، ولا سيما في المنطقة الواقعة بين سوريا وتركيا، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، يتوقع المتابعون أن تتصاعد التهديدات الإيرانية خلال المرحلة المقبلة لكل من سوريا وتركيا، ضمن سياق ردود الفعل الانتقامية على هزيمة مشاريعها في سوريا والمنطقة.

وكان الرئيس الشرع، خلال زيارته الأولى إلى تركيا في شباط 2025، أكد أن العلاقة بين سوريا وتركيا ممتدة عبر التاريخ، وأن الثورة السورية والتفاعل التركي معها عززا هذه العلاقات، وأن الشعب السوري لن ينسى الوقفة التاريخية للدولة التركية، مشددا على أهمية تحويل العلاقة مع تركيا إلى شراكة استراتيجية عميقة في كل المجالات.

تزايد وتيرة اللقاءات الرسمية

وشهدت العلاقات السورية – التركية بعد سقوط النظام المخلوع أواخر عام 2024 زخما ملحوظا، تجلى بتزايد وتيرة اللقاءات الرسمية والتنسيق في ملفات متعددة، ما يعكس توجها نحو إعادة بناء العلاقات على أسس جديدة تخدم المصالح المشتركة للبلدين والشعبين الصديقين.

وتؤكد أنقرة، في كل مناسبة، دعمها للجهود الرامية إلى إعادة إعمار سوريا، والعمل على تهيئة بيئة مناسبة لعودة الاستقرار، من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني، وفتح قنوات جديدة للتنسيق في القضايا الإقليمية.

ويرى خبراء السياسة والاقتصاد أن توجيه الجهود نحو إعادة الإعمار في سوريا وتنشيط التبادل التجاري مع تركيا يسهم في تسريع وتيرة التعافي الاقتصادي عبر خلق آفاق تكاملية واسعة النطاق؛ وهو ما يؤدي إلى خفض معدلات البطالة، وجذب الاستثمارات، ويساعد على توفير سلاسل إمداد مستدامة تدعم الاستقرار المالي والتنموي في كلا البلدين.

وفي هذا المجال، تبرز مشاركة الشركات التركية في العديد من القطاعات الحيوية السورية، مثل الطاقة والبنية التحتية والمطارات، كأحد أهم ركائز إعادة الإعمار، وتفتح الباب لنقل الخبرات الحديثة، مثل مشاريع البناء والتشغيل والتحويل، مما يخلق آلاف فرص العمل للكوادر المهنية والمختصة في البلدين، إلى جانب إعادة تأهيل شبكات النقل والسكك الحديدية لتستعيد سوريا دورها الجغرافي والتاريخي كمركز لوجستي يربط بين تركيا والأردن ودول الخليج العربي.

وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي أحمد مظهر سعدو إن العلاقات السورية – التركية شهدت حالة متقدمة من “انجدال” العلاقة وتتابعها لمصلحة الشعبين الصديقين، مضيفا أن أواصر العلاقة الأمنية، وكذلك التجارية ومن ثم السياسية، تشهد تطورا متواصلا، دأبت حكومة دمشق، وأيضا حكومة أنقرة، على متابعته وبناء صرح من العلاقة لم يكن موجودا سابقا أيام حكم المجرم بشار الأسد.

وحول التعاون العسكري والأمني، أشار سعدو، خلال حديث مع “الثورة السورية”، إلى أن هناك تنسيقا يوميا ولحظيا بين الأجهزة المختصة في البلدين لضرب بواعث الإرهاب الذي تتعرض له سوريا وتركيا على حد سواء، مبينا أن هناك حالة من الدعم التركي والتنسيق لمنع وضبط حالات التحرك الإرهابية.

وأوضح المحلل السياسي أن هناك مصالح اقتصادية متبادلة بين الجانبين، تمتد من التبادل التجاري البيني المتطور إلى المزيد من العلاقات الاقتصادية الأخرى التي تجمع الجهود السورية – التركية، على طريق بناء الشراكة الاقتصادية من أجل نهضة إقليمية بين الطرفين، وخاصة عبر سلاسل الإمداد التي تمتلكها سوريا، على اعتبار أنها تمتلك موقعا استراتيجيا جغرافيا وسياسيا بين القارات.

وشدد سعدو على أن محاربة الإرهاب تبقى المسألة التي تؤرق أمن البلدين، وأن تركيا تمتلك خبرة كبيرة فيها، مما يفسح المجال أمام سوريا كي تستفيد من هذه الخبرة، بما يسهم في بناء أمن مستدام في البلاد، واستقرار سينعكس بالضرورة على الدولتين الصديقتين والمنطقة برمتها، وخاصة في مواجهة خلايا داعش النائمة وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن البلدين.

ودخل التعاون بين سوريا وتركيا هذا العام مرحلة جديدة مع توقيع ميثاق اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة بين البلدين “جيتكو”، خلال الاجتماع الأول الذي عقد في 8 نيسان الماضي بإسطنبول، بمشاركة وزير الاقتصاد والصناعة محمد نضال الشعار، ووزير التجارة التركي عمر بولاط، وبحضور حاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر حصرية، وممثلين عن قطاع الأعمال في البلدين، بحسب “TRT عربي” التركية.

مسار متصاعد لتعزيز التكامل الاقتصادي

وعقب توقيع الميثاق، عقد اجتماع طاولة مستديرة بمشاركة رسمية وقطاعية واسعة، خصص لبحث مجمل القضايا المرتبطة بالعلاقات الاقتصادية والتجارية، حيث أكد المشاركون، خلال نقاشات مفتوحة، أهمية تحقيق التكامل بين اقتصادي البلدين، إذ أشار الجانب السوري إلى توافر اليد العاملة المدربة وذات التكلفة التنافسية، فيما شدد الجانب التركي على قدرته على الإسهام في جهود إعادة إعمار سوريا.

وأكد بولاط أن الاجتماعات تناولت آليات رفع حجم التبادل التجاري، الذي بلغ 3.7 مليارات دولار العام الماضي، إلى 5 مليارات دولار كمرحلة أولى، ثم إلى 10 مليارات دولار لاحقا، بما يشمل بحث إبرام اتفاقية تجارة حرة.

من جانبه، أوضح حاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر حصرية أن سوريا تعمل على تطوير البنية التحتية المالية وتعزيز التكامل مع النظام المصرفي العالمي، ولا سيما مع البنوك التركية، رغم التحديات القائمة.

وفي السياق ذاته، انطلقت أعمال “منتدى الأعمال والاستثمار السوري – التركي” برعاية الوزيرين، وسط تأكيدات متبادلة على التفاؤل بمستقبل العلاقات الاقتصادية، وشهد المنتدى لقاءات ثنائية بين رجال الأعمال في قطاعات الطاقة والبناء والصحة والزراعة والخدمات اللوجستية والتعليم والنسيج، إلى جانب جلسات متخصصة تناولت قضايا التمويل والمقاولات وسلاسل الإمداد.

ويأتي هذا التطور بعد توقيع حزمة من الاتفاقيات الثنائية في 6 آب 2025، بين دمشق وأنقرة، في إطار مسار متصاعد يهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.

شراكة اقتصادية على أسس مؤسساتية حديثة

وشملت الاتفاقيات حينها تأسيس “مجلس الأعمال السوري – التركي” ضمن إطار مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية، إلى جانب أكثر من عشر اتفاقيات تعاون بين مؤسسات البلدين، وذلك خلال الزيارة التي قام بها وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار إلى تركيا، ومباحثاته مع وزير التجارة التركي عمر بولاط.

وشكلت هذه الاتفاقيات خطوة نوعية نحو بناء شراكة اقتصادية تقوم على أسس مؤسساتية حديثة، وتشكل تمهيدا لتكامل اقتصادي إقليمي واسع تدعمه الدول العربية الخليجية، ضمن مسار إعادة إعمار سوريا وإنعاش اقتصادها بعد سنوات من التدمير والتراجع.

ووصف الشعار، في تصريحات إعلامية عقب التوقيع على الاتفاقيات، العلاقات السورية – التركية بأنها متجذرة تاريخيا، وأكد أن تركيا كانت ملاذا آمنا لملايين السوريين خلال الحرب، وأن هذه الروابط تشكل أساسا لشراكة اقتصادية متكاملة، مؤكدا أن دمشق ترغب في أن تكون شريكا حقيقيا في الإنتاج والتسويق والاستثمار، لا مجرد متلق للدعم.

وتفرض الأمور الجامعة للبلدين، والمتقاطعة بين الجغرافيا والتاريخ والحاضر والمستقبل، بحسب المتابعين، حالة خاصة من التقارب والتنسيق لتعزيز الأمن وتقليل المخاطر المحتملة ومواجهة التحديات المشتركة، ناهيك عن أن التنسيق الفعال بين سوريا وتركيا يمثل خطوة مهمة لضمان تحقيق استقرار مستدام في المنطقة.

 

المصدر: صحيفة الثورة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى