طقوس وطن بنكهة القرباط

عساف سلامة السلمان

في أحد الأعوام التي كانت فيها منبج تتمدد ببطء نحو المنطقة الصناعية، انتقلنا إلى بيت صغير على طرف المدينة. لم يكن المكان يشبه الأحياء المعتادة؛ رائحة الحديد المحترق والزيوت الثقيلة تملأ الهواء، والشاحنات القديمة تصطف كجمال متعبة عند الورش. وخلف تلك الفوضى المعدنية، ظهرت ذات يوم خيام القرباط.

نصبوها بسرعة عجيبة، كأنهم يعرفون الأرض قبل أن تطأها أقدامهم. خيام من الجنفاص الباهت، بعضها مرقع بأكياس طحين قديمة، وبعضها مربوط بأسلاك صدئة بدل الحبال. وفي المساء، كانت أضواء نارهم الصغيرة تلمع من بعيد مثل نجوم منخفضة قرب التراب.

كنت يومها أقضي ساعات طويلة في البلكون أراقبهم بصمت. كانوا مختلفين عن أهل المدينة، لكنهم لم يكونوا مخيفين كما كان الناس يرددون. بالعكس، بدا أنهم يعيشون في عالمهم الخاص دون أن يؤذوا أحداً. نساؤهم يخبزن على الصاج، الأطفال يركضون حفاة خلف دواليب السيارات، والرجال يصلحون أدوات معدنية أو يعزفون أحياناً على الربابة حتى ساعة متأخرة من الليل.

وكان أكثر ما يثير فضولي لغتهم. خليط من كلمات سريعة وضحكات عالية وإشارات بالأيدي، حتى أن الشجار بينهم يبدو أحياناً كأنه أغنية غاضبة.

لكن مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ طقساً غريباً يتكرر كل عصر تقريباً.

في ساحة ترابية قرب الخيام، تتشكل دائرة واسعة من الرجال والشباب. يحمل كل واحد منهم ديكاً تحت ذراعه بعناية تشبه عناية الفرسان بخيولهم. ديكة ضخمة ذات أعراف حمراء وعيون حادة كالسكاكين.

تبدأ المراهنات والصراخ، ثم تُطلق الديكة في الحلبة.

في البداية تتحرك بحذر، ثم تنقض على بعضها بجنون. الريش يتطاير، والغبار يرتفع، وصيحات الرجال تعلو أكثر فأكثر. كان المشهد قاسياً، لكن أحداً لم يكن يبدو منزعجاً. بالعكس، كانوا يتابعون المعركة بشغف يشبه شغف الجماهير في مباريات كرة القدم.

وكلما انتهت معركة، حمل أصحاب الديكة طيورهم الممزقة وعادوا بها بصمت. لم أرَ ديكاً يخرج سليماً، حتى المنتصر كان يترنح وينزف وكأنه خسر أكثر مما ربح.

وذات مساء، بينما كنت أراقبهم، خطر لي أن تلك الحلبة الصغيرة تشبه بلاداً كاملة. الجميع يدخلها صارخاً ومتحمساً، وكل طرف يظن أنه سيخرج منتصراً، لكن النهاية واحدة دائماً: غبار، ودم، وطيور نصف ميتة.

بقي ذلك الخاطر يلاحقني طويلاً.

أما الأمر الثاني، فقد كان أكثر غرابة. القرباط لا يرحلون بهدوء.

في ليلة قائظة من ليالي الصيف، استيقظ الحي كله على صراخ هائل. رجال يتوعدون بعضهم، نساء يلطمن ويصرخن، وأطفال يبكون بين الخيام. بدا الأمر كأن حرباً صغيرة اندلعت فجأة داخل المخيم.

خرج الناس إلى الشرفات يراقبون المشهد. أحد الرجال كان يلوح بعصا طويلة، وآخر يقسم بأنه لن يسامح أحداً. امرأة رمت قدراً نحاسياً في التراب، وأخرى مزقت قطعة قماش كانت تغطي باب خيمتها.

استمر الصراخ حتى الفجر.

وفي الصباح، حدث ما لم أتوقعه. بدأوا بتفكيك الخيام. بسرعة مدهشة، وكأن الرحيل كان معداً منذ زمن. الرجال يقتلعون الأعمدة الحديدية، النساء يجمعن الأغطية والأواني، والأطفال يركضون خلف العربات المحملة بالأغراض.

سألت رجلاً عجوزاً كان يقف قرب دكان الحي: “لماذا يتشاجرون قبل الرحيل دائماً؟” نفث دخان سيجارته وقال: “حتى لا يتركوا باباً مفتوحاً للعودة.”

ثم أضاف: “بعض الناس لا يستطيعون المغادرة بهدوء… يحتاجون أن يحرقوا الجسر وراءهم.”

راقبت القافلة وهي تبتعد ببطء وسط الغبار. لم يبقَ خلفهم سوى آثار نار سوداء وريش ديكة متناثر على التراب.

وبقيت كلمات العجوز عالقة في رأسي سنوات طويلة.

فكم من البشر يشبهون تلك الديكة التي تتقاتل حتى الإنهاك، وكم من الجماعات ترحل بعد أن تملأ المكان صراخاً وتهديداً، كأنها تخشى أن يعود الود يوماً.

ومنذ ذلك الوقت، كلما رأيت خصومة تكبر حتى تبتلع أصحابها، تذكرت ساحة القرباط قرب المنطقة الصناعية، وتلك الديكة التي كانت تدخل الحلبة بكل كبرياء… ثم تخرج جميعها خاسرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى