
لم تعد التحالفات في الشرق الأوسط تُفهم امتداداً لمنظومات قيمية أو اصطفافات أيديولوجية مستقرّة، بل باتت تُقرأ ضمن منطق وظيفي براغماتي تُحدَّد فيه قيمة كلّ فاعل بقدرته على أداء دور محدّد داخل شبكة المصالح الدولية، والأميركية خصوصاً. هذا التحوّل، الذي تعمّق مع سياسة دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، لم يقتصر على إعادة ترتيب الأولويات، بل امتدّ ليشمل إعادة تعريف طبيعة “الحليف” نفسه؛ من شريك استراتيجي طويل الأمد إلى أداة مرنة ضمن منظومة قابلة لإعادة التشكيل المستمرّ.
في هذا السياق، تعمل السياسة الأميركية على مستويَين متداخلَين، أمني، حيث تُعطى الأولوية لتفكيك مصادر التهديد، لا بالضرورة عبر القضاء عليها، بل عبر إعادة توزيعها وضبطها بما يمنع تشكّل كتل معادية قادرة على التأثير الاستراتيجي. ومستوى اقتصادي، إذ تسعى واشنطن إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يتوافق مع نموذج رأسمالي منفتح، يضمن تدفّق الاستثمارات، وتأمين موارد الطاقة، وربط الاقتصادات المحلّية بمنظومات السوق العالمية التي تقودها الولايات المتحدة.
ضمن هذا الإطار، لا تُفهم التحرّكات الأميركية ردّات فعل ظرفية، بل جزءاً من عملية “هندسة سياسية” شاملة. وهنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته “الإسناد الرمزي المبكّر”، كما في حالة إشادة ترامب بعلي الزيدي، واتصاله الهاتفي به فور تكليفه بتشكيل الحكومة العراقية، وتثبيت دعم واشنطن له عند التكليف وخلال فترة رئاسته مجلس الوزراء. وهذه إشاراتٌ لا تُقرأ إجراءاتٍ بروتوكوليةً، بل أدوات سياسية متعدّدة الطبقات، تُسهم في تشكيل الواقع قبل أن يستقرّ.
لا تُفهم التحرّكات الأميركية في الشرق الأوسط ردّات فعل ظرفية، بل جزءاً من عملية “هندسة سياسية” شاملة
يحمل الإسناد الأميركي ثلاث دلالات رئيسة. أولها الشرعنة الدولية السريعة، إذ تمنح واشنطن إشارة قبول تُعيد ترتيب مواقف القوى الداخلية، في بيئة تتعامل مع الموقف الأميركي عامل ترجيح حاسم. ثانيها التثبيت الوظيفي، إذ يُعرَّف الدور المتوقّع من الشخصية المكلّفة منذ اللحظة الأولى، وهو إدارة التوازنات، وضبط الفواعل المسلّحة، والانخراط في مسار اقتصادي متوافق مع المنظومة العالمية. أمّا ثالثها فهو الردع الرمزي، إذ يُوجَّه رسالة دعم علني إلى الأطراف المناوئة مفاده أنّ هامش المناورة محدود في مواجهة شخصية (علي الزيدي) تحظى بإسناد مباشر من واشنطن.
يعكس هذا النمط من التدخّل المبكّر انتقالاً من سياسة “إدارة التوازنات” إلى “توجيه لحظة التشكّل”. فواشنطن لم تعد تنتظر تبلور المعادلات الداخلية، وقد أثبتت فشلها طيلة أكثر من عقدَين من الزمن، بل تسعى إلى التأثير فيها منذ بدايتها، مستخدمةً أدوات منخفضة الكلفة لكنّها عالية التأثير تمثّلت في اتصال هاتفي، وتصريح علني، وإشادة سياسية محسوبة. وهنا يتحوّل الرمز إلى فعل، والإشارة إلى أداة ضبط.
وفي المقابل، يظلّ هذا الدعم محكوماً بمنطق “الأداء” لا بمنطق “الولاء”. فالنموذج الترامبي لا يمنح دعماً مفتوحاً، بل يربطه بمدى الالتزام بالوظيفة المحدّدة. فالحليف، في هذا السياق، يُقاس بقدرته على تحقيق أهداف ملموسة، وهي هنا: استقرار أمني قابل للضبط، وتقليص نفوذ الفواعل غير المنسجمة مع المصالح الأميركية، وهي فواعل إيرانية بالعموم، ثمّ تهيئة بيئة اقتصادية منفتحة ومندمجة في النظام الرأسمالي العالمي. ومن هنا، فإنّ الاستمرارية ليست مضمونة، بل مشروطة بفعّالية الأداء المتوقّعة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
في العراق، حيث تتقاطع الهشاشة المؤسّسية مع التعقيد الجيوسياسي، يصبح هذا النموذج أكثر وضوحاً. فإعادة تشكيل الحكومة، أو دعم شخصية بعينها، لا يُفهم بوصفه خياراً داخلياً صرفاً، بل جزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب “البيت السياسي” بما يتوافق مع منطق التحالفات الوظيفية. غير أنّ هذا الإسناد الخارجي، رغم ما يمنحه من قوة دفع أولية، يحمل في طياته تحدّيات داخلية تتعلّق بالسيادة والتمثيل، إذ قد يُنظر إليه اصطفافاً خارجياً يهدّد التوازنات المحلّية، ما يفرض على الشخصية المدعومة مهمّةً مزدوجةً: الاستجابة لمتطلّبات الداعم الدولي، وتوطين هذا الدعم ضمن معادلة داخلية تحافظ على الحدّ الأدنى من الشرعية الوطنية.
لا تسعى واشنطن إلى تثبيت شكل نهائي للنظام، بل إلى إبقائه في حالة ديناميكية مستمرّة، تضمن السيطرة عليه ، وتُعيد إنتاجه كلّما دعت الحاجة
الأبعد من الحالة العراقية، أنّ هذا النمط يعكس تحوّلاً أعمق في الفلسفة الحاكمة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فواشنطن لم تعد معنيةً بإنتاج نظام إقليمي مستقرّ بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما تسعى إلى إدارة حالة من “الفوضى المنضبطة”. فالفوضى هنا ليست نقيض النظام، بل أداة لإعادة توزيع القوة ومنع تشكّل مراكز نفوذ مستقلّة. وفي هذا السياق، تصبح إعادة تأهيل بعض الفاعلين، حتى أولئك الذين كانوا يُصنَّفون سابقاً خصوماً، جزءاً من عملية إعادة تعريف الأدوار، إذ يُقاس الفاعل بقدرته على التكيّف مع المتطلّبات الجديدة، لا بتاريخه السابق.
كما أنّ التحالفات، في ظلّ هذا المنطق، لم تعد تُبنى لتدوم، بل لتُستخدم شبكاتٍ مرنةً قابلة لإعادة التشكيل، تُدار وفقاً لحسابات اللحظة، فالحليف اليوم قد يصبح خارج المعادلة غداً إذا ما تغيّرت وظيفته أو تراجعت قيمته العملية. وهذا ما يجعل البيئة الإقليمية أكثر سيولة، وأقلّ قابليةً للتنبؤ.
من هنا، ما نشهده في الشرق الأوسط ليس مجرّد تبدّل في السياسات، بل إعادة صياغة شاملة لقواعد اللعبة. تحالفات تُبنى على الوظيفة، ودعم يُمنح على أساس الأداء، وإسناد رمزي يُستخدم لتثبيت الأدوار منذ لحظة التشكّل. وفي قلب هذه المعادلة، تقف واشنطن مهندساً رئيساً لإعادة هندسة الإقليم، لا تسعى إلى تثبيت شكل نهائي للنظام، بل إلى إبقائه في حالة ديناميكية مستمرّة، تضمن بقاءه ضمن نطاق السيطرة، وتُعيد إنتاجه كلّما دعت الحاجة.
المصدر: العربي الجديد






