
لم يكن موفّقاً ألبتّة ردّ سفير الولايات المتحدة في لبنان، ميشال عيسى، المتخلّي عن جنسيته اللبنانية (اقرأ “بائع روحه”) لنيل “شرف المنصب”، على سؤالٍ حول اللقاء المحتمل بين الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ قال: “شو نتنياهو بعبع. يمكن للرئيس عون أن يطلب ما يريد وحينها يقرّر نتنياهو الموافقة أو عدم الموافقة”. معه حقّ السفير، نتنياهو ليس بعبعاً، بل الأكثر بعثاً للراحة والاطمئنان والدعة للجالس أو الواقف قبالته. ذو وجه ناضح بالسلام والأمان، سيرته ناصعة البياض، لا غبار على أفعاله ماضياً وحاضراً، أمّا المستقبل معه فيضمنه السفير ميشال عيسى نفسه، الصنديد الذي لا شيء يخيفه.
كلّا حضرة السفير الجهبذ، نتنياهو ليس ذاك “البعبع” الذي تحدّثت عنه الأساطير في الثقافة الشعبية لإخافة الأطفال، ولضمان طاعتهم، ولا هو “بعبع حرب”، كما في الاستخدام المجازي، بل هو أسوأ من ذلك بكثير، وحش ليس كالوحوش، جيفة قتل نتنة، سفّاحٌ قدوتهُ جنيكز خان، مجرمٌ مطلوب عالمياً، أكثر قاتل أطفال إرهاباً في التاريخ البشري (غزّة تشهد)، مرتكب أفظع الإبادات في الأزمنة الحديثة، قاتل عنصريّ، ملحد يقتل باسم الدين طمعاً بالجلوس ملكاً أعظمَ في عرش قومه ووطنه اليهودي المسخ على أرض فلسطين… يسعنا أن نعدّد له أوصافاً وصفات بلا حدّ. ويأتينا السفير عيسى ليتساءل ببراءة الأطفال “وهل نتنياهو بعبع؟”.
الجواب البديهي للسفير: نتنياهو ليس بعبعاً بل قاتل، والجلوس معه هو جلوس مع قاتل، ومصافحته هي مصافحة قاتل تنسال دماء الأبرياء من أنامله. أمّا أخذُ صورةٍ معه فهي أخذُ صورة مع الشيطان. الأخطر في جملة السفير المتنصّل من أصوله وجذور انتمائه قوله إنّ الرئيس اللبناني في وسعه طلب ما يشاء، ولنتنياهو الموافقة أو عدم الموافقة. ما هذا “العجيبة الدبلوماسية” ميشال عيسى! هل يخال لقاء البيت الأبيض الثلاثي، ترامب ـ عون ـ نتنياهو، هو لقاء طلبات وردود، ثمّ أخذ صورة ثلاثية، وكان الله يحبّ المحسنين؟
سيلقى أيُّ اتفاق يقدّم تنازلات لبنانية لإسرائيل مصير اتفاق 17 أيار المشؤوم
أليس مفترضاً يا حضرة السفير الألمعيّ أن يتقدّم الرئيس اللبناني قبل لقاء كهذا بسلسلة طلباته المعروفة وينتظر الردّ عليها من “بعبع” تل أبيب، ولو أتت مُرضيةً وتتضمّن انسحاباً كاملاً وشاملاً من كلّ الأراضي اللبنانية المحتلة، وصولاً إلى شبعا وتلال كفرشوبا، وكلّ شبر دنّسه جنود الاحتلال، والوقف التام للعدوان، والكفّ عن الطلعات الجوّية والتجسّسية في السماء اللبنانية، والإفراج عن الأسرى، إلى ما هنالك من حقوق لبنانية معترف بها دولياً… لأمكن بعد ذلك كلّه التفاوض حول صور “السلام” الممكنة بين لبنان وكيان الاحتلال، فدون ذلك عقبات كثيرة، عميقة وجوهرية، ليس أبسطها مصير اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وحقّ العودة المرتبط بهم، ومصير مبادرة السلام العربية في بيروت عام 2002، التي تبنّتها بالإجماع 22 دولةً عربيةً، وأطلقها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وهدفت إلى إنشاء دولة فلسطينية معترف بها دولياً على حدود 1967 وعودة اللاجئين والانسحاب الإسرائيلي من هضبة الجولان المحتلّ، مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية و”إسرائيل”.
مهلاً حضرة السفير: على نتنياهو أن يوافق على كلّ ما سبق، ويفترض أن تكون هذه طلبات الرئيس اللبناني، ومن ثمّ يمكن الحديث عن إمكانات السلام مع الكيان والتقاط الصورة مع “البعبع”. المطلوب أميركياً، أيّها السفير الطُّلعة، ولا ينطلي الأمر على كلّ نبيه ولبيب، هو قلب الأمور رأساً على عقب، أي الصورة أولاً، لاستثمارها في استفزاز فئات واسعة من الشعب اللبناني الذي لم تجفّ دماء شهدائه، ثم يأتي التفاوض المباشر الذي سيفضي إلى نتيجة صفرية أكيدة، فلا نتنياهو سيتنازل عن شيء بالمطلق، فيما يُتوقّع أن يقدّم الوفد الرئاسي اللبناني التنازلات كلّها، على طريقة اتفاق 17 أيار (1983) المشؤوم، الذي أُسقط وأُشبع إسقاطاً، وأيّ معاهدة أو اتفاق يشبهانه سيلقيان المصير عينه، بما في ذلك “اتفاق السلام” المزعوم في واشنطن برعاية أميركية، وسيموت وليداً، وسيخرج من عند الرئيس ترامب، المستعجل على لبنان، جثّةً هامدةً تُدفن في أرض الجنوب.
لا يفقه السفير شيئاً في السياسة، ولا في التاريخ أو الدبلوماسية، يعيش انفصالاً وانفصاماً عن الواقع، وكان الأجدى له أن يبقى في ملعب الغولف حيث كان يلتقي دونالد ترامب لممارسة لعبة الأغنياء، فهناك ولدت تلك الفكرة الغريبة في الرأس البرتقاليّ، تعيين سفير لدولة عظمى في بلد صغير من خارج السلك الدبلوماسي المتخصّص والمتمرّس، فعيسى لا يملك من المعرفة الدبلوماسية شيئاً، ويبدو أنّه لا يتمتّع بحسّ الانتماء الوطني، أو ما كان ليقبل بهذه المهمة العبثية الجوفاء التي تعرّضه للانتقاد والتخوين، ولم يطل مُقامه في السفارة العملاقة في عوكر شمالي بيروت، حتى بدأ يوصم بهما.
المصدر: العربي الجديد






