
عاد الحديث في تونس عن سيناريوهات التداول على رئاسة الجمهورية. وهو موضوع أصبح من “التابوهات” التي يُتجنّب الخوض فيها خوفاً من وقوع تداعيات سلبية. فبعد انتهاء الانتخابات الرئاسية التونسية، توقّف الجدل في المسألة بعد المحاكمات والملاحقات التي تعرّض لها كلّ من حاول المشاركة في السباق، ولم ينجُ من ذلك المصير سوى المرشّح باسم حركة الشعب زهير المغزاوي، والذين انسحبوا مبكّراً قبل موعد الاقتراع.
أخيراً عاد هذا الجدل بعد مقال نشرته صحيفة إيطالية (غير معروفة foglio)، عن رجل أعمال تونسي مقيم في الخارج اسمه كمال الغربي، وهو نائب مجموعة سان دوناتو. وقدّرت الصحيفة أنّه أحد الأسماء المتداولة ليكون الرئيس المرتقب بعد قيس سعيّد، بحكم علاقاته الممتدّة مع مسؤولين غربيين، منهم رئيسة الحكومة الإيطالية، ونُشرت له صورة برفقة البابا. ورغم أنّ هذا الشخص غير معروف لدى عموم التونسيين ونُخبهم، غير أنّ هذا لم يمنع حصول جدل بين تونسيين في وسائل التواصل الاجتماعي، إذ منهم المعترِض، ومنهم من اعتبر المسألةَ أمراً عاديّاً. والغريب أنّ الصحيفة واصلت اهتمامها بتونس خلال ثلاث أيّام متتالية، ركّزت فيها على ملفّ الحرّيات، والمحاكمات المستمرّة للمعارضة ونشطاء المجتمع المدني.
اعتبرت الأوساط الرسمية القصّة مجرّد “إشاعات وأراجيف”، لكن هذا لا ينفي انشغال الرأي العام بمسألة التداول على رئاسة الجمهورية. صحيح أنّ الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل قد أكّد في كلمته يوم غرة مايو/ أيار الجاري أنّ النقابيين “لم يكونوا يوماً راغبين في الحكم، وما كانوا يوماً من الساعين إليه”، واعتبر هذا “من شأن الأحزاب السياسية والسياسيين”. فعل ذلك اعتقاداً منه بأنّ الاقتراب من هذا الموضوع يمكن أن يتسبّب في أزمة إضافية لقيادة الاتحاد. لهذا اكتفى بالتأكيد أنّ التمتّع بالحقوق النقابية أو ببعضها هو أقصى ما يطمح إليه النقابيون في هذه المرحلة، بعد أن كانت الحكومات السابقة، وحتى الرؤساء، يخشون من سطوة الاتحاد ويستجيبون لضغوطه ومطالبه.
في هذه الأجواء التي تتسم بحساسية عالية، أعاد بعضهم طرح السؤال المحيّر على أساتذة القانون الدستوري بشأن أهلية قيس سعيّد للترشّح من جديد إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة، المفترض أن تجري في 2029. والدافع إلى السؤال أنّه شارك في انتخابات 2019 وفق دستور 2014 الذي نصّ على أنّ الترشّح لدورة أخرى يحصل مرّةً واحدةً، وبما أنّ سعيّد قرّر في سنة 2021 إصدار دستور جديد وتنظيم انتخابات رئاسية ثانية، فهل يسمح له هذا، سياسياً وقانونياً، بعد 25 يوليو (2021) الذي نسخ الفترة السابقة، أن يترشّح لدورة جديدة، وتحسب الثانية لا الثالثة؟ أو أنّه مضطر، وجوباً، للتقيّد بالنصّ الذي ورد سواء في الدستور الأول أو الثاني، الذي يجعل رئاسة سعيّد تنتهي مع نهاية 2029 بدلاً من عام 2034. هذه الحيرة مرشّحة لكي تستمرّ ما دام رئيس الدولة لم يكشف للرأي العام إن كان راغباً في البقاء، أو سيلتزم حرفية النصّ الدستوري.
ما هو معلوم أنّ قيس سعيّد أكّد في مناسبات سابقة أنه لن يسلّم المسؤولية إلّا إلى “شخص وطني”. ولم تتضح بعد ملامح هذا الشخص البديل، لأنّ الأغلبية الساحقة من الذين أعلنوا نيّاتهم الوصول إلى هذا المنصب وُجّهت لهم تهمة الخيانة. وهو ما حوّل الرئاسة من جديد إلى معادلة صعبة حيّرت المتنبّئين الذين فشلوا في كشف ملامح هذا البديل المجهول، بعد أن خاضوا في فرضيات يصعب التسليم بها. بعضهم طرحوا فرضية حامل الزيّ العسكري، رغم علمهم أنّ الجيش التونسي من أكثر جيوش العالم تمسّكاً بمدنية الدولة. في حين خاض آخرون في سيناريوهات استخباراتية افترضت وجود مخطّطات لتنصيب رئيس من وراء البحار.
تؤكّد هذه الفرضيات، وغيرها، أنّ إنجازات الثورة التي نزعت الغموض عن منصب الرئاسة، وجعلت السبيل إليه مفتوحاً أمام الجميع، أصبحت مهدّدةً بالغموض الذي يكتنف الحياة السياسية، ويحوّلها إلى هواجس من بلا قاع.
المصدر: العربي الجديد






