اختبار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

محمد أحمد بنّيس

                                            

تواجه اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل اختباراً عسيراً بعد المتغيّرات التي طرأت في الإقليم منذ “7 أكتوبر” (2023). وعلى الرغم من أنّ دولة الاحتلال لا تزال تتمتّع بنفوذٍ غير هيّن في كثير من مواقع صناعة القرار الأوروبي، يؤشّر الانقسام الحاصل داخل الاتحاد، بشأن مستقبل الشراكة معها، إلى أنّ رصيدها في أوروبا يتعرّض لتآكل بادٍ، نتيجة اتّساع رقعة الخراب والفوضى وعدم الاستقرار الذي سبّبته جرائمُها في غزّة وجنوب لبنان وغيرهما.

أخفق أعضاء الاتحاد في التوافق على تبنّي قرار بشأن فرض عقوبات جديدة على دولة الاحتلال بما يُفضي إلى تعليق اتفاقية الشراكة معها، الأمر الذي يعكس جسامةَ التحدّيات التي يواجهها اللوبي الصهيوني بمختلف أذرعه، السياسية والاقتصادية والإعلامية، في أوروبا، وذلك أمام اتّساع قاعدة المناهضين لسياسات إسرائيل العنصرية، وعجزِ الأخيرة عن تقديم سردية مقنعة بشأن توحّشها غير المسبوق.

أعادت مهاجمة إسرائيل أسطول الصمود (الذي كان متوجّهاً إلى قطاع غزّة من أجل كسر الحصار المفروض عليه، وإيصال مساعدات إنسانية إلى سكّانه) إلى الواجهة مستقبل الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل؛ ففي حين تدعو إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا إلى تعليق الاتفاقية، كلّياً أو جزئياً، أمام رفض إسرائيل التوقّف عن انتهاكاتها، لا تزال حكومات أوروبية أخرى تعترض أو تتحفّظ على ذلك.

يسائل هذا الانقسامُ صدقية الهُويّة السياسية للاتحاد التي طالما أكّدها في علاقاته بدول جنوبي البحر الأبيض المتوسّط وشرقيّه، وبالأخصّ في ما له صلة بالديمقراطية والحقوق والحرّيات. ومن المعلوم أنّ الاتحاد لعب دوراً في ترويج جزء من الخطاب الكوني لحقوق الإنسان الذي تشكّل بالتوازي مع بداية تفكّك المعسكر الشرقي منذ منتصف ثمانينيّات القرن الماضي؛ وقد كان لتوصيات برلمان ستراسبورغ، حينها، أثرٌ في زيادة منسوب الضغط على أنظمة وحكومات في جنوب المتوسّط وغرب أفريقيا، والمساهمة في إحداث انفراج سياسي في أكثر من بلد، والدعوة إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وغير ذلك ممّا طبع الحراك السياسي في العالم نهاية الثمانينيّات وبداية التسعينيّات. وبعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، غدت السردية الأوروبية أكثر اتّساقاً في ذلك، وهو ما بدا في المؤتمر الأورومتوسّطي الذي انعقد في برشلونة (1995)، الذي أكّد ربط الشراكات مع بلدان المتوسّط بضرورة ترسيخ الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام الحقوق والحرّيات.

في ضوء ذلك، يستدعي “انتماءُ” دولة الاحتلال إلى حوض المتوسّط، وارتباطها باتفاقية شراكة مع الاتحاد منذ عام 2000، احترامَها الحدّ الأدنى من الحقوق والحرّيات، فضلاً عن احترام قواعد القانون الدولي، وقواعد القانون الدولي الإنساني. أمّا وقد ارتكبت أكبر إبادة جماعية بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تُوغل في القتل والتدمير والتشريد في غزّة والضفة الغربية وجنوبي لبنان، فإنّ انقسام حكومات الاتحاد حول تعليق اتفاقية الشراكة معها لا تفسير له سوى أنّ اللوبي الصهيوني لا يزال مؤثّراً في قنوات صناعة القرار في غير بلد أوروبي، وبالأخصّ في البلدان المعروفة بعلاقاتها التاريخية مع إسرائيل.

إنّ تحفّظ حكومات أوروبية، وفي مقدّمتها ألمانيا وإيطاليا، على تعليق الشراكة مع دولة الاحتلال، بذريعة أنّ استمرارها يمثّل أولوية سياسية وأمنية في ما يخص أوروبا، لا يعكس فقط الأزمة التي تُجابهها السرديةُ الأوروبيةُ، الموروثةُ عن مسار برشلونة، بعد حرب غزّة، بل يؤشّر إلى تصدّع أخلاقي وسياسي في البنيان الأوروبي، بعد أن فضح تزامنُ الحرب الروسية الأوكرانية مع حرب غزّة، الانتقائيةَ الأوروبيةَ في التعاطي مع الأزمات والنزاعات الدولية وفق ميزان مصالح دقيق، لا علاقة له بالديمقراطية ولا بالحقوق والحرّيات، ولا باحترام سيادة القانون.

مع ذلك، التحوّل اللافت داخل الرأي العام الأوروبي تجاه ما حدث (ويحدث) في الشرق الأوسط، منذ “7 أكتوبر”، والحراكَ الذي تقوده منظّمات المجتمع المدني ضدّ الجرائم الإسرائيلية، والارتجاج الذي أحدثته حرب غزّة في وعي الأجيال الأوروبية الجديدة، ذلك كلّه يوسّع حزام الضغوط على الاتحاد كي يتخذ موقفاً أكثر اتّساقاً مع ما يُفترض أنّها قيمٌ أوروبيةٌ أصيلة.

 

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الشراكة بين دولة الإحتلال الصhيوني والإتحاد الأوروبي تواجه تحديات كبيرة gخرقها لhقوانين الدولية وممارسة الإبادة بحق الشعب الفلسطيني وعدم الإمتثال لقرارات محكمة العدل الدولية ، وإن أخفاق أعضاء الاتحاد بالتوافق على تبنّي قرار بشأن فرض عقوبات جديدة علdih بما يُفضي إلى تعليق اتفاقية الشراكة معها، لا يوقف هذا التحدي ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى