من أجل التضامن مع حريات تونس

  بشير البكر

انتقلت تونس من مثال للديموقراطية العربية إلى حال معاكس خلال وقت قصير جدا. عبرت من مختبر لتأسيس نموذج حديث للمشاركة السياسية التعددية، إلى حكم الفرد. طوت صفحة الدستور الجديد الذي كتبته بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي في 14 كالنون الثاني 2011، وباتت تدار بمراسيم وقتية، يصدرها رئيس الدولة قيس سعيّد وفق ما يراه، وحسب مقتضيات استمرار حكمه، وبما يقيد المعارضة السياسية والنقابية، ويقصيها من المشهد، رغم أنها قدمت تضحيات خلال أكثر من نصف قرن من أجل بناء أسس ديموقراطية، على نحو لا يقبل الاهتزاز.

يجتاز هذا البلد العربي المتوسطي المتميز، وضعا صعبا اليوم بسب التضييق الكبير على الحريات من قبل سلطة سعيّد، الذي نفذ انقلابا في تموز عام 2021، أقفل بموجبه أبواب الحياة السياسية، ووضع عربة عسكرية عند مدخل البرلمان الشرعي المنتخب، قبل أن يقرر حله، ويفصّل واحدا جديدا من موالين له في عملية انقلاب وتزوير للانتخابات، لم يشارك فيها أكثر من نسبة 10 من السكان.

شن سعيّد حربا ضد القوى السياسية والمؤسسات الدستورية وهيئات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المهنية. وتحول حكمه إلى سلسلة من عمليات التنكيل بخصومه السياسيين، وكل المعترضين على أسلوبه في الحكم، ومنتقدي الاعتقال والمحاكمات الصورية، التي أشهرها كسلاح لسجن المعارضة السياسية. ومن بين أبرز الشخصيات خلف القضبان، زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، رئيس البرلمان الشرعي المنتخب، وأستاذ القانون الدستوري القيادي في جبهة الإنقاذ المعارضة جوهر بن مبارك، وعصام الشابي الأمين العام للحزب الجمهوري، والمحامي والوزير السابق غازي الشواشي، بالإضافة لعدد من النساء السياسيات والحقوقيات المستقلات أو اللاتي ينحدرن من حساسيات مختلفة مثل السياسية عبير موسى.

وفي تشرين الثاني الماضي قام سعيّد بالإفراج عن المحامية سنية الدهماني بطلب من الإتحاد الأوروبي، وبعد أيام اعتقل القيادية في جبهة الإنقاذ شيماء عيسى، وفي مطلع العام الحالي افرج عن الصحفية شذى بلحاج مبارك نتيجة المرض، وبعد وقت قصير اعتقل الناشطة هاجر العوادي. لابد له من ضحية جديدة من الإناث يعوض بها العجز أو النقص، والبعض منهن صدر ضده حكم غيابي كالمحامية بشرى بلحاج حميدة، ومديرة مكتبه سابقا نادية عكاشة.

في مطلع شباط 2023 شنت أجهزة سعيّد حملة واسعة لاعتقال أبرز وجوه المعارضة، وفتحت تحقيقات جنائية مع ما لا يقل عن 50 شخصا على خلفية اتهامات بـ “التآمر على أمن الدولة” تقول المعارضة إنها لا تستند إلى أي أدلة. وتم احتجاز شخصيات المعارضة والمجتمع المدني قسرا دون أي محاكم، وجرت من بعد ذلك سلسة محاكمات شكلية، وصدرت أحكام تجاوز بعضها 30 عاما بحق شخصيات يعاني بعضها من أمراض مزمنة، وبينها من بات متقدما في السن كالغنوشي، الذي بلغ 84 عاما، وقالت عائلته إنه لا يحظى في سجنه بالرعاية الصحية الضرورية.

بعد انقلابه في 25 تموز 2021 استخدم سعيّد السجن كأداة لإرساء عهد سلطوي يقوم على كسر عزيمة المعارضة وتغييبها، ليس فقط من أجل قمع حرية التعبير وكم الأفواه، بل لبث الرعب والخوف في المجتمع التونسي الذي كسر طوق الاستبداد بالثورة ضد حكم الدكتاتور السابق زين العابدين بن حتى أطاحه من الحكم، وها هي سجون سعيّد تكتظ بالسياسيين وأصحاب الرأي والنقابيين والمحامين، من مشارب أيديولوجية وسياسية مختلفة إمًا إيقافًا تحفظيًا أو تنفيذًا لأحكام بالسجن، في محاكمات تفتقر لأبسط شروط النزاهة وضمانات تطبيق العدالة من دون تدخل، بعدما صادر القضاء، وحل مجلس القضاء الأعلى.

وحسبما هو ملحوظ فإن العقوبات ليست فردية، بل جماعية، وطاول بعضها بقية أفراد عائلات عدد من المعتقلين كالغنوشي والشواشي وجوهر بن مبارك، الذي جرب الإضراب عن الطعام في تشرين الثاني الماضي، والتحقت به عدة شخصيات منها الغنوشي والشابي.

يحظى السجناء بحركة تضامن واسعة، وخرجت عدة مظاهرات تستنكر الوضع، وأضربت عائلات السجناء وأصدقاؤهم في مثابرة على متابعة قضاياهم، حيث تم تشكيل هيئة تنسيقية في آذار 2024 تحت مسمى رابطة عائلات المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، تبنّت في بيانها التأسيسي، “كلَ ضحايا القضايا السّياسيّة ومحاكمات الرّأي دون تمييز”. وهي تعمل وفق مسارين أساسيين. الأول، الحياة المعيشية داخل السجن. والثاني، ضرورة توفير ضمانات المحاكمة العادلة.

ما ينقص فعلاً هو نقل هذه القضية إلى الرأي العام في الخارج، عربيا ودوليا، وهذا شأن يستوجب تضامنا من الغيورين على الحرية، وخصوصا من العرب، وعلى نحو أكثر تحديدا القوى الديموقراطية ووسائل الإعلام المستقلة. وذلك من أجل إيصالها لأوسع مساحة من اجل فضح نظام سعيّد، وإبقائها حية في الضمير العام، وتحويلها إلى عامل ضغط على نظامه القمعي.

تونس بلد له لمسة خاصة في ميادين السياسة والعمل النقابي، والثقافة العربية الحديثة، رواية، فكر، شعر، مسرح، وموسيقى وغناء، وصحافة. وعرف العالم العربي العديد من المبدعين التونسيين الذي حققوا إضافات مهمة عربية، ومنذ وصول سعيّد للحكم حصل تراجع عام لم يشهده البلد في أشد لحظات القمع خلال حكم الدكتاتور السابق بن علي.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى