حسين الشيخ في دمشق… الفصائل الفلسطينية المسلحة ممنوعة في سوريا

  مصطفى رستم

رسائل للإقليم أيضاً: دمشق ستكون بعيدة من المنظمات الفلسطينية التي ما زالت تدور بالفلك الإيراني

وجه استقبال الرئيس السوري أحمد الشرع نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ، رسائل في أكثر من اتجاه، أبرزها أن حكومة دمشق ستكون بعيدة من أي فصائل غير حكومية حتى ولو كانت قريبة أيديولوجياً منها، وستعمل بما يتماهى مع دول الجوار الإقليمي.

في تطور كسر جموداً في العلاقات استمر عقوداً طويلة، عقد الرئيس السوري أحمد الشرع أول من أمس الأربعاء، محادثات في “قصر الشعب” بالعاصمة دمشق مع وفد فلسطيني رفيع المستوى ترأسه نائب الرئيس الفلسطيني، حسين الشيخ، تركزت حول آفاق التعاون الثنائي والعلاقات المشتركة، لا سيما مع السلطات الجديدة في سوريا، بعدما شهدت دمشق زيارة أجراها الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الـ18 من أبريل (نيسان) 2025 كانت الأولى زيارة له إلى سوريا منذ 16 عاماً.

وأعلنت الرئاسة السورية في بيان أن اللقاء بحث سبل تعزيز العلاقات بما يخدم مصالح الشعبين، في حين ذكر نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ عبر حسابه على منصة “إكس”، “تباحثنا في آخر التطورات في المنطقة وسبل تعزيز العلاقات. وأكدت لفخامة الرئيس السوري موقفنا الثابت في دعم وحدة الأراضي السورية، ووضعته في آخر المستجدات في قطاع غزة والضفة الغربية، والقدس”.

إنتاج علاقة طبيعية

ويشرح المحلل السياسي السوري أحمد مظهر سعدو أن “زيارة الشيخ تأتي ضمن حال إعادة ترتيب العلاقة السورية الفلسطينية، التي باتت تنحو باتجاه إنتاج علاقة طبيعية ورسمية تندرج في سياق علاقات سورية منفتحة على مجمل النظام العربي الرسمي، وتبتعد في ما يخص وضع الفلسطينيين في سوريا عن كل حالات العلاقات التي كانت سائدة بين النظام الأسدي الفاشستي وبعض التنظيمات الفلسطينية التي كانت مرتبطة به وبما يسمى سابقاً ‘محور المقاومة والممانعة’ الذي يتبع بالضرورة نظام الملالي في طهران”.

ويردف سعدو “لذلك فإن الزيارة هي تأكيد لصحة العلاقة وضرورتها لكن ضمن السياقات التي ترتضيها دمشق بعد كنس نظام الاحتلال الأسدي والإيراني من على كامل الجغرافيا السورية”.

في موازاة ذلك يعرف عن حسين الشيخ أسلوبه البراغماتي، لا سيما في علاقته مع إسرائيل، ويحظى حسب وسائل إعلام مطلعة على تقدير مسؤولين إسرائيليين، ويرونه كشريك موثوق بحكم توليه في السابق منصب “وزير الشؤون المدنية”، مما منحه صفة مسؤولة في إدارة العلاقات اليومية لشؤون الفلسطينيين مع إسرائيل، وأهمها متابعة لم شمل العائلات الفلسطينية وتصاريح التنقل والحركة داخل الأراضي المحتلة، وغيرها من القضايا.

وتولى حسين الشيخ المتحدر من مدينة رام الله في الضفة الغربية مناصب سياسية عدة بعد نشاطه في “حركة فتح” ومنذ إنشاء السلطة الفلسطينية في أعقاب اتفاق أوسلو (اتفاق سلام وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية برعاية أميركية) ومن أبرز المهام التي تسلمها أمانة سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

ينتشر قرابة 67 في المئة من مجموع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، بالعاصمة دمشق منذ هجرتهم عام 1948​​​​​​​ (اندبندنت عربية)

 

ما علاقة تظاهرات دمشق؟

إلى ذلك اعتبر الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن عمار جلو أن “القضية الفلسطينية قائمة في الوجدان السوري، وهو أمر ثابت بمعزل عن موقف السلطات الحاكمة في دمشق، والمتغير بالأساس كانت متاجرة نظام الأسد بالقضية لحسابات شخصية، أو البقاء السلطوي وتوسيع النفوذ”. ورأى أن “الزيارة إلى دمشق تأتي باعتبار السلطة الحاكمة في رام الله هي المعترف بها دولياً وحكومة دمشق تتعامل معها بعيداً من التيارات والمنظمات الفلسطينية المتلاطمة في ما بينها”.

ولفت جلو إلى أن “الزيارة تتعلق أيضاً بالتظاهرات التي حدثت أخيراً في دمشق، والتي كان من نتائجها الاعتداء على السفارتين الإماراتية والأميركية، وتبعها إصدار إسرائيل قانون إعدام الأسرى، ما شكل عاملاً سلبياً ووصمة على الحكومة السورية بسبب حدوث الاعتداء على المقار الدبلوماسية خلال الاحتجاج الشعبي”.
وأضاف أن “استقبال الشيخ يوجه رسالة تؤكد اعتراف سوريا بالحكومات بعيداً من التنظيمات حتى بما فيها حركة ‘حماس‘ التي تعتبر قريبة أيديولوجياً من السلطة السورية التي وصلت إلى الحكم في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وتعطي أريحية للدول الإقليمية بأن دمشق ستكون بعيدة من المنظمات التي ما زالت تدور بالفلك الإيراني مثل ‘حماس’ و’الجهاد الإسلامي’ بحجة ‘المقاومة،’ ولكنها بالنتيجة عملياً هي استثمار إيراني لحسابات طهران الإقليمية ومشروعها التوسعي. ورسالة حكومة دمشق هي أنها ستكون بعيدة من أي فصائل غير حكومية حتى ولو كانت قريبة أيديولوجياً منها، وستعمل بما يتماهى مع دول الجوار الإقليمي وربما تكون هذه الزيارة قد رتبت من قبل دول عربية صديقة أو حتى تركيا”.

كذلك أشار جلو إلى “حاجة الطرفين إلى الجلوس لمعرفة حدود إمكانات دعم القضية الفلسطينية بعيداً من دعم الفصائل، وهذا يعطي أريحية للسلطة الفلسطينية. وربما أخذت الزيارة طابعاً بروتوكولياً أكبر من قبل الطرفين لتقوية موقفهما الإقليمي والدولي في مواجهة التحديات الفعلية الحالية التي تمر بها المنطقة لا سيما مع اندلاع الصراع بين إسرائيل وأميركا وإيران”.

نفذ الأمن السوري في أوائل أبريل الجاري، اعتقالات في صفوف الفلسطينيين على خلفية الاشتباه في انتمائهم لمنظمات متشددة ومنها “داعش” (اندبندنت عربية)

 

الفلسطينيون ولظى الحرب

في موازاة ذلك، يرى الباحث السياسي، رمضان القناطري، أن الزيارة الرسمية التي أتت بعد عام من زيارة الرئيس عباس إلى دمشق، تشير إلى “إدراك القيادة الفلسطينية لضرورة مد جسور نحو العهد الجديد في سوريا، لا سيما أن التنظيمات الفلسطينية الموالية لإيران، لا سيما ‘حماس’، تملك قاعدة جماهيرية بين صفوف اللاجئين الفلسطينيين على الأراضي السورية”، وتابع “ضبط العلاقات بين سوريا وفلسطين بات حاجة ملحة وسط التغيرات الجذرية في البنية السياسية في سوريا، ومع كل التطورات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، ولهذا تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تتخطى البعد الدبلوماسي إلى وضع ترتيبات تقنية مع مسؤول حكومي بمكانة حسين الشيخ المؤهل لخلافة الرئيس عباس في المرحلة المقبلة، فيمكن دراسة واقع اللاجئين الفلسطينيين ومعالجة أوضاعهم الإنسانية والواقع الإنساني الصعب الذي يحيط بهم منذ اندلاع الصراع المسلح في سوريا خلال عقد ونصف العقد الماضي”.

وعانى اللاجئون الفلسطينيون أهوال الحرب السورية، من نزوح داخلي وتهجير قسري، ويقدر عددهم وفق تقديرات مكتب وكالة الإغاثة التابع للأمم المتحدة (الأونروا) بـ560 ألف نسمة قبل عام 2011. وتراجع العدد إلى نحو 438 ألفاً، إذ هاجر أكثر من 40 في المئة منهم وسط تحديات أمنية واقتصادية وظروف معيشية قاسية، بعدما كانوا متوزعين قبل الحرب السورية الأخيرة في مخيمات عدة في دمشق جنوباً ومنها اليرموك وجرمانا وخان الشيح، وخان دنون. وفي حلب شمالاً في مخيم النيرب، فضلاً عن مخيمات في حمص وحماه واللاذقية، وتعرضت هذه المخيمات للتدمير بأعقاب اشتداد المعارك بين قوات النظام السابق والثوار.

يأتي كل ذلك وسط توتر أمني وبالتوازي مع حملات اعتقال في حق فلسطينيين نفذها الأمن السوري في أوائل أبريل (نيسان) الجاري، على خلفية الاشتباه في انتمائهم لمنظمات متشددة ومنها “داعش”.

وأعلنت منظمة “مجموعة العمل من أجل فلسطيني سوريا” توقيف نحو 40 لاجئاً فلسطينياً في مناطق متفرقة في دمشق ومحيطها توزعت على الشكل التالي: ستة في مخيم خان الشيح، واثنان بجرمانا، وأربعة في مخيم الحسينية، وثلاثة في حي ركن الدين، وحالة واحدة في منطقة الهامة، بينما اعتقل 14 آخرون في مناطق أخرى متفرقة.

هيكلة المنظمات

في غضون ذلك تحدث الباحث في الشأن السوري، أحمد مظهر سعدو، عن “حضور الفلسطيني في سوريا كان وما زال مرحباً به شعبياً ورسمياً، وبات يأخذ منحى يحد من الظهور المسلح، ويعوق التدخلات الخارجية الإيرانية في الوضع السوري لكنه يناصر قضية فلسطين”، وأضاف “هي بالضرورة قضية سورية بامتياز لأنها قضية العرب جميعاً، وهذا ما تابعناه، ولاحظناه منذ شهر ونيف عندما خرجت الجموع الشعبية في سورية نصرة للقضية الفلسطينية ودعماً لشعب فلسطين في مواجهة إسرائيل”.

وفي سياق رده على نشاط المنظمات الموالية لإيران، أجاب سعدو “بكل تأكيد لا بد من أن تعيد هذه المنظمات الموجودة على الأراضي السورية هيكليتها التنظيمية والسياسية، وهي جميعاً غير مسموح لها بعد اليوم أن توجد على الساحة الفلسطينية إذا ما بقيت تناصر إيران وتقبل الدعم من نظام الملالي وتقلق راحة الأمن في سوريا عبر ممارسات تخدم طهران ولا تخدم القضية الفلسطينية”.

ويتفق معه الباحث السياسي في مركز الحوار، عمار جلو مع هذا الطرح، مرجحاً أن هيكلة المنظمات الفلسطينية في سوريا أو خارجها ستحدث، لا سيما مع اتفاق عربي على أن تكون المنطقة العربية خالية من المنظمات المسلحة.

وأردف قائلاً إن “الهيكلة تنطبق كذلك على الفصائل المسلحة في سوريا ولبنان والعراق سواء بالقوة أو الاستيعاب الحكومي. والهيكلة على مراحل ربما تكون بطيئة ببعض الحالات وسريعة في حالات أخرى، لكن الحضور الفلسطيني من غير الممكن اجتثاثه من سوريا لأنها من الدول الداعمة لفلسطين منذ عام 1948، وهذا الموضوع مستمر سواء كانت السلطة الحالية تسعى إلى علاقة طبيعية مع إسرائيل وضمان حدودها وحقوقها، أو حتى إذا كانت بحال عدوان، في كلتا الحالتين الحق الفلسطيني موجود وأصيل”.

وينتشر قرابة 67 في المئة من مجموع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، بالعاصمة دمشق منذ هجرتهم عام 1948 وتشرف عليهم الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين. كذلك صدرت قرارات حكومية عدة خلال عقود ساوت بين الفلسطيني والسوري في مجالات مختلفة منها الوظائف والمهن، علاوة على الطبابة والتعليم، وغيرها من الخدمات، إلا أنه لا يحق لهم الانتخاب أو الترشح لعضوية مجلس الشعب (البرلمان)، في حين يحق للاجئين على سبيل المثال الترشح والانتخاب في المنظمات والنقابات السورية.

المصدر: أندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى