ترامب وتغيير العالم بـ”المطرقة”

ممدوح الشيخ

“الإصلاح بالمطرقة” تعبير يُستخدم للإشارة إلى الأساليب الجذرية في الممارسة السياسية، وهو مفهوم ارتبط تاريخياً بالرؤى “الثورية” (ويمكن هنا استخدام مصطلح “اليسارية”)، لكنّه، في مفارقة تاريخية، أصبح خيار اليمين الأميركي الأكثر تطرّفاً. وانحياز ترامب، بما يمثّله كلّه، إلى هذا الخيار يبدو لكثيرين خياراً شخصياً لا ظاهرةً مؤسّسية. وحقيقة الأمر أنّ التنازع في قسم كبير من الخطاب التحليلي العربي بشأن “الترامبية” بوصفها ظاهرةً؛ بين من يرونها انعكاساً لرؤية “الدولة العميقة” ومن يرونها انقلاباً على “الدولة العميقة”، يغفل عن أنّها يمكن أن تكون انعكاساً لظاهرة لا تكاد تخضع لدراسة متأنّية، ويمكن وصفها بـ”المجتمع العميق”، وما إذا كان هذا المجتمع أقوى من “الدولة العميقة”، وقادراً على منازلتها وتغيير مرتكزاتها الرئيسة، وهذا ما سيكون الثمرة الأخطر لـ”الترامبية”.

ومنذ ستينيّات القرن الماضي، بدت أميركا أكثرَ ليبراليةً ممّا هي عليه في حقيقتها، وهو ما انعكس كالطوفان الهادر في “الصورة النمطية” بمفرداتها كافّة: أفلام هوليوود، والخطاب الحقوقي المتطرّف في ليبراليته، والإعلام المفرط في الاحتفاء بالتعدّدية بوصفها تغليباً لنفوذ الأقلّيات والجماعات الهامشية، وصولاً إلى حقبة “رقمنة أميركا” في السيليكون فالي.

وخلال ربع قرن مضى، كان “المجتمع العميق” يتململ وهو يشعر بأنّ “قلب أميركا”: المحافظ، والمتدين، واليميني، والمعادي للفكرة الليبرالية على نحو شبه تام، يفقد السلطة والثروة، ويختفي من “المنصّات الكُبرى”، وهو ما يُفسِّر جزئياً ما يتكرّر من صدامات بين الرئيس ترامب والإعلام الأميركي.

والتركيز المبالغ فيه على السمات الشخصية لترامب يحجب حقيقة أنّه يُعبّر عن مجموعة ضخمة من القوى السياسية والمجتمعية ظلّت فترة طويلة لا تجد من ينطق باسمها ويتبنى أجنداتها السياسية والاجتماعية. وخلال رئاسته القصيرة، تسبب الرئيس الكاثوليكي الأوّل جون كيندي في دفع اليمين الديني البروتستانتي الأميركي إلى بدء الزحف على البيت الأبيض، لينجح في إيصال من يمثّله إلى المنصب، عندما دخل الرئيس رونالد ريغان البيت الأبيض، مطلع ثمانينيّات القرن الماضي.

الحرب واستخدام القوة والبحث عن “النصر التام” و”التغيير الجذري”، جميعها وسائل مفضّلة لإدارة السياسة الأميركية

وبهذا المعنى، فإنّ “التغيير بالمطرقة” داخلياً وخارجياً، كان يكتسب أنصاراً داخل “المجتمع العميق” في مواجهة القسم الأكبر من “الدولة العميقة”. ومثّلت رئاسة باراك أوباما أقصى درجات الجموح الليبرالي الأميركي، داخلياً وخارجياً، وتحوّل أوباما في وعي القسم الأكبر من اليمين الأميركي إلى “أيقونة الشرّ الليبرالي”، وخطاب ترامب الحادّ عنه يتجاوز العداء الشخصي. وجاءت فترة رئاسة جو بايدن، وبخاصّة في إدارة العلاقات الدولية، لتدفع “المجتمع العميق” إلى أقصى درجات الغضب والتحفّز.

وفي منعطفٍ قد يكون غير مسبوق في التاريخ الأميركي تبلورت “كاثوليكية سياسية محافظة”، تجاوزت الاختلاف المذهبي وأصبحت مكوّناً مؤثّراً في ما يسمّيه بعضهم “يمين مسيحي عام” يستند إلى المشترك بين الكاثوليك والبروتستانت في مواجهة اليسار الليبرالي. ومن المفاجآت التي انطوى عليها هذا التغيير دور كبير لواحد من أكثر التنظيمات الكاثوليكية في العالم غموضاً، “أوبوس داي”، وإحدى ثمار عمله في أميركا سيطرة كبيرة على إدارة ترامب، واختيار جي دي فانس، أحد المتأثّرين بأفكاره بشدّة، نائباً للرئيس، فضلاً عمّا كُشِف من دور كبير لبعض رجالها في صياغة رؤية (مشروع 2025). وتشير تقارير متعدّدة إلى وجود علاقات وثيقة بين “مهندس المشروع”، كيفن روبرتس، رئيس مؤسّسة التراث (Heritage Foundation)، وجماعة أوبوس داي الكاثوليكية، إذ يتلقّى إرشاداً روحياً من مركز تابع لهم في واشنطن.

والمكوّن الكاثوليكي في السياسة الأميركية أسهم على نحو ملموس في انتقال اليمين الأميركي المسيحي المحافظ من “الدهاء الأنكلوسكسوني” إلى “الصليبية الكاثوليكية”، فالحرب واستخدام القوة والبحث عن “النصر التام” و”التغيير الجذري”، جميعها وسائل مفضّلة لإدارة السياسة الأميركية، داخلياً وخارجياً.

والتغييرات التي أدخلها ترامب في رئاسته الأولى على تركيبة المحكمة العليا الأميركية، والتعديلات الكبيرة التي يسعى ترامب، بإصرار ودأب، إلى إدخالها على قواعد إجرائية مؤثّرة في النظام الانتخابي الأميركي، وصولاً إلى التغييرات الجذرية التي يُدخلها وزير الحرب الأميركي على بنية البنتاغون… جميعها حزمة متساندة من التحوّلات تعتمد قاعدة “التغيير بالمطرقة”.

وعلاقات أميركا بالاتحاد الأوروبي، وبحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبمعظم حلفاء أميركا تقريباً، تشمل قواعد جديدة ولغة غير مسبوقة، وما يكاد يجمع بينها جميعاً هو رغبةٌ في إعادة تحديد الوزن النسبي لأميركا وللآخرين، على نحو يدشّن حقبة من “الإملاء الأميركي” على العالم كلّه، وبـ”المطرقة”.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى