الحنين إلى “دبلوماسية البوارج”

شادي لويس

الحنين إلى العهد الاستعماري بشكله الكلاسيكي، حالة سياسية يوظفها اليمين حول العالم. في الغرب، يعلن ذلك الحنين عن نفسه في الدعوات إلى تنقية المناهج الدراسية من الشعور بالذنب تجاه الحقبة الكولونيالية، بل وأحياناً استعادة مشاعر الفخر القومي بها. في الولايات المتحدة، يوجز شعار المرحلة “لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” سياسات الحنين فيما يخص السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء. مثالاً، وبينما تعلو موجة السياسات الخضراء حول العالم وتقدم تقنيات الطاقة المتجددة نتائج واعدة للمستقبل، يقود الرئيس الأميركي حملة للعودة إلى اقتصاد الفحم. علاوة على تأثير لوبيات الوقود الأحفوري، التي لا يمكن تجاهل دورها في الدفع نحو انتهاج تلك السياسات، يبدو الفحم تحديداً وكأنه استعادة رمزية لنقطة البداية في ثورة البخار، نقطة الأصل في الثورة الصناعية الأولى، وصعود الهيمنة الغربية. هذا فيما يخص الداخل، أما فيما يخص السياسات الخارجية فـ”القرن الغربي” الذي أعلن عنه وزير الخارجية الأميركي في مؤتمر ميونخ للأمن، يبشر نصاً لا ضمناً بعودة الزمن الإمبراطوري، بل وبصورته الأوروبية، لا صورته الأميركية التي دمغت القرن العشرين المعروف باسم “القرن الأميركي” .

يحمل الحنين في رحمه ارتكاس ومعانده لحركة الزمن. بمعنى آخر، وراءه طموح يسعى إلى الرجوع إلى الماضي. ولذا، وإن كان “الحكم من السماء” عبر السيطرة الجوية هو عنوان الهيمنة الامبراطورية منذ العقد الثاني من القرن الماضي وحتى اليوم، مع دخول المسيّرات إلى المعادلة السماوية، فإن السياسة الخارجية الأميركية في ظل الولاية الثانية لترامب تبدو وكأنها تعود إلى استراتيجيات “دبلوماسية البوارج” العتيقة. منذ الحروب النابليونية صار الحصار البحري واحد من مرتكزات الحرب في القارة الأوروبية وخارجها. في الولايات المتحدة نفسها، خلال الحرب الأهلية حاصرت البحرية الاتحادية 3500 ميل من الشواطئ الأميركية الجنوبية لخنق اقتصاد الولايات الكونفدرالية. كان حصار المياه الكوبية أثناء أزمة خليج الخنازير العام 1961، وبعده بعقود الحصار البحري على العراق بتفويض أممي بين عامي 1990 و1991، نموذجين استثنائيين لاستخدام الولايات المتحدة لدبلوماسية البوارج، لفرض إرادتها من دون الحاجة إلى التورط في حرب مباشرة.

ولا ينبغي أن ننسى أن حصار غزة البري والبحري والجوي منذ العام 2007، وهو الأطول على الإطلاق في التاريخ الحديث، كان مختبراً استعمارياً لتجريب تقنيات العقاب الجماعي، وتحويلها إلى أسلوب للحكم اليومي غير المباشر، وصولاً إلى تصعيدها نحو الهدف النهائي، أي الإبادة الباردة.

تقدم فنزويلا وكوبا وإيران نماذج لاختبار استراتيجية الحصار البحري المستعادة أميركياً، في سياق الحنين إلى زمن الكشوف البحرية وحكم أعالي البحار بمدافع البوارج. في فنزويلا بدأ الأمر بحصار بحري تبعه هجوم جوي خاطف بالقوات الخاصة انتهى باختطاف الرئيس مادورو وتغيير في تركيبة النظام الحاكم ومن ثم الخضوع للإملاءات الأميركية. في كوبا اقتصر الأمر حتى الآن على الحصار البحري المفروض على توريدات الوقود وهو ما دفع البلاد إلى حافة كارثة إنسانية، ولم ينجح الحصار حتى الآن في انتزاع أي مكاسب أميركية، لكن يمكن لهذا أن يتغير قريباً. أما في إيران فقد فشل القصف الجوي الهائل وعمليات الاغتيال التي طالت الصف الأول من القيادات في تغيير النظام. ولذا، لجأت واشنطن إلى استراتيجيتها المفضلة حالياً وقامت بفرض حصار بحري على صادرات إيران النفطية. تبدو تلك النماذج وكأنها محاكاة مصغرة لمخطط مواجهة الصين من دون حرب مباشرة عبر حصارها بحرياً، وهو المخطط الذي لطالما تم تداوله في أروقة العسكرية الأميركية.

دروس الحربين الإمبرياليتين في العراق وأفغانستان قادت الطبقة السياسة الأميركية إلى لفظ مصطلح “الغزو البري” خارج معجم اللغة السياسية. لكن وكما تكشف المغامرة الأميركية الإسرائيلية في إيران أن القصف الجوي وحدة ليس كافياً لتحقيق النصر، لم يعد أمام إدارة ترامب سوى “دبلوماسية البوارج”، الحد الأدنى من الحرب والحد الأقصى من العقاب الجماعي. المخاطرة هو أن وصفة الحصار البحري لو فشلت، ستكشف عجزاً أميركياً فادحاً.

 

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى