ربّان بلا بوصلة… حكاية دولة تقودها العاصفة

سيّار الجميل

في جمهوريةٍ تُقاس فيها الدولة بعدد الأختام لا بعدد الإنجازات، يُعلن المذيع بوجهٍ واثق: “نهنئ شعبنا بقدوم رئيس وزراء شابّ، رجل أعمال ناجح، لم تُلوِّثه السياسة بعد”، فيتنفّس الناس الصعداء. أخيراً وجدوا من لم يتدرّب على إدارة الفشل، ولا يعرف مصدر ثروته، وسيُمنح فرصةً لتعلّمها على الهواء مباشرة. في هذا البلد، الخبرة عيبٌ لأنّها تفضح العيوب، والجهل فضيلةٌ لأنّه قابلٌ للتشكيل. أمّا “الدولة العميقة” فهي كالكهرباء، لا تُرى لكنّها تُطفئ النور متى شاءت، وتُعيده في مواسم التصفيق. وقد يظنّ القارئ أنّ هذه الحكاية خيال، لكنّها، للأسف، تُروى كل يوم في بلادٍ نعرفها جيّداً، وهي من أعرق البلدان.

المجتمع هنا منهكٌ إلى درجة أنّه صار يوفّر طاقته حتى في الاعتراض. المواطن يعرف الطريق إلى الدائرة الحكومية كما يعرف طريقه إلى بيته: بوابة، حارس، ابتسامةٌ مكسورة، ثم سؤالٌ تقليدي: “من طرف منو؟”. إن أجاب: “من طرف القانون”، ضحكوا بحنانٍ أبوي وأرشدوه إلى الباب الخطأ. الفساد ليس حادثةً، بل هو لغة التعامل، له نحوٌ وصرف، وله أمثالٌ شعبية، وله حكماء يعلّمونك كيف “تدبّر أمورك” من دون أن تُسمّي الأشياء بأسمائها. وإذا سألت عن المواطنة، قالوا لك: “موجودة… في الكتب”.

ثم يأتي الربّان الجديد. شابٌّ في مطالع أربعينياته، أنيقٌ ببدلةٍ تفهم المال أكثر ممّا يفهم السياسة، وبلحية سوداء. يُقال إنّه مليونير. وهذه ميزةٌ في بلدٍ يثق بالثروة أكثر من الثقة بالخبرة. لا حزب له، وهذا أفضل، فالأحزاب تتعب. ولا كتلةَ تدعمه، وهذا أروع؛ فالدعم يُقيّد. سيحكم بخفّةٍ لا تُثقله التحالفات، إن بقي في السلطة وسط الحيتان، ويبحر كما يبحر قاربٌ بلا مجاديف، لأنّه لا يريد أن يُقيّد نفسه بالاتجاه. حوله مستشارون من كلّ لون، يتفقون على أمرٍ واحد، أن يختلفوا في كلّ شيء كي يبقى القرار معلّقاً مثل مصباحٍ في رياحٍ دائمة.

مليونير… هذه ميزةٌ في بلدٍ يثق بالثروة أكثر من الثقة بالخبرة

أمّا السفينة، فقصتها أجمل. بحرٌ هائج، وأمواجٌ عالية، وخريطةٌ قديمة عليها ملاحظات حديثة بخطٍّ لا يُقرأ. الربّان يرفع المنظار فيرى الشاطئ، ثمّ يراه مرّةً أخرى في اتجاهٍ معاكس. يسأل: “أين الشمال؟” فيجيبه أحدهم: “حيث تتجه مصلحتنا وجماعتنا اليوم”، فيدوّن الملاحظة بإعجاب: الشمال متحرّك. يمرّون بجزيرةٍ اسمها “الإصلاح”، يلوّحون لها من بعيد كي لا تلوّح لهم بالالتزامات، ويقتربون من مرفأ “الخدمات”، فيكتشفون أنّ الرصيف يحتاج إلى خدمة قبل أن يخدم.

وفي غرفة القيادة ساعةٌ تتأخّر عمداً كي تلحق بوعودٍ تتقدّم دائماً. يجلس القادة إلى الطاولة كمن اجتمعوا مصادفةً في المكان الخطأ؛ وجوهٌ لم تتعلّم قراءة الخرائط، وأيدٍ لا تفرّق بين الدفّة والبوصلة. يتحدّثون كثيراً عن الوطن، لكنّهم لا يعرفون حدوده إلّا كما تُرسم في نشرات الأخبار. قراراتهم تأتي متأخّرةً أو مبتورةً، كأنّها ترجمةٌ رديئةٌ لواقعٍ لا يفهمونه، وتقديراتهم تُبنى على الحدْس لا على المعرفة، وعلى الانطباع لا على التجربة. لا يتوقّعون العاصفة إلّا بعد أن تغمرهم، ولا يرون الشاطئ إلّا إذا اصطدموا به.

الأغرب أنّهم لا يتعاملون مع مواقعهم بوصفها مسؤوليةً، بل دهشة لم تكتمل بعد؛ كأنّهم ما زالوا يسألون في سرّهم: كيف وصلنا إلى هنا؟ لم يحلموا يوماً بالقيادة، ولم يستعدّوا لها، فبدت السلطة عليهم بدلةً واسعةً، يتحرّكون داخلها بحذرٍ مرتبك، يخفون جهلهم خلف عناوين كبيرة، ويؤجّلون الحقيقة إلى موعدٍ لا يأتي. القرارات تُطبخ على نارٍ هادئة حتى تحترق، ثم تُقدّم باعتبارها إنجازاً مُدخّناً. وإذا تعثّر شيء، تُفتح نافذة الرياح ويُقال: “العاصفة أقوى من الجميع”، ولم ينجح أيّ شيء، وتُغلق النافذة.

العبرة في قواعد لعبةٍ فاشلة تدير الدفة فيها الرياح والدولة ممكنة إن قرّرت أن تكون

مع ذلك، ثمّة تفاصيل صغيرة تفسد هذه الكوميديا السوداء؛ موظّفٌ يرفض رشوةً لأنّه تعب من التعب، طبيبةٌ تعمل أكثر ممّا يُدفع لها لأنّها لا تعرف كيف تساوم على حياة، طلابٌ يحفظون الدروس لا لأنّ الامتحان قريب، بل لأنّ المستقبل بعيد ويحتاج إلى ذاكرة. هذه الشقوق الهادئة في جدار السخرية تقول إنّ البلد ليس فكرةً واحدةً، ولا قدراً مكتوباً بخطٍّ واحد.

في النهاية، سيخاطب الربّان شعبه: “نحن نسير في الاتجاه الصحيح”، ولن يحدّد أيّ اتجاه. سيصفّق بعضهم لأنّ التصفيق عادة، وسيبتسم بعضهم لأنّ الابتسام نجاة، وسيصمت بعضهم لأنّ الصمت أحياناً أعلى من الكلام. أمّا السفينة، فستبقى تمشي (وهذا بحدّ ذاته إنجاز) بين موجٍ يعرف أسماءه أكثر ممّا يعرف وجهته.

العبرة؟… ليست في شابٍّ جاء، ولا في بحرٍ هاج، بل في قواعد لعبةٍ فاشلة تجعل الرياح تُدير الدفّة. فإذا تغيّرت القواعد، صار للشمال معنى، وللخرائط فائدة، وللربّان (أيّ ربّان) فرصة أن يقود لا أن يُقاد. وحتى ذلك الحين، سنظلّ نكتب في هامش الدفتر: الدولة ممكنة… إذا قرّرت أن تكون كذلك.

المصدر: العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى