
ليلى الأطرش روائية أردنية متميزة، روايتها أبناء الريح هي أول عمل روائي اقرأه لها.
تعتمد رواية أبناء الريح في السرد لغة المتكلم على لسان سفيان الشخصية المحورية في الرواية. حيث يتحدث فيها عن حياته في مركز الرعاية الذي وضع به منذ طفولته المبكرة حتى سن الثامنة عشر، حيث يخرج من مركز الرعاية لبناء حياته بمسؤوليته الشخصية.
تبدأ الرواية من لحظة فارقة في الرواية في خواتيم أحداثها، حيث تتمنى زوجة سفيان ان تجهض طفلتها التي حملت بها خوفا من أن تلقى مصيرها ومصير زوجها كأولاد عاشوا حياتهم المأساوية في مركز الرعاية وقاسوا فيها ومن أهلهم الذين كانوا سبب وقوعهم في مأساة الضياع وان يكونوا اولاد جمعية الرعاية ولا اهل لهم.
سفيان طفل أدرك في بدايات وعيه كصور باهتة أنه طفل صغير كانت تحتضنه أمه، ثم شاهدها مضرجة في دمائها وبعد ذلك بدأت تتشكل ذاكرته داخل مركز الرعاية للأطفال الفاقدي الاهل او المتخلى عنهم من قبل اهلهم لاسباب مختلفة.
في مركز الرعاية الأطفال يعيشون حياة متشابهة ، العناية والاهتمام الصحي والمعيشي والتعليم يقوم به مركز الرعاية، تحت رعاية الدولة، كذلك يساهم في تمويله الكثير من اهل الخير.
أهم معاناة عند الأطفال في مركز الرعاية أنهم لا يعرفون عن ماضيهم أي شيء، وهم بذلك قلقون من احتمالات أن يكونوا أولاد “حرام” لقطاء، فهذا يؤدي لمشاعر قاسية يعيشها الطفل رغم عدم مسؤوليته الشخصية عن من كانوا اهله وكيف جاء الى الحياة. ولا مشكلة لدى الأطفال عن أي سبب آخر أدى ليودعوا في مركز الرعاية، لأن الموقف الاجتماعي القاسي من هؤلاء الأطفال لا ينظر الى كونهم ضحايا وضعهم وليسوا سببا فيه.
يتمنى الاطفال ان يكونوا أولاد أهل تخاصموا وانفصلوا وتخلوا عنهم ووضعوهم في مركز الرعاية، او لو ان ابا او اما ماتو في حادث ما، وكان مصيرهم مركز الرعاية. أو غير ذلك.
كان الأطفال يعيشون في مراكز مفروزين فيها حسب أعمارهم فهم في سن الطفولة يكونون موجودين مع بعضهم ذكور واناث، الكل ينادي الآخرين اخي واختي. والمدبرة لهم ينادونها امي. بعد ذلك في بداية المراهقة يتم فصل الذكور عن الإناث، تبقى في ذاكرتهم بدايات تشكل مشاعر عائلات بديلة عن عائلاتهم التي حرموا منها لسبب ما.
فكّر سفيان وبعض من “إخوته” بأنه عليهم ان يعرفوا ماضيهم. وهذا غير ممكن ما قبل وصولهم الى سن الثامنة عشر، عندها يتم اخراجهم من مركز الرعاية مع وثائقهم الثبوتية ومعلومات حياتهم السابقة. لكن سفيان و”إخوته” في المركز يقرروا ان يعرفوا ماضيهم المخبأ في مركز الرعاية في أضابير خاصة لكل منهم. حصلوا على مفتاح الخزنة في احتيال على مسؤول الخزينة ووصلوا إلى اضابيرهم. وكانت النتيجة قاسية عليهم كلهم. هذا الذي اكتشف انه لقيط وجد بعمر ايام ملقيا على باب مركز الرعاية. وهذا الذي وجد أن أباه قتل أمه ومن ثم مات بظروف غامضة ووضعه عمه في مركز الرعاية لعدم قدرته على تحمل نفقته. وذلك اكتشف ان اباه وامه تفرقا من زواج غير ناجح وتزوج الأب وتزوجت الأم ثانية ولم يكن له من يتحمّل معيشته معه منهم فوضعوه في مركز الرعاية. وتلك اكتشفت أن والداها توفيا بحادث سير وهي كانت في عهدة جدتها. التي ماتت بعد وقت ولم يكن لها من يرعاها فوضعت في مركز الرعاية. وهكذا تتنوع مآسي هؤلاء الأطفال ذكورا واناث.
سفيان لملم أطراف قصته من ذاكرته الباهتة ومن المعلومات التي عثر عليها في الخزنة التي فتحوها ووصلوا إلى قصصهم الحقيقية. علم أن والده ووالدته تزوجا عن حب وكانوا يعيشون حياة سعيدة. وكان لأبيه قريب، ابن عمه يغار منه ويحسده على زوجته أم سفيان ، حاول استمالتها أكثر من مرة ، لكنها ردعته، فقرر أن يتهمها بعرضها وان لها عشيق يحضر الى بيتها أثناء غياب زوجها في عمله. خطط للإيقاع بابن عمه وزوجته ونجح وعندما جاء الزوج وهرب الرجل المدعى أنه عشيقها. غضب الزوج و قتل زوجته التي كانت تحضن ابنهم البكر سفيان. ودخل السجن وخرج بعد أشهر لأن جريمته جريمة شرف، ثم مات بظروف غامضة. وكان مصير سفيان أن وضعه ابن عم أبيه في مركز الرعاية بعدما رفض جده أن يحتضنه لاعتقاده أنه قد يكون ابن حرام. وهكذا عاش سفيان في مركز الرعاية. أما عمّه فقد تغيرت أحواله وذهب الى دبي وتحسنت أحواله وأصبح ثريا ، لكن لم تهدأ في نفسه معاناته أنه سبب بمقتل زوجة ابن عمه وحتى موت ابن عمه ايضا، وضياع مستقبل ابنهم الطفل سفيان.
عاش سفيان في مركز الرعاية وكون له عائلة بديلة من اخوته واخواته في المركز، كبر وفي ذهنه أن طريق خلاصه يكمن في أن يعطي للتعلم كل اهتمامه. وأصبح متفوقا وعندما يخرج سيبحث عن عمه ويتواصل معه في دبي ليذهب إليه ويساعده في الدخول في الجامعة. يساعده عمّه في الدخول للجامعة و تأمين مصاريفه فترة الدراسة كتعويض عن تأنيب الضمير مما فعل بابن عمه والد سفيان وزوجته وما جناه على حياة سفيان.
يتوسع سفيان بالتحدث عن عالم مركز الرعاية وأنه يبقى افضل من العيش في عائلة مفككة، أو العيش كأطفال الشوارع. الذين تعرف عليهم سفيان عندما احضرت بعضهم الشرطة ووضعتهم في المركز وكيف فكروا بالهروب وعيش الحرية في حياتهم خارج المركز، ويشاركهم سفيان بالتخطيط والهروب ليكتشف واقعا مأساويا مؤلما لا انسانيا يعيشه أطفال الشوارع، فهم ضحايا التحرش الجنسي وممارسة اللواطة وتعاطي المخدرات، والسرقة والتسول والبلطجة ممن يستخدمهم ويمارس معهم جميع أنواع الرذيلة.
يهرب سفيان من المكان الذي ذهب اليه بعد هربه من مركز الرعاية، ويسلم نفسه للشرطة ليأخذوه إلى مركز الرعاية الذي كان بالنسبة له العائلة التي تحتضنه وتحميه.
تمر السنين ويصل سفيان الى سن الثامنة عشر ويستلم وثائقه ويتم اخراجه من مركز الرعاية ويتواصل مع عمه في دبي، عمه الذي يقرر أن يحتضنه كتعويض عن تأنيب الضمير، وبعدما أصبح ثريا ولا يضره احتضان ابن عمه.
ذهب سفيان الى دبي وتابع دراسته وأصبح طبيب اسنان وبدأ رحلة الحياة والعمل.
عاد سفيان إلى مركز الرعاية يسأل عن إخوته وأخواته الذين كان معهم، والتقى ببعضهم كل وجد له طريقا في الحياة.
وصل الى تلك التي تركت في نفسه أثرا منذ طفولته. التقى بها وأعادوا تذكر ماضيهم المشترك. وبدأوا حياة جديدة كزوجين يحملان تركة نفسية وحياتية قاسية.
هنا تنتهي الرواية .
في التعقيب عليها اقول:
انني امام رواية تطال موضوعا مهما جدا ، إنساني بامتياز ، انه واقع الطفولة التي تقع ضحية مظلومية اجتماعية تؤدي لكوارث على حياة الأطفال. وكيف وجدت هذه المراكز التي تحتضن وتربي وتعلم وتحمي هؤلاء الأطفال ليصلوا الى سن يستطيعوا بها أن يبنوا حياتهم ويعيشون بأمان ويصنعوا حياتهم الافضل متجاوزين ماضيهم المؤلم بكل المعايير ليصنعوا مستقبلهم المختلف والافضل.
تعيدنا الرواية الى حقيقة الوجود الإنساني وضرورة الحفاظ على الكرامة الانسانية والاخلاق والقيم والمبادئ وحرمة الدم وقدسية الإنسان وحياته. وان المجتمع والدولة ومؤسساتها كلهم مسؤولين عن حماية الطفولة، كلهم أبنائهم، وأن يجعلهم يعيشون في ظروف تؤمن حياتهم تحت مظلة الحرية والعدالة والكرامة الانسانية والحياة الافضل.






