
تشير التحوّلات الجارية في بنية النظام الدولي إلى لحظة انتقالية معقّدة، لم تُحسم مآلاتها بعد، إذ تتقاطع مؤشّرات تآكل الأحادية القطبية مع غياب بديل مستقرّ قادر على إعادة تشكيل التوازن في النظام الدولي. وفي هذا السياق، يبرز تقرير التوازن العسكري (Military Balance 2026)، الصادر عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، بوصفه مرجعاً تحليلياً مهمّاً يكشف تصاعداً ملحوظاً في الإنفاق العسكري العالمي، وتنامي القدرات الدفاعية للدول، في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين الاستراتيجي على المستوى الدولي.
ليس خافياً على أحد كيف ساهمت سياسات إدارة دونالد ترامب في ولايتها الثانية في إعادة تشكيل أولويات الأمن الدولي، من خلال تبنّي مقاربة تقوم على تقليص الالتزامات الدولية للولايات المتحدة، والدفع نحو إعادة توزيع أعباء الأمن على الحلفاء، لا سيّما في أوروبا. وقد تجلّى هذا التوجّه في الضغط المتزايد على دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي يراه ترامب عديم الجدوى ونمرا من ورق، لرفع إنفاقها الدفاعي. وفي ظلّ هذا التحوّل في الموقف الأميركي، وتزايد المخاوف الأوروبية من التهديد الروسي، وافق أعضاء “ناتو” الأوروبيون، باستثناء إسبانيا، خلال قمّة لاهاي في يونيو/ حزيران الماضي على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلّي الإجمالي بحلول عام 2035. وقد استمرّ نمو الإنفاق الدفاعي في أوروبا بمعدّلات قياسية خلال عام 2025، فشكّل أكثر من 21% من إجمالي الإنفاق العالمي البالغ 2.63 تريليون دولار، مقارنةً بـ2.48 تريليون دولار في 2024. ويعكس هذا الاتجاه عودةً متسارعةً إلى منطق الاعتماد على الذات في المجال الأمني والعسكري بعد سنوات من المظلّة الأمنية الأميركية في القارة الأوروبية.
ولا يقتصر هذا التحوّل على حلف شمال الأطلسي وعلاقة واشنطن بدول الاتحاد الأوروبي التي تعتمد بشكل رئيس على المظلّة الأمنية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بل يمتدّ إلى مناطق أخرى من العالم، بما فيها المنطقة العربية أيضاً، وعبر إعادة تعريف واشنطن دورها في إدارة النظام الدولي، إذ اتّجهت نحو تقليص انخراطها في عدد من المؤسّسات والمنظّمات الدولية، وهو ما يعكس تحوّلاً بنيوياً من دور “القائد للنظام الدولي” إلى فاعل أكثر انتقائية في التزاماته. وقد أسهم هذا التراجع النسبي في خلق فراغ نسبي في بنية الحوكمة العالمية، ما عزّز من جديد حالة عدم اليقين التي باتت سمةً مركزيةً في السياسة الدولية.
مرحلة ما بعد الأحادية القطبية مرحلةً مفتوحةً على احتمالات متعدّدة، تتراوح بين إعادة تشكيل التوازنات، أو الانزلاق نحو مزيد من عدم الاستقرار
غير أنّ هذا التحوّل لا يقابله، حتى اللحظة، صعود مكتمل لقوة دولية بديلة قادرة على ملء الفراغ. فالصين، رغم صعودها قوةً اقتصادية وتجارية كبرى، لا تزال محدودة التأثير نسبياً في المجالين العسكري والسياسي على المستوى العالمي، ولم تُترجم قوتها الاقتصادية بعد إلى قدرة موازية على إدارة النظام الدولي أو إعادة تشكيل قواعده. وبذلك، يمكن القول إنّ النظام الدولي الراهن يقترب من حالة “تعدّدية اقتصادية” غير مكتملة، في ظلّ استمرار التفوّق الأميركي في مجالات القوة الصلبة والقدرة على التأثير السياسي العالمي.
ومن هنا، تبرز مفارقة بنيوية في النظام الدولي المعاصر، فبينما تتآكل أسس الأحادية القطبية، لا تتبلور في المقابل تعدّدية قطبية مستقرّة، بل إنّ ما نشهده هو حالة وسطية يصفها الكاتب بـ”الأحادية القطبية غير المستقرّة”، إذ تظلّ الولايات المتحدة القوة المهيمنة، لكن مع تراجع نسبي في قدرتها على فرض قواعد النظام، وتزايد في ميلها إلى تقليص التزاماتها الدولية. في هذا السياق، تصبح حالة عدم اليقين، وليس التوازن، السمة الغالبة على النظام الدولي، إذ تتزايد النزاعات في مناطق مختلفة من العالم، وترتفع معها مستويات التسلّح، وتتعاظم الشكوك بين الحلفاء، في ظلّ غياب إطار مؤسّسي قادر على ضبط هذه التحوّلات. كما يتّجه النظام الدولي نحو نمط من “عدم الاستقرار البنيوي”، حيث لا تتحدّد القواعد بوضوح، ولا تستقرّ موازين القوى، بل تظلّ في حالة سيولة مستمرّة.
وعليه، يمكن القول إنّ النظام الدولي الذي سيتشكّل في السنوات المقبلة لن يكون عودةً بسيطةً إلى التعدّدية القطبية الكلاسيكية، ولا استمراراً خالصاً للأحادية الأميركية، بل أقرب إلى نظام هجين يتّسم بتداخل مستويات القوة، وتعدّد مراكز التأثير، مع غياب مركز قيادي واضح قادر على إنتاج الاستقرار. وهو ما يجعل من مرحلة ما بعد الأحادية القطبية مرحلةً مفتوحةً على احتمالات متعدّدة، تتراوح بين إعادة تشكيل التوازنات، أو الانزلاق نحو مزيد من عدم الاستقرار في عالم فوضوي تغيب منه السلطة المركزية.
المصدر: العربي الجديد






