
يُطلق على الحرب المشتعلة حالياً في المنطقة اسم “الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران”، وهو وصف غير دقيق. لسببَين: الأوّل، صعوبة فصل هذه الحرب عن سلسلة حروب راحت تتناسل في المنطقة منذ انفجار “طوفان الأقصى” (2023). والثاني، أنّها حرب تندرج فيها أطراف أخرى غير الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، خصوصاً أنّ ساحتها امتدّت إلى جميع الدول المشاطئة للخليج العربي. معنى ذلك أنّ ما تشهده المنطقة حالياً ليس ناجماً عن حروبٍ منفصلة، وإنّما هو نتاج حرب واحدة انطلقت شرارتها من قطاع غزّة، ثم راحت دائرة نيرانها المشتعلة تتّسع إلى أن طاولت ألسنتها أقاليمَ ودولاً عدّةً داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها، هي: قطاع غزّة، ودولة الاحتلال الإسرائيلي، والضفة الغربية، ولبنان، وسورية، والعراق، واليمن، وإيران، والولايات المتحدة، والأردن، والسعودية، والإمارات، والكويت، وقطر، والبحرين، وسلطنة عُمان. فإلى أيّ شيء ينبغي لنا أن نستند في سياق كهذا لوصف حقيقة ما يجري؟
يبدو أنّ عنوان هذا المقال، الذي يوحي بأنّ منطقة الشرق الأوسط تتعرّض لحرب أميركية إسرائيلية مشتركة، ربّما يكون التوصيف الأدقّ لما يجري فيها. فما كان للحرب المشتعلة فيها حالياً أن تنشب إلا بسبب تعرّض القضية الفلسطينية لإهمال متعمّد حال دون العثور على تسوية عادلة لها. ولأنّ “طوفان الأقصى” الذي أذهل الجميع بحجمه وبتداعياته المتوقَّعة لم يكن سوى صرخة في وجه هذا الإهمال، فقد كان من الطبيعي أن يتسبّب في تفجير سلسلة متتالية من التفاعلات غير المنضبطة، وأن تفضي هذه التفاعلات، في نهاية المطاف، إلى تشكيل تحالف عسكري إسرائيلي أميركي يسعى إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة برمّتها. كما كان من الطبيعي في الوقت نفسه أن تثور تساؤلات عديدة حول ما إذا كان العالم العربي قد استوعب الأحداث التي راحت تهزّ المنطقة منذ ذلك الحين، وأصبح جاهزاً لاستخلاص الدروس والعبر المستفادة منها.
فقبل “طوفان الأقصى”، كانت جميع الدول العربية منكفئةً إلى قضاياها الداخلية، ومنشغلةً في الوقت نفسه بقضايا أخرى لم تكن القضية الفلسطينية من بينها. فالسعودية، أكثر الدول العربية أهميةً من زاوية ما ترمز إليه دينياً ومالياً، كانت تسعى إلى تهيئة الرأي العام المحلّي والإقليمي لتقبّل فكرة تطبيع العلاقة مع إسرائيل، تدلّ على ذلك مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، نُشرت في 21 سبتمبر/ أيلول 2023، أي قبل أسبوعين فقط من “طوفان الأقصى”، قال فيها ولي العهد السعودي محمّد بن سلمان: “نقترب كلّ يوم أكثر من تطبيع علاقاتنا مع إسرائيل”، وهو تصريح يشي بأنّ الأجواء السائدة في العالم العربي، في ذلك الوقت، كانت تؤكّد أنّ الدول العربية على وشك التخلّي عن المبادرة التي أُقرّت في قمّة بيروت العربية لعام 2002، وربطت عضوياً بين تطبيع العلاقة مع إسرائيل وبين تأسيس دولة فلسطينية مستقلّة عاصمتها القدس الشرقية في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967. واقتراب دولة عربية بحجم السعودية من فكرة التطبيع مع إسرائيل، من دون قيام دولة فلسطينية مستقلّة بوصفها شرطاً مسبقاً، كان سيؤدّي حتماً إلى تراجع القضية الفلسطينية، وربّما إلى سقوطها نهائياً من جدول أعمال النظامَين العربي والدولي. غير أنّ إطلاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لـ”طوفان الأقصى” قلب هذه الحسابات كلّها رأساً على عقب.
كان الردّ الإسرائيلي على “طوفان الأقصى” عنيفاً وانتقامياً، ومحاولةً لتحويل المحنة إلى منحة
كان الردّ الإسرائيلي على “طوفان الأقصى” عنيفاً وانتقامياً، وربّما انطوى ضمناً على محاولة لتحويل المحنة إلى منحة. فقد شنّت آلة الحرب الإسرائيلية هجوماً شاملاً على الشعب الفلسطيني، استهدف استئصاله أو إجباره على الهجرة القسرية، ليس من قطاع غزّة فحسب، وإنّما من الضفة الغربية أيضاً، ما أثار سلسلةً من ردّات الفعل التي أدّت إلى توسيع نطاق المواجهة المسلّحة لجميع مكوّنات “محور المقاومة”، وبالتالي امتدادها تدريجياً إلى الجبهات اللبنانية والسورية والعراقية واليمنية، عبر ولوج فاعلين من غير الدول: حزب الله في لبنان وجماعة أنصار الله (الحوثي) في اليمن وبعض المليشيات العراقية، إلى ساحة المواجهة في مرحلة أولى، ثم عبر انتقال المواجهة في مرحلة تالية إلى الساحة الإيرانية. ولأنّه لم يكن باستطاعة إسرائيل شنّ الحرب على إيران بمفردها، فقد سعت لجرّ الولايات المتحدة إلى المشاركة معها، وهو ما نجحت فيه مرَّتَين متتاليتَين، الأولى في يونيو/ حزيران 2025، والثانية في فبراير/ شباط 2026. وبينما استهدفت الحرب الأولى تدمير منشآت إيران النووية وتقليص قدراتها العسكرية، استهدفت الحرب الثانية تغيير النظام الحاكم في إيران. ولأنّ الأخير اعتبرها حرباً وجوديةً تستهدف تدمير الدولة الإيرانية وتفتيتها، وليس تغيير نظامها الحاكم فحسب، فقد كان من الطبيعي أن يلجأ إلى عناصر القوة كافّة التي في حوزته لإلحاق الأذى بإسرائيل، ولضرب القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في المنطقة في الوقت نفسه. وكان هذا هو السياق الذي تحوّلت فيه جميع القواعد العسكرية والمصالح الأميركية فوق أراضي دول الخليج العربية إلى أهداف في مرمى النيران الإيرانية.
أظهر “طوفان الأقصى” أنّ النظام العربي في حالة يُرثى لها من العجز والانكشاف، لا فرق في هذا بين دول كبيرة وأخرى صغيرة، أو بين دول غنيّة وأخرى فقيرة، أو بين دول حليفة للولايات المتحدة وأخرى تدّعي بأنّ لديها علاقات متميّزة تربطها بروسيا والصين، ما تجلّى بوضوح إبّان جميع المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع “طوفان الأقصى”. وتجلّى انكشاف النظام العربي إبّان الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني بوضوح من خلال مسألتَين. الأولى حين عجز عن توفير الحماية للشعب الفلسطيني الذي تعرّض لحرب إبادة جماعية على مدى عامَين متتاليَين، والثانية حين عجز عن مدّ الشعب الفلسطيني بمعونات إنسانية تكفي لإنقاذه من الموت جوعاً أو عطشاً أو مرضاً. صحيح أنّ مصر والأردن وقفتا بحزم ضدّ محاولات التهجير القسري التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، وهو موقف يُحسب لهما، ولا يجوز إنكاره، غير أنّ الأمانة العلمية تقضي بالاعتراف في الوقت نفسه بأنّ الفضل الأول في إفشال مخطّط التهجير يعود أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى صمود الشعب الفلسطيني، الذي أصرّ على البقاء في أرضه والتشبّث بها، رغم ما قدّمه من تضحيات اقتربت من ربع مليون نسمة بين شهيد وجريح ومفقود، أي ما يعادل 10% من إجمالي سكّان قطاع غزّة، وهو رقم رهيب تشيب له الرؤوس. يلفت النظر هنا أنّ الدول العربية التي ترتبط مع إسرائيل بعلاقات دبلوماسية بدت عاجزةً حتى عن سحب سفرائها من هناك تعبيراً رمزياً عن رفضها لما ترتكبه إسرائيل من جرائم ضدّ الإنسانية، وعن احتجاجها على عمليات الإبادة الجماعية التي ترتكبها في حقّ الشعب الفلسطيني الأعزل. كما يلفت النظر أنّ الدول العربية الغنيّة التي تستثمر مئات المليارات من الدولارات في سندات الخزينة الأميركية، لم تجرؤ حتى على مجرّد التلويح بسحب هذه الأموال للضغط على الولايات المتحدة كي تضغط بدورها على إسرائيل. ولا يمكن تفسير هذه المواقف المتخاذلة إلا بأحد أمرَين (أو بكليهما)؛ خوفها من إسرائيل و/ أو موافقتها الضمنية على التخلّص من فصائل المقاومة المسلّحة وتفويض إسرائيل للقيام بهذه المهمّة نيابة عنها.
إصرار الولايات المتحدة على التمسّك بإسرائيل سيؤدّي إلى انحدارهما معاً نحو الهاوية
أمّا انكشاف النظام العربي إبّان الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فقد تجلّى في مناسبتَين: الأولى إبّان حرب الـ12 يوماً، حين قرّرت دول عربية تستضيف قواعد أميركية على أراضيها السماح للقوات الموجودة فيها بالتصدّي للمسيّرات والصواريخ الإيرانية الموجَّهة إلى إسرائيل، ما ألبسها ثوب الدول المنحازة لإسرائيل، المناهضة لإيران، والمرتبطة بعلاقات تبعية مع الولايات المتحدة. خفّفت من حدّة هذا الانكشاف محدودية المشاركة الأميركية في هذه الحرب واقتصارها على ضرب المنشآت النووية الإيرانية. الثانية إبّان حرب الأربعين يوماً، حين فشلت جميع الدول العربية التي تستضيف قواعد أميركية على أراضيها في اتخاذ قرار بالتجميد التام لأنشطة هذه القواعد إبّان الحرب، خصوصاً أنّ الدور الأميركي فيها كان الأبرز والأكثر فاعلية من الدور الإسرائيلي نفسه. ولأنّ إيران كانت قد أفصحت سلفاً عن عزمها على ضرب هذه القواعد إذا نشبت الحرب، فقد عكس إصرار الولايات المتحدة على شنّها مدى الاستهانة بمصالح الدول العربية، بل إنّها سعت إلى توريط الدول العربية فيها، وحسناً فعلت هذه الدول حين اكتفت بصدّ الهجمات الإيرانية، إعمالاً لحقّها المشروع في الدفاع عن النفس، وحين رفضت التورّط في حرب عدوانية على دولة جارة.
تفيد دلائل عديدة بأنّ الحرب الصهيوأميركية على المنطقة فشلت في تحقيق أيٍّ من أهدافها، حتى كتابة هذه السطور على الأقلّ، كما تشير إلى أنّ العالم العربي سيكون الخاسر الأكبر فيها في جميع الأحوال، خصوصاً أنّه لم يحاول توظيف كافّة الموارد التي في حوزته لصيانة مصالحه والدفاع عنها. وما لم يتمكّن النظام العربي من استخلاص الدروس المستفادة ممّا جرى للمنطقة وفيها منذ “طوفان الأقصى”، فسوف يسقط وينهار كلّياً. ورغم وفرة هذه الدروس، إلا أنّها قابلة للاختزال في مسألتَين رئيسيَّتَين، تتعلّق الأولى بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة في كامل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، فهذا الهدف ليس ترفاً يمكن التغاضي عنه، أو مكرمةً من أجل شعب مهيض الجناح، وإنّما هو خطّ الدفاع الأوّل عن وجود العالم العربي نفسه، وضرورةً لا غنى عنها لحماية وتأمين مستقبله. أمّا الثانية فتتعلق بأمن الدول العربية، فأمن أيّ دولة عربية لا ينفصل البتّة عن أمن جميع الدول العربية، وكلاهما؛ أي أمن كلّ دولة وأمن الدول العربية مجتمعةً، لن يتحقّقا إلا بالاعتماد على الذات وليس على الولايات المتحدة التي تحتقر كلّ ما هو عربي وإسلامي، ولا تعترف إلا بحليف أبدي واحد هو إسرائيل. ولأنّ الصهيونية لا تقلّ بشاعةً عن النازية في طبعتها المعاصرة، فلن يكون بمقدور الولايات المتحدة إنقاذ نفسها إلا إذا تخلّت عن إسرائيل، لأنّ الإصرار على التمسّك بها سيؤدّي إلى انحدارهما معاً نحو الهاوية.
المصدر: العربي الجديد






